الملاقيط الضوئية، وتوليد نبضات ضوئية عالية الكثافة

مقدمة

ينمو علمُ فيزياء الليزر بمعدّلٍ سريع منذ بداية اكتشافه. فقد بدأتْ تقنيةُ الليزر منذ 60 عامًا. إذْ كان يُسمَّى  ميزر-maser، وكان الميكروويف يعمل في نطاق الموجات الكهرومغناطيسية، بينما يعمل الليزر حاليًا في نطاق الضوء المرئيّ، وطُوِّرَ أيضًا ليعمل في نطاق الأشعّة فوق البنفسجية. وكلمة ليزر-laser اختصارٌ لــ (  light amplification by stimulated emission of radiation )،وهي تعني تضخيمَ الضوء عن طريق الإشعاع الضوئي المُستحثّ. إذْ يجب توفّر صفات مُميّزة في الشعاع الضوئي لكي يُسمَّى ليزرًا، منها: أنْ يكون الضوء أُحاديَّ اللون، وذا كثافةٍ عالية، وأن يكون أُحاديَّ الاتّجاه، غير متشتِّت، وتكون الموجات الضوئية متوافقةً دون فروقٍ في الطّور فيما بينها.

وهذه الصفات هي ما تجعل للّيزر الأهميةَ الكبيرة في تطبيقاتٍ كثيرة في حياتنا اليومية. ولتوليد نبضاتٍ من الليزر تُستخدم تقنية مفتاح التبديل-Q-switching، وهي تعتمد على التّحكّم في خَلْق الضوء المُستحثِّ عن طريق غَلْق، وفَتْح صمّامٍ داخليٍّ مدّةً زمنية قصيرة. وقد تطوّر مجال البحث العلميِّ فى عالم الكيمياء، ومعرفة تفاصيل أكثر عن الحالات الانتقاليّة في التّفاعلات الكيميائية عن طريق التّحكّم فى زمن النبضات، وتصغير المدّة الزمنية، على نحوٍ تكون فيه مُلائمةً لازمة حركة الذرات فى الجزيئات، ويرجع الفضل فى ذلك لعالم الكيمياء المصرى أحمد زويل الذي فاز بجائزة نوبل فى الكيمياء عام 1999.

نوبل فى الفيزياء لعام 2018

منحتْ الأكاديمية السويدية للعلوم جائزةَ نوبل في الفيزياء لهذا العام لاختراعين في فيزياء الليزر التي فتحت آفاقًا جديدة، وخلقتْ تطبيقاتٍ مهمّة ومفيدة لعامّة الناس. وقد ذهبت نصف الجائزة لآرثر أشكن-Arthur Ashkin لاختراعه الملاقيط الضوئية باستخدام شعاع ليزر مستمرٍّ، وابتكارِه تطبيقاتٍ لهذه الملاقيط فى النُّظُم البيولوجية. وذهب نصف الجائزة الآخر لجيرار مورو-Gérard Mourou ودونا ستريكلاند-Donna Strickland لابتكارهم طريقةً لتوليد نبضاتٍ ضوئية قصيرةِ الزمن، وعالية الكثافة.

الملاقيط الضوئية

الملاقيط الضوئية-optical tweezers هي أداةٌ للتحكُّم، والحصر، والتّلاعب بالجُسيمات العازلة الصغيرةِ الأبعاد في نطاقٍ يتراوح من عشرات النانومترات إلى عشرات الميكرومترات عن طريق إنشاء قوّة طرْد أو جذْب على الجُسيمات بواسطة ضوء الليزر عالي الكثافة، وذلك يعتمد على مُعامل الانكسار النسبيِّ بين الجُسيم والوسط المحيط به.  وفكرة أن الضوء له القدرة على خلْق ضغْط منذ عام 1619التي افترضها العالم يوهانس كيبلر-Johannes Kepler كانتْ في تفسيره بسبب ذهاب ذيْل المذنَّبات بعيدًا عن الشمس. وفى عام 1873 أثبتْ العالم ماكسويل-Maxwell نظريًّا أنَّ الضوء يُمكنه بذْلُ ضغْطٍ مُعتمدًا على نظريَّته الكهرومغناطيسية. وتُسرَّع الجُسيمات في اتِّجاه انتشار شعاع الضوء على النحو المنشود، بواسطة قوى التَّشتُّت إلى الأمام، إضافةً إلى ذلك، رُصِدتْ جُسيمات لها مُعامل انكسار أعلى من البيئة المحيطة تتَّجه إلى مركز الحُزمة الضوئية في اتِّجاه تدرُّج الشّدّة كما موضح فى شكل-1.

شكل-1 جسيم محصور بواسطة ملقاط ضوئيّ، ويُحصرُ الجسيم عند اتِّزان قوّة التّشتّت العمودية لأعلى مع قوة الجاذبية لأسفل. وتصبح هذه الطريقة غير صالحة إذا كانت قوة الجاذبية ضعيفة، والحركة البراونية هى المسيطرة.

