fbpx
الفضائيون

تأثير التغير المناخي والاحتباس الحراري على الجـزر

لا يمكننا لومُ سكّان الجُزر على شعورِهم بالإهمال، فهم يعانون بالفعلِ من وطأةِ العديد من آثارِ تغيّر المناخ مثل ارتفاع منسوب مياه البحر، تناقص الموارد والتهديدات التي تمسُّ البُنى التحتيّة والمشاريع الاقتصادية.
ولزيادة الوضع سوءً فإنّ الآلاف من هذه الجزر هي جُزر صغيرة جداً بحيثُ لا يُمكن حسابها ضمن النماذج المناخيّة العالميّة (GCMs)المستخدمة من قِبلِ العلماء لقياس آثار تغيُّر المناخ.

وفي دراسةٍ جديدة نُشرت في مجلّة ” Nature Climate Change” فقد أشارت طريقةٌ جديدة تعتمدُ على نمذجةِ تأثيرات تغيُّر المناخ على الجُزر، إلى وجودِ أخطاءٍ في نتائجِ التحليلاتِ السابقة الخاصّة بهذه الظاهرة حيث تَبيّن أنّ نسبة 73% من الجُزر ستتأثر بتغيّر المناخ بشكلٍ مباشر أو غير مُباشر وهذه النسبة أعلى من النسبة الناتجة عن التحليلات السابقة وهي 50%، ذلِك أن هذه التأثيرات ستضع سُكّان هذه الجزر والذين يقارب عددهم 18 مليون شخص في “موضِع الخطر” كما وصفه Kris Karnauskas، عضو CIRES ( المعهد التعاوني للأبحاث في العلوم البيئية) والكاتب الرئيسي للمقال، وزملاؤه.
هذا يعني أيضاّ أنّ المعلومات المتوفّرة عن تأثيرِ تغيُّر المناخ على نُظم المياه العذبة لهذه الجُزر هي غالباً غيرُ مكتملةٍ بعد، حيثُ تُظهر النماذج المناخية العالميّة أنّ نسبة 50% من مجموع الجُزر الصغيرة ستصبح أكثر رطوبةً و 50% منها ستصبح أكثر جفافاً وذلك بسبب استمرار هطول الأمطار، ولكن هذه النماذج بحدِّ ذاتها لا تأخذ بالاعتبار ما يحدثُ على سطح الجُزر مما يجعلها في عداد المفقودين.
وفي الواقع وجد karnauskas بروفيسور علوم الغلاف الجوي والمحيطات بجامعة كولورادو بولدر Colorado Boulder أنّ 73%من الجُزر ستصبح أكثر جفافاً كنتيجةٍ للزّيادة في عمليّة التبخر، حيث يقول :

تواجه الجُزر فعليّاً مشكلةً في ارتفاعِ مستوى سطحِ البحر، وذلك سيؤدّي بدورِه إلى انخفاض معدّل سقوط مياه الأمطار، حيث أن الغلاف الجوّي سيصبح أكثر جفافاً.”

تَكمن المشكلة في حقيقةِ أنّ النماذج المناخيّة العالميّة ليست مفصّلةً بدقةٍ بشكلٍ كافٍ، حيثُ تقسّم هذه النماذج كوكب الأرض إلى شبكةٍ وكلّ جزءٍ منها يعادل ما يقارب 240:210كم، و هذه المساحة تُعدّ كبيرةً جداً، فمثلاً إذا تواجدت جزيرة بالغة الصغر – أو حتى سلسلة من الجزر مثل جزر بولينيزيا الفرنسيّة- في واحدةٍ من تلك الأجزاء الشبكيّة، فإنّه يُصبح من غير العمليّ أن يتمّ ضمّها للنموذج حيث شرح karnauskas هذه الفكرة بقوله :

” فكر في البيكسل (أصغر نقطة ممثلة على شاشةِ جهازٍ ما)، إذا كانت نقاط البيكسل كبيرة جداً فلن تتمكن من رؤية النمش على أنفِ أحدهم، ولكنّك ستحتاج بدلاً عنها نقاط بيكسل دقيقة جداً لرؤية ذلك بوضوح، وللأسف, لم تُصمَّم النماذج المناخية العالميّة للقيامِ بوظائف مشابهة.”

البيكسل الـمُستخدم في النماذج المناخيّة العالميّة GCMs كبير جداً ولم يتمكّن العلماء بعد من امتلاكِ موارد أجهزة كمبيوتر كافية للعمل في نطاقٍ أكثر دقة، فعلى سبيل المثال: جزيرة ايستر Easter والتي تبعد حوالي 3,512 كم عن سواحل تشيلي في جنوب المحيط الهادئ، هي جزيرة صغيرة وتعدّ بقعة الأرض الوحيدة التي تقع ضمن مربّع GCM الشبكي في تلك المنطقة حيث يُمكننا تشبيهها بالنمش والذي يَصعُب على النماذج الحصول على مستوى دقيق من تفاصيله، لذلك لا وجود لجزيرة ايستر في النماذج الحاليّة، حيثُ يُعدّ مربّع الشبكة بالكامل عبارة عن محيطٍ مفتوح.
هذا هو الحال مع العديد من الجُزر حول العالم، وإنّها لمشكلةٌ حقيقيةٌ عندما يتعلّقُ الأمرُ بمعرفة ما سيفعله تغيّر المناخ بإمدادات المياه العذبة للجزر، فخلافاً للقارات أو الجزر الكبيرة لا يتمّ حساب تأثير تغيّر المناخ على المياه العذبة للجزر الصغيرة المعزولة.
يقول karnauskas:

“هناك العديد من الأبحاث في المجال الميدانيّ تظهر تغييراتٍ في معدلات الجفاف، إلّا أنّني دائماً أنظر إلى الخرائط والرسوم في هذه الأوراق وأتساءل، لماذا لا” نستطيع أن نرى الجزر باستخدام النماذج، والجواب هو أنّ هذه الجُزر -كما وضحنا سابقاً-أقلّ وضوحاً بكثير مقارنةً بالأماكن التي توجد فيها مساحاتٍ كبيرة من الأرض.”

