إلى أي حدّ يمكننا الاقتراب من الشمس؟

يعدّ المقدارُ 4 مليون ميل أو ما يعادل “6.44 مليون كيلو متر” رقمًا كبيرًا جدًا لقياس مسافة، وهو يعادل تقريبًا 160 دورة مستمرّة حول الأرض عند أكبر محيط لها (أي خط الإستواء). ربما تكون تلك المسافة أقرب ما يكون إلى الشمس؛ وفقًا لما صرحت وكالة ناسا بالتزامن مع إطلاق مسبار باركر الشمسي الجديد الخاص بها، وقد انطلقت السفينة فعليًا من محطة (كيب كانافيرال للقوات الجوية –  Cape Canaveral Air Force Station ) في تاريخ (12- آب/ أغسطس-  2018). تكمن مهمة هذا المسبار في جمع معلومات حول الشمس، ونأمل أن يجيب عن بعض الأسئلة الجوهرية التي ما زالت تراودنا.

سيكون مسبار باركر الشمسي ثورة في فهمنا للشمس، إذ سيتخذ في نهاية رحلته مساره المداري حول الشمس بمدىً أقصاه (3.83مليون ميل – 6.16 مليون كيلو متر) بعيدًا عن شمسنا الذهبية.

لم يسبق لنا الاقتراب من الشمس إلى هذا الحد، في حين وصل مسبار (هيليوس- Helios 2 probe) التابع لوكالة الفضاء ناسا إلى مسافة (27 مليون ميل – 43.45 مليون كيلو متر) من سطح الشمس في عام 1976. وهذه أقرب مسافة وصلت إليها مركبة فضائية من هذا الجسد السماوي.

وقد راهنت التسجيلات أن مسبار باركر سيصل إلى مسافة أقرب بسبع مرات من تلك التي وصلها المسبار هيليوس2، إذ إن المسافة بين الشمس والأرض تصل إلى (93 مليون ميل -150 مليون كم). ويصف ذلك أحد علماء ناسا في قوله: “لو أن هذين الجسمين يقفان قبالة بعضهما البعض في نهايتين لملعب كرة قدم أميركي، فإن مهمة باركر تكمن في الاقتراب لمسافة تبلغ 4 ياردات أي ما يعادل 3.66 م”.

قطعت تكنولوجيا استكشاف الطاقة الشمسية شوطًا طويلاً، ومع ذلك، لا يزال المهندسون يضعون بعض الحدود بعين الاعتبار، ولا يبدو أنه سيتم إرسال رواد فضاء في رحلة إلى الشمس في المستقبل القريب.

 

لغز الهالة (الإكليل) والحرارة العالية:

الحرارة القصوى هي أهم ما نوليه الأهمية، إذ تصل درجة حرارة سطح الشمس إلى (10340 فهرنهايت – 5726 درجة مئوية)، والغريب هنا أن المنطقة المحيطة بالشمس هي الأكثر سخونة.

هل لاحظت هالة الضوء التي تزحف خلف القمر خلال كسوف الشمس؟ هذا ما يسمى بالإكليل، وهي طبقة من البلازما المتوهجة، التي تمثل الجزء العلوي من الغلاف الجوّي للشمس، يبدأ نطاق الهالة من مسافة (1300 ميل -2100كيلو متر) اعتبارًا من سطح الشمس إلى الفضاء البعيد. إن الإكليل عرضة لأن يكون أكثر سخونة من السطح بمقدار 300 مرة، ولا أحد يعرف السبب،  لذا نأمل أن يجد مسبار باركر بعض الأجوبة الشافية.

