in

عمليات كيميائية مستحيلة؛ لكنها حدثت! الجزء الأول

لا شكَّ أنّ تنوّع العناصر في الكيمياء وتفاعلاتها يجعلها في كثيرٍ من الأحيان غير مُتوقّعة أو شاذة. وإذ ذاك ليس غريباً أن تعرف أنّ الكيميائيين لا يثقون بشيءٍ أكثر من حدسهم في إخبارهم بالذي يمكن أو لا يمكن حدوثه. وتاريخ العلم ـ خاصة الكيمياء ـ مليءٌ بالعديد من الأفكار التي قوبلت بكثيرٍ من الهجوم والسخرية في البداية، ثمّ لم تلبث أن انتهى بها الحال إلى تغيير قواعد اللعبة بأكملها. نعم، إنّها الكيمياء المجنونة، والتي سنأخذكم في جولةٍ للتعرُّف على بعضٍ من جنونها عن قربٍ في خمسٍ من الحالات العجيبة والتي قيل أنّها لن تحدث مطلقاً.

  • مفارقة الكريستال: عندما أعلن الكيميائي “دان شاتمان Dan Shechtman ” عن اكتشافه للتّجانس شبه البلّوري للمادّة (quasi-crystal) سنة 1984، قابله العالم الشّهير “لينوس باولنغ Linus Pauling ” بالتّهكّم والسّخريّة، واصفاً إيّاه ب”شبه العالم” نسبة لاكتشافه، وذلك لكون وجود مثل هذا النوع من المواد يُعدّ مستحيلاً علميّا. إلاّ أنّ الأمر انتهى ب”دان” إلى الحصول على جائزة نوبل للكيمياء لسنة 2011.

بدأت القصّة لمّا وجّه “دان” حزمةً من الإلكترونات نحو عددٍ من السّبائك المعدنيّة، وذلك لتحليل أنماط التّداخل النّاتجة عن الأشعّة المنعكسة، سعياً إلى تحديد البنية الذرّية لهذه المعادن. فإن كانت هذه البنية البلورية منتظمة، سيحصل على بقع تداخلٍ ضوئيّة واضحة تماماً. غير أنّ البقع التي أفرزتها تجربة “دان” ـ وهي خليط من الألومنيوم والمنجنيز ـ كانت غريبةً بالنّسبة لما هو متعارفٌ عليه، إذ كانت تدلّ على شكلٍ معدنيّ خماسيّ الأضلاع، وهو ما كانت ترفضه أبسط قواعد علم البلّوريّات في ذلك الحين.

لم يكن “باولنغ” الوحيد الذي رفض نتائجه، إذ انضمّ إليه عددٌ لابأس به من العلماء والمختصّين، الأمر الذي أدّى بـ “دان” إلى عدم القدرة على نشر ورقته البحثيّة المتعلّقة بهذا العمل إلاّ بعد جهدٍ كبير.

كان هذا الموقف العدوانيّ بمثابة خطأ كبير ارتكبه هؤلاء العلماء في حقّ زميلهم الطّموح، حيث اتّضح فيما بعد بأنّ إجابة اللغز كانت موجودةً حقّاً منذ حوالي العقد من الزّمن، إذ بيّن الرّياضي “روجيه بنروز Roger Penrose” منذ السبعينات بأنّه من الممكن تغطية سطحٍ مستوٍ بالكامل باستخدام شكلين خُماسيَّي الأوجه، وذلك دون ترك فجوات ومع عدم تكرار النّمط عدّة مرّات.

من ناحيةٍ أخرى، أكد عالم البلوريات البريطاني “آلان ماكاي Alan Mackay” سنة 1981 على وجود البنية الخماسيّة للمادّة نظريّا. وبذلك، صودِق على نظريّة “دان شيشتمان” خصوصاً بعد التثبّت من وجود العديد من الموادّ التي تندرج تحت هذا النّمط البلّوري العجيب، وأشهرها الماء المتجمّد.

