fbpx
الفضائيون

كيف يقرر دماغك ما الذي يجب عليك تعلّمه؟

ملخص:
استطاعَ علماءُ الأعصابِ أن يعرفوا كثيرًا عن كيفية تعلُّم أدمغتنا لأشياء جديدة، ولكنَّهم لم يتوصلوا لفهم كيفية قدرة أدمغتنا على اختيار الأشياء التي تركز عليها أثناء عملية التعلم. استطاع الباحثون اليوم تتبع هذه القدرة والتي قد تصل بهم إلى أماكن غير متوقعة.

من أجل استكتشاف هذا العالَم، يحتاجُ الحيوان إلى أكثر من مجرد الانتباه إلى ما يحيط به، إنَّه يحتاج إلى معرفة  أكثر المشاهد والأصوات والأحاسيس أهميةً في بيئته ورصد كيفية تغيُّرها مع مرور الوقت. ورغم إدراكنا لحتمية وجود هذه الخاصية إلا أنَّ الطريقة التي يتتبع بها البشر والحيوانات هذه التفاصيل بقيت غامضة . يعتقد علماء الأحياء في جامعة ستانفوردStanford University أنَّهم توصلوا إلى فهم آلية فرز الحيوانات للتفاصيل.

كيف يتم ذلك؟

عبرَ جزءٍ من الدماغ يُدعى المهاد المجاور للبطين paraventricular thalamus، أو PVT، والذي يمكن تشبيهه بحارس البوابة وتكون مهمته أن يتأكد من أنَّ الدماغ سيحدد ويتتبع التفاصيل الأكثر أهمية للموقف.

وقال زياو كي تشن  Xiaoke Chen رئيس الباحثين، وأستاذ علم الأحياء وعضو في جامعة ستانفورد بيو إكس ومعهد وو تساي للعلوم العصبية:Stanford Bio-X and the Wu Tsai Neurosciences Institute.

“أظهرنا أنَّ الخلايا المهادية تؤدي دورًا مهمًا للغاية في تتبع الأهمية السلوكية للمنبهات، وهو الشيء الذي لم يتوصل إليه أحد من قبل”.

وأضاف تشن  أنَّ النتائج كانت مفاجِئة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنَّ قلةً من العلماء اعتقدوا أنَّ المهاد يمكن أن يكون مسؤولاً عن عملية متطورة للغاية كهذه .

وعلى الرغم من أنَّ الأبحاث، التي تم تمويلها جزئيًا من قبل مبادرة Neurochoice المقدمة من معهد وو تساي للعلوم العصبية  Wu Tsai Neuroscience Institute’s Neurochoice Initiative قد اقتصرت على الفئران في الوقت الحالي، إلا أنَّ النتائج يمكن أن تساعد الباحثين يومًا ما على فهمٍ أفضل لكيفية تعلُّم البشر أو حتى المساعدة في علاج إدمان المخدرات ، حسبما يُصرح تشن .

دماغك يقرر ماذا تتعلم!

في أبسط أشكاله، ينحدر التعلم من التجربة والخطأ أو ما يمكن أن نسميه (النتائج الرجعية feedback)، فعلى سبيل المثال، إذا كان لديك صداع وتناولت دواءً، فإنك تتناوله لأنك تتوقع أنَّه يخفف من صداعك، إذا كنت على حق، فسوف تأخذ هذا الدواء في المرة القادمة التي تعاني من الصداع. أما إذا كنت مخطئًا، فستجرب شيئًا آخر.
لقد درس علماء النفس وعلماء الأعصاب هذا الجانب من التعلم على نطاقٍ واسع،  بل قاموا بتتبعه إلى أجزاء معينة من الدماغ والتي تعالج النتائج الرجعية وتحث على التعلم.

يقول تشن أنَّ هذه الصورة للتعلم هي صورة غير كاملة، حتى في التجارب المخبرية غير المعقدة نسبيًا، ناهيك عن الحياة في العالم الحقيقي، لأنَّ البشر والحيوانات تحتاج إلى معرفة ما يجب أن تتعلم منه وما يجب أن تتركه، والفرق بين النتائج الرجعية التي يجب اعتمادها والنتائج الرجعية الأخرى التي يجدر بنا اعتبارها مجرد “ضوضاء” أي لا أهمية لها في عملية التعلم. وعلى الرغم من أهمية هذه الحاجة للتمييز بين النتائج، لكنَّ علماء النفس وعلماء الأعصاب لم  يُولوها الاهتمام نفسه.