يمكن للبدلات التي يرتديها رواد الفضاء في ناسا أن تحميهم من درجات الحرارة التي تصل إلى (250 فهرنهايت – 121 درجة مئوية). ولن يواجه رواد الفضاء الحرارة الشديدة حتى يقتربوا لمسافة (3مليون ميل – 4.8مليون كيلو متر) من الشمس، فالوصول إلى أبعد من هذه النقطة سيؤدي إلى تحويل بدلة الفضاء إلى مرجل تبخير بفعل الحرارة العالية. وبذلك فإن التخلي عن الأمان الذي في المركبة الفضائية، والخروج منها، سوف يؤدي إلى ذوبان رائد الفضاء فعليًا، وسيغمى عليه، وبعدها يموت تدريجيًا.

 

طبقات الشمس

الكثير من الأشعة:

تصدر الشمس كمية هائلة من الإشعاع، بما في ذلك بعض الأشكال التي ندركها مثل؛ الضوء المرئي، وتتزايد الأنواع الخطيرة من الإشعاعات كلما اقتربنا من الشمس، فقد ترتبط مستويات النشاط الإشعاعي في الفضاء السحيق بمشاكل القلب والأوعية الدموية. في حين وجدت دراسة في عام 2016 أن رواد الفضاء الذين تجاوزوا مدار الأرض المنخفض كانوا أكثر عرضة للوفاة بسبب النوبات القلبية أو السكتات الدماغية أكثر من أقرانهم الذين ظلّوا بالقرب من الكوكب.

إذا تم إرسالك إلى الفضاء فقط مرتديًا بدلة فضاء عادية من ناسا، فإن الأشعة الشمسية ستقضي على حياتك قبل أن تصل إلى منتصف المسافة بين الشمس والأرض،  ومن الواضح أن الأمور ستكون أفضل داخل سفينة فضائية. ويقول عالم الأبحاث في وكالة ناسا أيريك كريستيان – Eric Christian في هذا الصدد: “قد يكون بالإمكان تصميم سفينة يمكن أن تنقل رواد الفضاء بأمان إلى مسافة (4ملايين ميل – 6.4 مليون كيلومتر) من الشمس يومًا ما، ولكن قبل أن نتمكن حتى من التفكير في مثل هذه المهمة عالية الخطورة، سنحتاج إلى رؤية نجاح مسبار باركر الفضائي”.

الغبار في الرياح الشمسية:

تم تزويد مسبار باركر بغطاء حراري صُنع خصيصًا لحماية معظم أجهزة جمع البيانات الخاصة به، حيث يتألف من لوحين من الكربون المركّب، وطبقة خارجية من الطلاء العاكس، ونواة رغوية خفيفة الوزن. يبدو الغطاء وكأنه صدفة الحلزون أكثر مما يشبه صدفة السلحفاة، وبدلاً من أن يغلف المسبار بأكمله فإنه يرتكز على جانب واحد منه، ذاك الذي يواجه الشمس، وبذلك فإن نظام الحماية الحراري هذا سيحمي الأدوات التي خلفه من الإشعاع الحراري وذلك سيكون أقوى بـ 475 مرة من أي شيء تم اختباره بواسطة الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض.

يستغرق ضوء الشمس ثمانية دقائق حتى يصل إلينا، وينطبق الأمر نفسه على أي رسالة تأتينا من مسبار باركر، نظرًا لأنه قريب جدًا من الشمس، لذلك تحتاج المركبة الفضائية المستقلة باركر إلى أن تكون قادرة على اتخاذ قرارات سريعة بنفسها.

كي يقوم مسبار باركر بعمله، يجب أن يكون نظام الحماية الحرارية مواجهًا نحو الشمس بشكل دائم، حيث ستُوجِّه الدوافع الدرعَ دومًا إلى الوضع الصحيح، وتحتاج تلك الدوافع إلى الوقود الذي سينفذ من المركبة مع انتهاء مهمة الرحلة.

 

نظام الحماية الحرارية للمسبار باركر

صُمّم مسبار باركر كي يدور حول الشمس على الأقل 24 مرة، بعد نهاية مهمته في 2025، لن يكون هناك وقود كافٍ للحفاظ على عمل الدوافع لفترة أطول، وستتوجه أجزاء المسبار غير المحمية إلى الشمس، وتتفتت ويتحول المسبار إلى غبار فضائي.

