fbpx
الفضائيون

كيف تكتسب البكتيريا مقاومتها للمضادات الحيوية؟

تنتج بعض الخلايا البكتيرية بروتينات مقاومة للمضاد الحيوي (باللون الأخضر)، و بعضها الآخر حساسٌ تجاه المضاد الحيوي تيتراسايكلين (باللون الأحمر).

وحسب دراسة نشرها فريق بحثي فرنسي في مجلة (Science) في تاريخ 23 مايو من العام الجاري أنَّ بكتيريا الإيشرشيا كولاي (الإيكولاي-E.coli) تستطيع تصنيع بروتينات مقاومة للمضادات الحيوية المُصمَّمة لإعاقة نمو البكتريا حتى في وقت تعرُّضها إليها، واكتشفوا كيفية تحكُّم البكتيريا بتلك الخاصية أيضًا؛ إذ يضخُّ أنبوب غشائي جيد الحماية معروف بـ(AcrAB-TolC) المضادَّ الحيوي إلى خارج الخلية، موفِّرًا ما يكفي من الوقت الذي يسمح للخلية بتلقِّي حمض نووي يحوي جينات مسؤولة عن تصنيع البروتين-المقاوم خصيصًا لنوع المضاد الحيوي المُعرَّضة إليه البكتريا من الخلايا المجاورة.

وقد صرَّح عالم الميكروبيولوجيا بجامعة نيو ميكسيكو الشرقية Manuel Varela، والذي لم يكن ضمن الفريق البحثي: “إنَّ هذا الاكتشاف سيساعد في توضيح كيف تتمكن البكتريا من مشاركة مقاومتها للمضادات الحيوية في أثناء وجودها في مستويات سامَّة -بالنسبة إلى البكتريا- فيما بينها”.

وكان هذا الاكتشاف مُفاجئًا لـChristian Lesterlin؛ عالم الوراثة البكتيرية بجامعة ليون والمحرر الرئيسي لتلك الدراسة؛ إذ أنشأ مع زملائه في بداية المشروع نظامًا مجهريًّا آنيًّا لمراقبة انتقال (البلازميد-plasmid)* بين الخلايا وبعضها بدقة، وذلك عن طريق بروتينات متوهجة fluorescent مُصمَّمة بعناية لكي تتقفَّى أثر انتقال البلازميد من خلية إلى أخرى، وكذلك البروتينات التي تنتج عن ترجمة الجينات المحمولة على الحمض النووي (DNA) المنقول إلى الخلية المُستقبِلة.

وقد لوحِظ أنَّ الحمض النووي المنقول يحمل جينات مسؤولة عن تصنيع نوع من البروتين يُعرف باسم (TetA)، وهو البروتين المكوِّن للأنبوب الغشائي  المسؤول عن ضخِّ المضاد الحيوي(تيتراسايكلين) إلى خارج الخلية، ويجري ذلك بعد انتقال البلازميد إلى الخلية المستقبِلة بمُدة قصيرة وفي أحيانٍ أخرى بعد مُدة أطول؛ إذ يُستدل على ترجمة الجينات إلى البروتين TetA بظهور نقاط حمراء اللون على أغشية  الخلايا المُستقبِلة.

والتيتراسايكلين مضادٌ حيوي يستخدم في أغلب الوقت في علاج الماشية وفي علاج البشر من أمراض الجهاز التنفسي أحيانًا؛ مثل الالتهاب الرئوي، فيعيق عملية تصنيع البروتينات ونمو البكتريا التي لا تملك بروتين الـTetA، ولمزيد من فهم آلية البكتيريا في مقاومة المضاد الحيوي سنلقي الضوء على ظروف وخطوات التجربة: لكي نرى كيف تتأثر العملية في وجود المضاد الحيوي لذاته لم يُضف التيتراسايكلين إلى البكتيريا في البداية، وبعدها أُضيف بتركيزات عالية، ورُوقِبت البكتريا تحت المجهر، وكما هو متوقع، لُوحظ انتقال البلازميد من الخلايا المقاومة للتيتراسيكلين إلى تلك غير المقاومة، فقد لاحظ الباحثون ظهور توهج أحمر على الخلايا المُستقبِلة التي لم تحوي بروتين TetA مُسبقًا،  وكان واضحًا أيضًا أنَّ الخلايا لا تزال قادرة على تصنيع البروتينات من ضمنهم الـTetA على الرغم من تعرُّضها إلى التيتراسايكلين الذي يعيق عملية تصنيع البروتين من الأساس!

