“تتكون جميع المواد من ذرات”؛ هذه واحدة من الحقائق البيّنة التي نعرفها الآن، وواحدة من الأشياء التي تعلمناها في بداية المرحلة الثانوية في صفوف الكيمياء. وعلى الرغم من ذلك، فإن أفكارنا حول ماهية الذرة تعد حديثةً للغاية. فقبل أقل من مئة عام، كان العلماء لا يزالون يتناقشون حول ماهية الذرة وشكلها بالضبط ..

بالرغم من أن رسمنا للذرة بدأ في القرن الثامن عشر، إلا أنَّ فكرة وجود الذرات كانت مترسخة في الأذهان قبل ذلك بفترة طويلة. في الواقع، علينا الذهاب لليونان القديمة للعثور على نشأتها.
تأتي كلمة “ذرة” في المقام الأول من اليونانية القديمة، وتترجم تقريباً إلى “غير قابل للتجزئة”. وهذه النظرية اليونانية القديمة يعود فضلها إلى العديد من العلماء المختلفين، ولكن غالباً ما تنسب إلى الفيلسوف الشهير ديموقريطوس Democritus الذي عاش في الفترة (460-370 ق.م.) ومُعلّمه ليوكيبوس  Leucippus. وعلى الرغم من أن أفكارهم حول الذرات كانت بدائية مقارنة بمفاهيمنا اليوم، فقد بيّنوا فكرة أن كل شيء مصنوع من ذرات، وأنها كروية غير مرئية وغير قابلة للتجزئة، ذات أعدادٍ وأنواعٍ لا حصر لها.

تصورَ هؤلاء العلماء أنَّ الذرات تتنوع أشكالها تبعاً لنوع الذرة. وتصوروا أيضاً أنَّ ذرات الحديد تمتلك خطافات تعمل على تماسكها وارتباطها ببعضها، موضحين بذلك سبب صلابة الحديد في درجة حرارة الغرفة. وبالمثل فتواجد ذرات الماء في شكل سلس وزلق، ساعدهم في فهم لماذا يكون الماء سائلاً في درجة حرارة الغرفة العادية. وعلى الرغم من أننا نعرف الآن أن الأمر ليس هكذا، فقد وضعت أفكارهم تلك أسساً للنماذج الذرية في المستقبل.

مرّ زمنٌ طويل مع ذلك قبل أن توضع مساهمات حقيقية فوق هذه الأسس. في عام 1803 بدأ الكيميائي الإنجليزي جون دالتون John Dalton في وضع تعريف علمي أكثر دقةً للذرة، وقد استفاد من أفكار الإغريق القدماء في وصف الذرات كجسيمات كروية صغيرة صلبة غير قابلة للتجزئة، وأنَّ ذرات العنصر الواحد تتطابق مع بعضها البعض. النقطة الأخيرة مع ذلك هي أكثر الفرضيات التي لا تزال صحيحةً إلى حد كبير، مع استثناء معرفتنا الآن بوجود نظائر للعناصر المختلفة والتي تتباين عن بعضها في عدد النيوترونات. ومع ذلك، لأن النيوترون لن يتم اكتشافه حتى عام 1932، يمكننا أن نغفر لـ “دالتون” هذا الخطأ البسيط.

– توصل” دالتون” كذلك إلى عدّة نظريات حول كيفية ارتباط الذرات ببعضها لتكوين المركبات، كما نجح في وضع أول مجموعة من الرموز الكيميائية للعناصر المعروفة وقتها. (شكل 1)

 

  •   (شكل 1)

    كان تفسير دالتون للنظرية الذرية بمثابة بداية لمن جاء بعده، لكنه حينها لم يخبرنا بالكثير عن طبيعة الذرات نفسها. فيما بعد، كانت هناك بعض المحاولات لتحديد ما يمكن أن تبدو عليه الذرات، مثل اقتراح اللورد كلفن Lord Kelvin بأنها تمتلك هيكلاً شبيهاً بالدوامة (كتلة من الأشكال الدائرية الملتفة حول بعضها) (شكل 2). ولكن ظل الركود قائماً حتى بداية القرن العشرين حين بدأ احراز التقدم في توضيح التركيب الذري وفهمه.

 (شكل 2) – اقتراح اللورد كلفن لأشكال بعض الذرات.

وأخيراً، جاءت أول انفراجة في أواخر القرن الثامن عشر حين اكتشف الفيزيائي الإنجليزي جوزيف طومسون Joseph Thomson أن الذرة في الواقع لم تكن غير قابلة للتجزئة كما ذُكر مسبقاً. قام طومسون بإجراء تجارب باستخدام أشعة الكاثود (القطب السالب) المنتجة في أنبوب تفريغ، ووجد أن تلك الأشعة جُذبت من قبل ألواح معدنية مشحونة بشحنات موجبة، ولكنها تنافرت مع الألواح الأخرى المشحونة بشحنات سالبة. ومن هذا استنتج أن الأشعة لابد وأن تكون مشحونةً بشحنة سالبة.

