الهيدرا Hydra في الأساطير اليونانية وحش أفعواني مائي مرعب، يستطيع إنبات رأسين مقابل كل رأس يقطعه البطل الذي يتحداه! أما الهيدرا على أرض الواقع هو كائن أنبوبي الشكل يحيا في المياه العذبة و حجمه لا يتعدى سنتيمترا واحداَ. لكنه حيوان مبهر إلى حد بعيد بغض النظر عن كونه أقل رهبة بكثير من نظيره الأسطوري. فهو يستطيع تجديد جسمه بالكامل بدئاَ من أية قطعة صغيرة منه!

كشفت دراسة جديدة نشرت في مجلة Philosophical Transactions of the Royal Society أن هذا الكائن الصغير قادر في الحقيقة على التعديل من تعبيره الجيني لملاءمة احتياجاته. دافعا بعض خلاياه للعمل بسرعة مضاعفة كي تستطيع القيام بمهام إضافية طارئة.

تنتمي الهيدرا إلى عائلة واسعة من الحيوانات تدعى القرّاصات أو معويات الجوف Cnidarians تضم هذه العائلة أيضا قناديل البحر و الشعاب المرجانية. القاسم المشترك بين هذه الكائنات هو احتوائها على الخلايا القارصة cnidocytes، و هي خلايا مختصة باقتناص الفرائس. أما ما يميز الهيدرا بشكل خاص هو أنها على ما يبدو لا تموت! تلك الصيادة الخالدة تقضي الغالبية العظمى من حياتها ساكنة بدون حراك إلا عندما تمر إحدى فرائسها التي هي في الغالب من العوالق المائية plankton في الجوار. حين تحتاج للحركة فإنها تقوم بذلك عن طريق أسلوب مميز لها يعرف بالشقلبة! فهي تقوم بالانحناء و استخدام مجساتها للإمساك بفريسة ما أو بسطح مجاور.

لطالما حيرت القدرة التجديدية العالية للهيدرا علماء الأحياء، الذين عجزوا عن فهم امتلاك حيوان بدون خلايا عصبية أو حتى خلايا جذعية لهذه القدرات.

من أجل التحقيق في هذا الأمر، قام مجموعة من الباحثين من جامعة جنيف بملاحظة كيفية تعبير الهيدرا لـجيناتها. أيّ من الجينات تعمل و أي منها معطلة.

بمقارنة كائنات الهيدرا التي لا تملك خلايا جذعية بالأخرى التي تملكها، وجد العلماء فرقا في سلوك الخلايا الظهارية (هي الخلايا التي تشكل الطبقة الخارجية المحيطة بالجسم).

 ” لقد قمنا بالتعرف على 25 جيناَ مفرط التعبير في الخلايا الظهارية، بعض هذه الجينات له دور في وظائف عصبية متنوعة، كالتنشؤ العصبي و النقل العصبي”

هذا ما صرح به إيفان فينغر Yvan Wenger أحد المشاركين في الدراسة.

على ما يبدو فإن الهيدرا عندما تفقد كل ما لديها من الخلايا الجذعية، ولا تعود لديها القدرة لإنتاج خلايا عصبية جديدة و إنتاج أنسجة جديدة، يتم تحفيز بعض الخلايا الظهارية ضمنها لتعمل باستطاعة مضاعفة. هذه الخلايا تستطيع التعديل من برنامجها المورثي لسد النقص الناتج. و هكذا تستطيع الهيدرا تبديل التعبير الجيني الخاص بها.

هذه الخلايا الظهارية ’المعدلة’ تملك حساسية فائقة لما يحيط بها، سامحة للهيدرا للتعويض عن النقص الخلايا العصبية.

حتى هذه اللحظة، فإن الآلية التي تزيد التعبير الجيني للخلايا الظهارية غير مفهومة بشكل كامل. لكن هذا لا ينفي أبدا أن قدرة هذه الخلايا على تحويل آليات العمل الخلوي ضمنها هي أمر مميز و ملفت، حتى أن كتاب البحث وصفو هذه القدرة بتعبير “اللدانة الخلوية Cellular Plasticity”

هذه الكائنات بدائية إلى حد بعيد من الناحية البنيوية، فهي لا تحوي أيا من الوظائف المعقدة التي تحويها الحيوانات المرتفعة على السلم التطوري. و هذا ما دفع بالعلماء للاعتقاد بأن هذه القدرة التجديدية ميزة قديمة جدا، تطورت في وقت كانت فيه الخلايا المتخصصة المعقدة – كتلتك المسؤولة عن الرؤية و السمع على سبيل المثال – لم تتطور و تظهر بعد. هذه اللدانة كانت ضرورية للهيدرا و أسلافها القديمة لمحاكاة الوظائف التي امتلكتها كائنات حية معقدة و أكثر تطورا.

المصدر

  • ترجمة: بشار غليوني