ولسد هذه الثغرة و فهم عملية اختيار الدماغ لما يتعلمه بوجهٍ أفضل، درَّب تشن وزملاؤه فئران؛ حتى تربط روائح خاصة بنتائج جيدة وأخرى سيئة، فأشارت رائحة محددة إلى أنَّ الفأر على وشك أن يحظى برشفة من الماء- نتيجة جيدة-  في حين أشارت أخرى إلى أنَّه على وشك الحصول على نفثة من الهواء على وجهه وهي نتيجة سيئة.

ثم في وقت لاحق، استبدلَ الباحثون نفخةَ الهواء بصدمة كهربائية بسيطة – وهو أمر من المفترض أن يحظى بانتباه أكثر- فوجد الفريق أنَّ الخلايا العصبية في PVT تتعقب هذا التغيير.

بالعودة إلى نتائج المرحلة الأولى قبل إحداث هذا التغيير، استجاب ثلثا الخلايا العصبية PVT لكلتا الرائحتين في حين تم تنشيط 30% إضافية عن طريق الرائحة المربوطة بالحصول على الماء وحدها، بعبارة أخرى، وأثناء هذه المرحلة، استجاب PVT لكلٍ من النتائج الجيدة والسيئة، ولكن كانت هناك استجابة أكبر للنتائج الجيدة.

لكن أثناء مرحلة الصدمة الكهربائية، تغير التوازن واستجابت الخلايا العصبية جميعها في نظام PVT تقريبًا للصدمة، في حين استجاب قرابةَ ثلاثة أرباعها إلى كل من النتائج الجيدة والسيئة.

حدثَ نفس هذا التحول حتى قبل استعمال الصدمة الكهربائية، وذلك عندما حصلت الفئران على حاجتها من المياه وصارت المياه أقل أهمية بالنسبة لها، واصبح الـ PVT أقل استجابة للماء وأكثر استجابة لنفث الهواء، مما يعني أنَّه أصبح أكثر استجابة للنتائج السيئة وأقل استجابة للنتائج الجيدة.
وقد أظهرت النتائج مجتمعةً مسارات PVT  ذات الأهمية في كل اللحظة، وهي خاصة بالنتيجة الجيدة عندما تكون أهم من النتيجة السيئة وبالعكس.

مكان جديد للبحث والتطوير

وقال تشن أنَّ هذه النتائج تُظهِر استنتاجات واسعة، ولعل الأهم هو أنَّ الباحثين الآخرين يملكون الآن مكانًا للبحث- وهو PVT – وعندما يريدون دراسة مدى تأثير الاهتمام بتفاصيل مختلفة على كيفية تعلم الحيوانات .

وأضاف تشن أنَّ علماء الأعصاب لديهم اليوم طريقة جديدة للتحكم فى عملية التعلم، ففي تجارب إضافية مع فئران معدلة وراثيًا تمكن الفريق من التحكم في نشاط PVT بالضوء، ووجد الباحثون أنَّهم يستطيعون تثبيط أو تعزيز التعلم، على سبيل المثال، يمكنهم تعليم الفئران بسرعة أكبر فإنَّ الرائحة لم تعد تشير إلى أن الماء قادم، أو أنَّ رائحة أخرى قد تحولت من إشارة للمياه إلى إشارة للصدمة الكهربائية.

وقد تساعد هذه النتائج على إيجاد طرق جديدة لتعديل التعلم  لدى الفئران، في الوقت الحاضر وعن طريق تحفيز أو قمع نشاط PVT  بطريقة مناسبة.
وأشار تشن، أنَّه وعلى المدى الطويل، ستساهم في إيجاد طرق للمساعدة في علاج إدمان المخدرات، عن طريق مساعدة المدمنين على التخلص من الارتباط بين تناول العقاقير والشعور بالنشوة والفرح .

المُساهمون:
  • ترجمة: نادية حميدي
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: سماء مرعي

إضافة تعليق