 

ثم من خلال قياس الشحنة على الجسيمات الموجودة بالأشعة، تمكّنَ من استنتاج أنها كانت أخف وزناً من الهيدروجين بمقدار 2000 مرة، وعن طريق تغيير معدن الكاثود علم أن هذه الجسيمات موجودة في العديد من أنواع الذرات. وتمكن كذلك من اكتشاف الإلكترون (على الرغم من أنه أشار إليه بإعتباره “كُريّة”)، وأظهر أن الذرات ليست قابلة للتجزئة، ولكنها مكونة من أجزاء أصغر. فاز هذا الاكتشاف بجائزة نوبل للفيزياء لعام 1906.

في عام 1904، قدّم “طومسون” نموذجه للذرة على أساس النتائج التي توصل إليها، والذي يُعرف بـ “Plum Pudding Model” أي “نموذج البودينغ”. يُصوّر هذا النموذج الذرة كجسيم كروي موجب الشحنة، مع وجود إلكترونات كثيرة حولها (شكل 3). وقد بدأ العلماء حينها في الغوص داخل أعماق الذرة، ولكن نموذج طومسون لم يبقَ لفترةٍ طويلة بفضل أحد تلاميذه الذي جعل اسمه هو الآخر مخلداّ في التاريخ بفضل اكتشافاته.

 (شكل 3)

كان هذا التلميذ هو العالم الشهير “إرنست رذرفورد Ernest Rutherford” والذي كان فيزيائياً من نيوزيلندا، درس في جامعة كامبريدج تحت يد طومسون. وكان عمله في وقتٍ لاحق في جامعة مانشستر هو ما أمدّه بالمزيد من الأفكار المتطورة لما في داخل الذرة. وجاء هذا العمل بعد أن حصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1908 لأبحاثه في كيمياء المواد المشعة.

– أجرى “رذرفورد” تجربةً للبحث في البنية الذرية والتي تضمّنت إطلاق جسيمات ألفا المشحونة بشحنة موجبة في ورقة رقيقة من رقائق الذهب. كانت جسيمات ألفا صغيرةً جداً للدرجة التي تُمكّنها من أن تمر عبر رقائق الذهب، ووفقاً لنموذج طومسون الذري؛ والذي أظهر أن الشحنة الموجبة منتشرة على الذرة بأكملها، ينبغي إذن أن تمر جسيمات ألفا خلال الذرة بأكملها مع القليل من الانحراف (الإزاغة) عن المسار أو بالأحرى عدم حدوث انحراف مطلقاً. وكان يأمل من خلال هذه التجربة تأكيد نموذج طومسون، لكن انتهى به المطاف لعكس ذلك تماماً.

خلال التجربة، مرّت معظم جسيمات ألفا عبر رقاقة الذهب بمقدار ضئيل من الانحراف أو بدون انحراف. ومع ذلك، فإن عدداً صغيراً جداً من الجسيمات انحرفت عن مساراتها الأصلية بزوايا كبيرة جداً (شكل 4). كان هذا غير متوقع أبداً. كما لاحظ رذرفورد نفسه. وكان التفسير الوحيد الممكن هو أن الشحنة الموجبة لا تنتشر في جميع أنحاء الذرة، ولكنها تتركز في مركز صغير وكثيف: وهو النواة. ومعظم بقية الذرة ببساطة مجرد مساحة فارغة.


 (شكل 4). على اليمين ما حدث بعد تجربة رذرفورد، وعلى اليسار ما كان مُتوقع أن يحدث.

 

أوضح اكتشاف “رذرفورد” للنواة أنَّ النموذج الذري يحتاج إلى إعادة تفكير. واقترح نموذجاً تدور فيه الإلكترونات السالبة حول النواة موجبة الشحنة (شكل 5). وفي حين أن هذا اُعتبر تحسيناً لنموذج طومسون، فإنه لم ينجح في تفسير ما الذي يجعل الإلكترونات تدور حول النواة في مدارات بدلاً من التحرك ببساطة بشكل حلزوني حوله (شكل 5)

بعد ذلك أتى نيلز بور Niels Bohr، الفيزيائي الدنماركي الذي حاول حل المعضلات في نموذج رذرفورد. أدرك “بور” أن الفيزياء الكلاسيكية لا يمكن أن تُفسر بشكل صحيح ما يجري على المستوى الذري. بدلاً من ذلك، استند إلى نظرية الكم في محاولة لشرح ترتيب الإلكترونات. وأكّد نموذجه على وجود مستويات الطاقة (أغلفة الإلكترونات)، ولا يمكن العثور على الإلكترونات إلا في مستويات الطاقة تلك. وبعبارة أخرى، تم أخيراً قياس طاقة الإلكترونات، فلا يمكنها أن تأخذ قيم عشوائية. ويمكن أن تتحرك الإلكترونات بين مستويات الطاقة هذه (التي أشار إليها بور بأنها “حالات مستقرة”)، ولكن عليها أن تفعل ذلك إما عن طريق امتصاص الطاقة أو اطلاقها.