في الصورة: الخلايا المقاومة للمضاد الحيوي(باللون الأخضر) تشارك الحمض النووي المسؤول عن تصنيع  بروتين الـTetA مع الخلايا غير المقاومة(باللون الأحمر)، ويُلاحظ ظهور نقاط حمراء على الخلايا المُستقبِلة عند وصول البلازميد.

وقال Christian Lesterlin: “لقد أمضينا أسابيع كثيرة لكي نتأكد من تلك النتائج غير المتوقعة؛ فقد كان من الصعب الاقتناع بحدوث تلك الظاهرة فعلًا”. ورجَّح الفريق أنَّ سبب حدوث تلك الظاهرة هو وجود الأنبوب الغشائي المعروف بـ(AcrAB-TolC)؛ الذي يضخُّ أنواعًا مختلفة من المضادات الحيوية إلى الخارج، وافترضوا أنَّ ذلك الأنبوب يضخُّ التيتراسايكلين أيضًا بحيث يكون تركيزه منخفضًا مُعطيًا مساحةً كافية من الوقت لتصنيع البروتينات بما فيها بروتين الـTetA المختص بضخِّ التيتراسايكلين بكميات أكبر، وهو الناتج عن ترجمة الجينات المحمولة على البلازميد المنقول و لذا أنتج الباحثون بكتيريا مُعدَّلة وراثيًّا بحيث لا تتمكَّن من تصنيع بروتين الـTetA، وارتفعت مع الوقت تركيزات التيتراسيكلين داخل خلايا تلك البكتيريا فعلًا؛ ممَّا أدَّى إلى توقف نموها وتعطيل تصنيع البروتينات على الرغم من عدم توقف الـ(AcrAB-TolC) عن العمل ممَّا يثبت صحة الفرضية الآنف ذكرها.

بالإضافة إلى أنَّ آلية عمل الـ(AcrAB-TolC) ليست حصرًا على التيتراسايكلين وحسب، فقد أثبت Christian Lesterlin وفريقه أنَّ هذا الأنبوب يسمح للبكتريا بإنتاج البروتينات المقاومة في أثناء تعرُّضها لأنواع مختلفة من المضادات الحيوية التي تعيق عملية ترجمة الجينات مثل الكلورامفينيكول–chloramphenicol الذي يثبِّط عملية ترجمة البروتينات، والريفامبيسين-rifampicin الذي يثبِّط عملية نسخ الحمض النووي-Transcription*، ولكنَّ تلك الآلية فعَّالة في حالة استخدام كابحات نمو البكتريا-Bacteriostatic فحسب، وهي مواد تعمل على عرقلة نمو البكتريا فقط لا قتلها، وأضاف Christian Lesterlin أنَّه يشك في فاعلية تلك العملية في حال استعمال مضادات حيوية قاتلة للبكتيريا-Bacteriolytic؛ إذ تُدمَّر الخلية البكتيرية قبل أن تطور أية مقاومة ضد المضاد الحيوي.

وفي ظل تلك الدراسة، ألقى الباحثون الضوء على أهداف جديدة لتعمل عليها الأدوية؛ فعلى سبيل المثال يمكن تصنيع مضاد حيوي يستهدف أنبوب الـ(AcrAB-TolC) و هو ما تعمل عليه بعض معامل الأبحاث فعلًا، وتوجد طرق أخرى بديلة أيضًا؛ مثل استهداف الجينات المسؤولة عن إنتاجه، فالطرق التقليدية التي تعتمد على استهداف جزيئات صغيرة لنوعٍ محدد من البروتينات تعاملت معه البكتيريا سنوات عديدة ممَّا أعطاها القدرة على تكوين مقاومة ضدها؛ لذا علينا اتباع طرق جديدة غير تقليدية مثل التي سبق ذكرها يمكنها التصدي لمقاومة المضادات الحيوية من طور بدايتها.

حاشية:

*البلازميد-Plasmid: هي أحماض نووية دائرية الشكل، توجد داخل البكتريا، وتحمل جينات إضافية مسؤولة عن المقاومة للمضادات الحيوية والعوامل المُمرضة-virulence factors.

*نسخ الحمض النووي-Transcription: هي الخطوة الأولى في عملية ترجمة الجينات؛ إذ يتحول الحمض نووي الديوكسي ريبوزيDNA  إلى حمض نووي ريبوزي RNA بحيث تُترجم الجينات المحمولة على الـRNA فيما بعد.

المصدر

المُساهمون:
  • ترجمة: عبد الفتاح حسن
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!