 

مكوّنات المسبار باركر

 

مرورًا بعطارد كمركز للمدار:

 

توضيح للمدار

 

تعود فكرة إرسال مسبار نحو حدود الشمس إلى بدايات ناسا في (24 أكتوبر- عام 1958)، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر من تأسيس الإدارة، قدمت إحدى لجانها اقتراحًا طموحًا بإرسال مسبار من صنع الإنسان إلى ما وراء كوكب عطارد للنظر إلى الشمس عن قرب.

تبلغ المسافة الفاصلة بين كوكب عطارد والشمس (29 و43 مليون ميل – 46 إلى 70 مليون كم)، إذ سيذهب مسبار باركر بعيدًا داخل مدار الكوكب، ومن هناك سوف يجمع معلومات عن الرياح الشمسية، التي ما تزال ظاهرة غير مفهومة، لكنها قادرة على تدمير الأقمار الصناعية، وتفسد إشارات التتبع الملاحي (GPS) والاتصالات اللاسلكية هنا على الأرض.

إذا استطاع المسبار أن يساعدنا على إيجاد طريقة للتنبؤ بهذه الرياح، قد ينتهي الأمر بتوفير تريليونات الدولارات العالمية.

أعلامٌ لهم فضلٌ في هذه الرحلة:

حريٌّ بنا إلقاء الضوء على أحد أهم الأعلام التي نفتخر بها من عالمنا العربي، والتي كان لها الأثر الكبير في إيصال هذه المركبة لحدود الشمس. إنها الأستاذة شادية رفاعي حبال، أستاذ كرسي فيزياء شمسية في جامعة ويلز في بريطانيا، التي قدمت ما يقارب 60 ورقة بحث لمجلات التحكيم العلمية، ثم إنّها لعبت دورًا رئيسًا في الإعداد لرحلة المسبار الشمسي العائد إلى وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا“.

ولدت أ. شادية في مدينة حمص في سورية، حصلت على درجة البكالوريوس في علوم الفيزياء والرياضيات من جامعة دمشق، وتابعت مشوارها العلمي بكل شغف وبدون لحظة توقف؛ إذ التحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت لتنال درجة الماجستير في الفيزياء، وتابعت رحلتها إلى أمريكا لتروي ظمأها العلمي فحصلت على درجة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة سنسناتي Cincinnati)).عملت كباحثة لمدة عام في المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي في بولدر في الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت أبرزُ نشاطاتها في ترأسُّها لعشرات الحملات العلمية لرصد الكسوف الشمسي حول العالم، كما قادت عدة فرق علمية في دراسة الهالة الشمسية أثناء الكسوف، وهي عضو في عدة جمعيات عالمية أبرزها الجمعية الفلكية الأمريكية، والاتحاد الدولي للفلكيين، والجمعية الأوروبية الفيزياء الارضية، كما حصلت على العديد من التقديرات العلمية من عدة مراكز ومؤسسات عالمية، أهمها شهادة تقدير من مركز هارفارد سميثونيان للفيزياء الفلكيةعام 1977.  وكانت قائدة حركة أكاديمية لنساء العلم عرفت باسم نساء مغامرات.

ومن الجدير بالذكر أيضًا، ولا يجب نسيان فضله وأهميته هنا هو الفيزيائي يوجين باركر: الذي اكتشف وجود الرياح الشمسية في خمسينات القرن العشرين، وقد كُرِّمَ بأن حَملت سفينة باركر سولار بروب اسمه، حيث كانت أول سفينة فضائية تحمل اسم إنسان.

 اتبعْ فضولك، ولا تتوقف عن الاستكشاف.

المصادر:
هنا.
هنا.
هنا.
هنا.

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه.لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: نسرين أبو زيتون
  • مراجعة: يارا بوسعد
  • تدقيق لغوي: نور عبدو
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. AcceptRead More