  • مفارقة الانتروبي (ازدياد الفوضى في كلا اتجاهي التفاعل): مرّةً أخرى، يتعلّق الأمر بتبرئةٍ وردّ اعتبارٍ سبقتهما موجة تجاهلٍ واستنكار، لكن بعد فوات الأوان للأسف. حيث سنتحدّث في هذه الفقرة عن اكتشافٍ كُرم صاحبه بمنحه جائزة “لينين”، لكن بعد موته بعشر سنوات.

خلال الخمسينيات من القرن الماضي، حاكى العالم الرّوسي “بوريس بلوسوف Boris Belousov” عمليّة كسر السّكريات(Glycolysis) التي تختص بها الأنزيمات لدى الكائنات الحيّة. وللتّأكّد من نجاح تجربته بالعين المجرّدة، استعمل محلولاً شفّافاً يتحوّل إلى اللّون الأصفر حالما تتفكك الموادّ السّكريّة التي يحويها. لم تكن هذه العمليّة معقّدةً ولا مستحيلة، حيث كان الكيميائيّون وعلماء الأحياء يعرفونها جيّداً بحكم أهمّيتها في جسم الإنسان. غير أنّ أمراً عجيباً حدث ذلك اليوم، فما إن اطمأنّ “بوريس” لنجاح تجربته، حتّى فاجأه المحلول باتّخاذه اللون الشّفّاف ثانية.

كانت دهشته عظيمة، وهو يحاول عبثاً استيعاب ما يجري، في حين لم تمهله التّجربة أكثر من ذلك، ليعود اللون الأصفر من جديد. وهكذا، أخذ لون محتويات القنّينة يتأرجح بين الشّفاف والأصفر دون توقّف. لم يكن الأمر مجرّد حيلةٍ علميّة، إذ كان ما يحدث يعني بأنّ عمليّة تفكيك السّكريّات كانت عفويّةً في الاتّجاهين، وهو ما يخرق ـ بكلّ بساطة ـ القانون الثّاني للدّيناميكا الحراريّة الذي يقتضي بعفويّة التّفاعل الكيميائي في اتّجاهٍ واحد، وذلك نتيجة زيادة الفوضى (الانتروبي) مع مرور الوقت. يمكنك مشاهدة محاكاة:

لنفترض بأنّ أحداً ما ألقى بقطرة حبرٍ ملوّنة في قارورة مياهٍ شديدة النّقاوة. من الطّبيعيّ إذن بأن يبدأ الحبر انتشاره عبر جزيئات الماء حتّى يغمر أكبر عددٍ منها بعد وقتٍ معيّن، وبذلك تكون الفوضى قد ازدادت لأنّ قطرة الحبر انتقلت من حالةٍ شديدة التّنظيم عندما كانت في مكانٍ واحد إلى حالةٍ شديدة الفوضى بعدما انتشرت في كلّ مكان. وبهذا يصعب علينا تخيّل قطرة الحبر وقد أخذت تتلملم من جديدٍ لتستعيد هيأتها الأولى، ممّا يعني بأنّ العمليّة عفويّةٌ في اتّجاهٍ واحد. وهكذا، كانت ملاحظة “بلوسوف” تقتضي بأنّ الطّبيعة تقوم بتفكيك وإعادة تركيب السّكّريّات بنفس السّهولة، وهو ما كان يصعب على العقل آنذاك فهمه.

مرّةً أخرى، لم تكن هذه أوّل مرّة ينتبه فيها عالمٌ ما إلى هذه الظّاهرة، فقد لاحظ الكيميائيّ الأمريكيّ “ويليام براي William Bray” سنة 1921 نفس الشّيء، لكن مع تفاعلٍ كيميائيّ مغاير. دوّن “براي” هذا الاِكتشاف وحاول نشره على الفور، غير أنّ أحداً لم يصدّقه في ذلك الوقت كما هو الحال بالنّسبة ل”بلوسوف”، ممّا حال دون اطّلاع العالم على هذه النّتائج حينها.

المصدر

  • إعداد: طه ياسين بن إبراهيم .
  • مراجعة: سارة تركي .
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي .

ماتقييمك للموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

بين التجمُّد و الغليان؛ ما الذي يحدث للماء في الفضاء؟

عمليات كيميائية مستحيلة؛ لكنها حدثت! الجزء الثاني