لفهمِ كيفيّة تأثير التغيُّر المناخيّ على المياه العذبة، وجب على العلماء أن يفهموا ماذا يحدث عند هطول الأمطار والتبخّر.
الجزء الأول هو الأسهل حيث تعطي النماذج المناخيّة العالميّة الحاليّة كل ما يتعلّق بهطول الأمطار على الأرض وفوق المحيط، حتى في مربّع الشبكة الذي تَقعُ فيه جزيرة ايستر، يمكنهم تقدير كميّة الأمطار التي من المرجّح سقوطها.
ولكنّ التبخّر هو مسألةٌ أُخرى، فعندما يتعلّق الأمر بتلك الجُزر الصغيرة، فإنّ النماذج لا توضّح كميّة المياه المتبخّرة وذلك لعدمِ وجود هذه الجُزر في النماذج حيثُ يبدو كلّ شيءٍ هناك عبارة عن محيط، وبالتالي لا يمكن أخذُ الحسابات باستخدام الكميّة المتبخّرة من المحيط، حيثُ تتبع عمليّة التبخّر في المحيط مبادئ فيزيائيّة مختلفة عنها على اليابسة.
وبالتالي، فإنّه بدون معرفة مقدار الماء المتبخّر من هذه الجُزر، سيكون من المستحيل معرفة تأثيرات هذه الظواهر على إمدادات المياه العذبة بالتحديد.
لذلك ابتكر البروفيسور karnauskas وزملاؤه السابقون من مركز “woods hole” في معهد ماساشوستيس Massachusetts وسيلةً للحصولِ على المعلومات اللازمة لمعرفة ما يحدث على الجُزر.
يشرح البروفيسور karnauskas وهو يرسم مخطط لمكعب على لوح أبيض:

“هذه صورة ثلاثية الأبعاد لخليّةٍ شبكيّةٍ للمحيط، حيث توجد جزيرة هنا، ونموذج المناخ لا يشمل الجزيرة ولكن إذا ذهبنا إلى موقعها هناك سنتمكن مباشرةً من استخدام المعلومات من الخليّة الموجودة على نموذج الغلاف الجوي.”

إنهم في الأساس يبحثون في وضع المناخ على سطح الجزيرة للوصول لإيجادِ تصوُّرٍ تقريبيٍّ عن المناخِ الفعليّ عليها، ويمكنهم فعل ذلك لأنّ الكثير من الجّزر صغيرة جداً حيثُ أنّ المناخ على سطح الجزيرة لا يختلف كثيرًا عن المناخ على سطح المحيط، خاصةً عندما يتم قياسه على فترةِ يومٍ أو أكثر.
وهذا ما تمّ التحقق منه حتى بالنسبة للجُزر الكبيرة مثل جزيرة ماوي، حيثُ تظهر البيانات من محطات الأرصاد الجويّة في المطارات بشكلٍ مدهشٍ، فرقاً بسيطاً عن البيانات المسجّلة من محطاتِ الأرصاد الجويّة الراسية على بعد مئات الكيلومترات قُبالة الشاطئ.
يوضّح البروفيسور karnauskas مع ابتسامةٍ قائلاً:

” إننا نُطلق عليه اختبار الخنزير الأعمى، تصوُّر إنّك خنزير أعمى تحلق في هذه المنطقة، هل كنت ستعلم بوجود جزيرة؟ هل يمكنك الشعور بفرق في الحرارة أو الرطوبة ؟”

إنّ اختبار الخنزير الأعمى الناجح يعني أنّه لا يمكنك معرفة ما إذا كُنت فوق اليابسة أو فوق المحيط بكلّ الأحوال، وهكذا فإنّ العلماء لا يحتاجون لمعرفة أيّ شيءٍ من اليابسة بحدِّ ذاتها للتنبؤ بعمليّة التبخّر، إنّهم فقط بحاجةٍ لمعرفة ما يحدث في الغلاف الجويّ مباشرةً بالقربِ من السطح.
وبذلك، وبالاستعانة ببعضِ الأدوات من المجال الهندسيّ، يمكنهم اكتشاف كميّة الماء المتبخّر، وبالتالي الحصول على صورة أكثر دقةً توضّح النسبة بين هطول الأمطار وبين عمليّة التبخّير في منطقةٍ معينة.
يرى البروفيسور karnauskas هذا العمل في غاية الأهميّة من ناحيتين، الأولى لفهم تغيّر المناخ في هذه المناطق، والثانية للحفاظ على صحّة الإنسان وسلامته حيث أنّ الغالبيّة العظمى من الأشخاص الذين يعيشون على هذه الجزيرة النائية يعتمدون على مياه الأمطار كمصدر لمياه الشرب، كما أنّ الذين يعانون بالفعل من مشاكل صحيّة نظراً لرداءةِ جودةِ المياه سيعملون على زيادة الاستهلاك للماء العذب وهذا سيؤدي لتفاقم المشكلة أكثر.
ويقول :

“هنالك فرصة للحصول على معلوماتٍ مهمةٍ من هناك، وهذا نطاقٌ واسع لتوفير معلوماتٍ أكثر دقّةً حول ما يمكن توقّعه.”

المُساهمون:
  • ترجمة: هبة حمد
  • مراجعة: سومر شاهين
  • تدقيق لغوي: مرتضى نحلاوي

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!