– عالج اقتراح “بور” لمستويات الطاقة المستقرة أحد مشاكل نموذج رذرفورد، وهي الإلكترونات المتصاعدة في شكل حلزوني حول النواة ولكن ليس بشكلٍ كليّ.

– وعلى الصعيد الآخر لم يحل نموذج بور كل المشاكل المعروفة للنموذج الذري وقتها. حيث شرح نموذجه جيداً ما يتعلق بذرة الهيدروجين، ولكنه لم يتمكن من تفسير ملاحظاته للعناصر الأثقل من الهيدروجين. كما أنه ينتهك مبدأ “عدم اليقين uncertainty” للعالم هايزنبرغ، وهو أحد الأركان الأساسية لميكانيكا الكم، والذي ينص على أننا لا نستطيع تحديد كلٍ من موضع وسرعة الإلكترون بدقة في نفس الوقت. ومع ذلك، لم يكن هذا المبدأ مقبولاً ومسلّماً به إلا بعد عدة سنوات من اقتراح بور نموذجه.

– على الرغم من كل هذا، لا يزال نموذج بور على الأرجح هو النموذج الذي يألفه الجميع الآن، لأنه غالباً أول النماذج التي تم شرحها وتقديمها خلال دروس الكيمياء في المدارس الثانوية. ولا تزال لديه استخداماته أيضاً. إذ انه مفيدٌ جداً لشرح الروابط الكيميائية ونشاط بعض المجموعات من العناصر بطريقة بسيطة.

على أي حال، كان النموذج لا يزال يتطلب بعض التنقية من الأخطاء. وفي هذه المرحلة، كان العديد من العلماء يبحثون ويحاولون تطوير النموذج الكمومي للذرة. وكان يترأس هؤلاء الفيزيائي النمساوي الشهير إروين شرودنجر Erwin Schrödinger، لعلّك سمعت به من قبل، (نعم، إنه رجل القطة والصندوق). في عام 1926 اقترح “شرودنجر” بدلاً من افتراض أن الإلكترونات تتحرك في مدارات ثابتة أو أغلفة، فإنها تتصرف كالموجات. هذا يبدو غريباً قليلاً، ولكن ربما ذكّركَ هذا بمعرفتك بالفعل أن الضوء يمكن أن يتصرف على حدٍ سواء كموجة أو كجسيم (ما يعرف بإزدواجية الموجة والجسيم)، وقد تبين أن الإلكترونات يمكنها فعل ذلك أيضاً.

لم تكن كلمة “شرودنجر” هي الأخيرة في تاريخ معرفتنا بالذرة، ففي عام 1932، اكتشف الفيزيائي الإنجليزي James Chadwick (وكان أحد تلاميذ رذرفورد) وجود ما نسميه اليوم بالنيوترون، مكملاً بذلك صورتنا عن الجزيئات تحت الذرية التي تتكون منها الذرة. إلا أن القصة لم تنتهي أيضاً؛ إذ اكتشف الفيزيائيون أن البروتونات والنيوترونات التي تتكون منها النواة ينقسمون هم أيضاً إلى جسميات أصغر تعرف بالكوراكات quarks.

ويجدر بنا الإشارة إلى أن هناك زمرةٌ من العلماء الآخرين الذين ساهموا باكتشافاتهم وتجاربهم في تاريخ معرفتنا بالذرة وتطور فهمنا لها، إلا أننا حاولنا إلقاء الضوء على أكثر الإسهامات أهميةً.
في الختام، يعطينا تاريخ الذرة أوضح مثالٍ على إمكانية تغير النماذج العلمية عبر الزمن، وكيف تقودنا الأدلة الجديدة دوماً إلى نماذج ونتائج جديدة.

المصدر

  • ترجمة: عبد الرحمن سعادة
  • مراجعة: سارة تركي
مشاركة!
الفضائيون
مبادرة معرفيّة علميّة موجهة للجمهور الناطق بالعربية تأسست بتاريخ 16 مارس 2015، شعارها "نرى العالم، من نافذة العلم"، وهي تهدف إلى نشر العلوم الحقيقية ونبذ الخرافة معتمدة على ترجمة وإعداد مواد مكتوبة ومقروءة إضافة إلى الصور التوضيحية والفيديوهات التعليمية.

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا