fbpx
الفضائيون

لماذا نحن أذكى من أسلافنا؟

لقد كان علماء علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) فضوليين حول تطوّر الذّكاء لدى الإنسان لعقود عديدة، وقاموا بأبحاث عديدة تمحورت بشكل رئيسيّ عن آثار استخدام النّار والأدوات وهكذا. لكن ماذا لو بحثنا في جماجم الأحفوريّات، هناك حيث يقبع الدّماغ البشريّ بعظمته؟

حيث ازداد حجم الدّماغ البشريّ ثلاثة أضعافٍ ونصف الضّعف عن حجم دماغ Australopothecus والذي يعدّ أحد أسلافنا الذين عاشوا قبل 3 ملايين عام.

يُعتقد بشكل عام بأنّ الذّكاء مرتبط بشكل كبير بحجم الدّماغ؛ والسبب وراء ذلك هو أنّ عدد الخلايا العصبيّة في دماغ الثدييّات يرتبط بشكل رئيسيٍّ بحجم الدماغ، فكلّما ازداد حجم الدماغ ازدادت العصبونات فيه.

ركّز بحثنا على معدّل تدفّق الدّم للدماغ، والذي يرتبط بشكل وثيق مع معدّل الاستقلاب بسبب الأوكسجين الذي يحمله الدّم والدّور الحيويّ الذي يلعبه، حيث يكفي أن تنقطع التروية الدّماغيّة عن دماغك لبضع ثوانٍ حتى تموت!

فبالشّكل الطبيعيّ هنالك 7 مليلتر من الدّماء تتدفّق إلى دماغك كلّ ثانية. ويتغيّر هذا المقدار بشكل ضئيل، بغض النظر إذا كنت نائمًا، مستيقظًا أو كنت تحلّ مسائل رياضيّة معقّدة.

التدفّق الدّمويّ للدّماغ!

إنّ تدفّق الدّماء للقسم الإدراكيّ من الدّماغ يأتي من خلال شريانَين سباتيَين باطنيَين، واحد في كلّ جهة. وإنّ حجم هذين الشريانين مرتبط بتدفّق الدّم من خلالهما. فكما أنّ سبّاكًا سيقوم بتركيب أنابيب مياه أكبر ليغذّي أبنية أكبر، كذلك تتمّ عمليّة تعديل أحجام الأوعية الدمويّة، لتوفّر حاجة العضو من التدفّق الدّمويّ، الأمر الذي يرتبط بدوره بالطلب على الأوكسجين من قبل العضو.

فإذا استطعنا قياس قطر الشرايين الكبيرة التي تغذّي عضوًا محدّدًا كالدماغ، سنستطيع الحصول على بعض الدقّة في حساب متوسّط التدفّق الدمويّ لهذا العضو. هذا المبدأ معروف منذ قرن، وجماليّته تكمن في بساطته.

حجم الشريان يهمّ!

لحظة السّعادة التي غمرتني كانت عندما استنتجتُ بأنّه يمكن قياس قطر الشريان من خلال قياس حجم الفتحة الّتي يمرّ فيها، والموجودة في عظام الجمجمة، الأمر الذي يعني إمكانيّة قياس التدفّق الدمويّ للدماغ، من خلال معرفة حجم القناة السباتيّة في جماجم أحفوريّات أسلافنا القدماء، كانت فكرة جيّدة، لكنّها أخذت حماس طالبتي فانيا بوزيوسيك وحوّلته إلى بحث علميّ.

سافرتْ إلى المتاحف في أستراليا وجنوب إفريقيا لكي تصل إلى أحفوريّات لا تقدّر بثمن؛ لتقوم بعمليّة القياس للقنوات السباتيّة في كلّ منها. وجدنا أنّ حجم القناة السباتيّة ازداد بشكل أسرع بكثير من المتوقّع بناءً على حجم الدّماغ، وذلك في 12 نوعًا من أسلافنا على مدار الــ3 ملايين عام. في حين ازداد حجم الدّماغ ثلاثة أضعاف ونصف الضّعف، ازدادت التروية الدمويّة ستّة أضعاف. من 1.2 مل في الثانية، إلى 7 مل في الثانية الواحدة، الأمر الذي يشير إلى أنّ أدمغتنا أكثر شراهةً للأوكسجين بستّة أضعاف من أدمغة أسلافنا؛ وذلك بسبب أنّ قدراتنا الإدراكيّة أكبر، وبالتالي هي أكثر حاجة للطّاقة.

وبما أنّ عدد العصبونات في الدّماغ البشريّ يكاد يضاهي المتوقّع لدماغٍ واحدٍ من أكبر الرئيسيّات، وأنّ هذا الاكتشاف يشير إلى أنّ المادّة الدّماغيّة أكثر نشاطًا؛ والسبب الأرجح هو بسبب كثرة التوصيلات فيها.

كلّ اتّصال يدعى بالمشبك، يعمل على نقل السيّالات من خليّة إلى أخرى، عادةً، عن طريق إطلاق موادّ كيميائيّة من خليّةِ ما قبل المشبك، وتقوم هذه المواد إمّا بتحفيز أو تثبيط تشكّل السيّالة في الخليّة ما بعد المشبك.

تَبدّل الموادّ الكيميائيّة بين النبضات يكلّف مقدارًا ضئيلًا من الطّاقة. لكن مع الأخذ بالاعتبار بأنّ الدّماغ يحتوي على 80 مليار خليّة عصبيّة، وكلّ واحدة منها تملك ملايين التشابكات مع الخلايا الأخرى، فإنّ المقدار المصروف من الطّاقة يزداد بشكل ملحوظ.

الحاسوب البشريّ!

يقوم الجسم البشريّ بتخصيص قرابة 20-25% من معدّل استقلابه أثناء الرّاحة للدّماغ، مقارنةً بــ 8-10% في الرئيسيّات الأخرى، وقرابة 3-5% في الثدييّات الأخرى، وبالتالي فنحن ننظر للدّماغ على أنّه حاسوب خارق شَرِهٌ للطّاقة. هذا التشبيه بالحاسوب الكهربائيّ جيّد جدًّا، كلما زادت قدرة الكمبيوتر، كلما ازدادت الطّاقة الكهربائيّة التي تلزم لإبقائه يعمل، وبالتالي يزداد قطر كابلات الطّاقة التي تقوم بتغذيته. الأمر نفسه بالنّسبة للدّماغ، فكلّما ازدادت القدرات الإدراكيّة، كلّما ازداد معدّل الاستقلاب فيه، وبالتالي ازداد تدفّق الدّم إليه، وازداد قطر الشرايين ليؤمّن ذلك.

إنّ تطوّر الدّماغ البشريّ هو أمر فريد من نوعه مقارنةً ببقيّة الحيوانات. حيث قمنا بالنّظر على حجم الشرايين السباتيّة في 34 نوعًا من الرئيسيّات الحيّة، والتي تمثّل التطوّر باتّجاه القردة العليا والهومينيد (عائلة من الرئيسيّات التي تتضّمن البشر وأسلافهم). من بين هؤلاء الممثّلين لتطوّر الرئيسيّات، ازداد حجم الجّسم والدّماغ على حدٍّ سواء، إلّا أنّ حجم الجّسم ازداد بشكل أسرع، وتدفّق الدّم للدماغ ازداد بشكل كبير بالنّسبة لازدياد الحجم.

فقط في عائلة البشر وأسلافهم نجد بأنّ تدفّق الدّم قد ازداد بشكل أسرع من حجم الدّماغ، الأمر الذي يشير بأنّ أدمغتنا لم تكن تتطوّر بالحجم فقط بل بالاستخدام أيضًا وهذا يُظهر بأنّ أسلافنا كانوا يزدادون ذكاءً مع الوقت.

المُساهمون:
  • ترجمة: يزن الحريري
  • مراجعة: لونا حامد
  • تدقيق لغوي: بهاء زايد

تعليقات

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!