 

ومن المتوقع أنَّ هذه الطريقة يُمكنها التَّحكُّم فى الفيروسات، والعضيَّات في الخلايا الحيَّة؛ فهي تعوق الجُسيمات عن طريق إرسال شعاع اللّيزر من خلال عدسةٍ شيئية لخلْق القوة التدريجية المُقابلة لاتِّجاه انتشار الحزمة الضوئية كما موضح بالشكل-2.

تُعدُّ هذه التقنية أداةً بسيطة لقياس السرعة والحركة لجسيمات في حجم الميكرومتر مثل خَرَز السيليكا. وتعطينا قراءةً دقيقة لحركة الجُسيمات الدقيقة المحصورة فى محاليل مائية عند درجة حرارة الغرفة  فلا تحتاج التقنية إلى تبريد المادَّة المُحيطة بالجسيمات لرصْدها. وهناك تحدٍّ يحتاج إلى أدواتٍ متطوِّرة لحصْر البروتين الخاصّ بالحمض النوويّ-DNA عن طريق الإمساك به باستخدام الحصْر المُزدوج، وقد سَبَقَ استخدامُ تقنياتٍ مُشابهة مثل الملاقيط المغناطيسية، وإبر زجاجية فى إبعاد الميكرومتر.

شكل-2

 

وقد أَثبتتْ الملاقيط الضوئية قيمةً خاصّةً حركية، وميكانيكية في المحرّكات الجُزيئية. والمحرِّكات الجُزيئية تعمل على تحويل الطاقة الكيميائية لحركةٍ دائرية أو حركة مستقيمة؛ مثل البروتينات التي تؤدّي دورًا أساسيًّا في عمليَّات النَّقل داخل الخلية، وانقسامات الخلايا.

لقد فتح لنا ظهور الملاقط الضوئية نافذةً؛ إذ يُمكننا مشاهدة أُسس الجزيئات الحيوية، والفضْل يرجع في ذلك للعالم الفيزيائيِّ آرثر أشكن.

توليدُ نبضاتٍ ضوئية عالية الكثافة، فائقةِ القِصَر

كما هو موضح في المقدمة، لم يَتبع تطوُّر نبضات بصريّة قصيرة المدى زيادةً كبيرة في طاقة الذُّروة، أو الطاقة لكلِّ نبضة، على الرغم من أنَّ النَّبضات أصبحتْ أقصر، ويرجعُ ذلك على وجه الخصوص إلى العديد من التّطوّرات المُبتكرة لليزر. إنَّ عدد الفوتونات لكلِّ نبضة زاد بمعدل هامشيٍّ بين عام 1970 وعام 1985 على نحو ما هو موضحٌّ بالشكل-3. تتطَّلب هذه المشكلة زيادة قُطْر الشُّعاع، وهكذا يصحبُهُ تقليلٌ فى شدِّة الضوء الواقع على مادة المُكبِّر الضوئيّ داخل الليزر، وحمايتها من التلف، لذلك نحتاج لمنشآت ليزرية ضخمة ومكلفة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عن طريق معاهد الأبحاث الوطنية، وتعمل هذه الليزرات الكبيرة بمعدَّلات تكرار انطلاق نبضات منخفضة؛ إذ تنتج نبضات قليلة خلال اليوم الواحد لتوفير وقت كافٍ لتبريد المُعدَّات بين إطلاق النبضات الضوئية.

والمقصود بالمادة المكبِّرة للضوء داخل الليزر هي مادةٌ تعمل على تضاعف عدد الفوتونات عن طريق الإشعاع المُستحثِّ، فتزداد كثافةُ الضوء، وتتكوَّن هذه المادة من غاز مثل ثاني أكسيد الكربون أو صلْب؛ مثل بلّورات النيوديميوم أو سائل أو أشباه موصلات.

شكل-3 تاريخ تطوُّر تقنية نبضات الليزر منذ نشأتِها عام 1960، إذ أنَّ كثافة ضوء الليزر تعتمد على مدى قدرة المُعدَّات على تركيز الضوء.

 

تقنيةُ توليد نبضات ليزرية عالية الكثافة تعتمد على ثلاثة خطوات:- (كما موضح بالشكل-4)

  • تمديدُ نبْض ليزر قصير جدًا باستخدام ألياف ضوئية أو حواجز شبكيّة تستخدم خاصيّة حيود الضوء، فتُقَّلل طاقة الذروة
  • تُضخَّم تلك النبضات القليلة الطاقة في مادة ليزر المكبِّرة للضوء دوْن إتلافها
  • تُضْغَط النبضات إلى المدة الأصلية، ممَّا يؤدي إلى قوّةِ ذروة عالية جدًا
شكل-4 تبدو نبضةُ الدخول قليلة الطاقة و الزمن، وتُمدَّد تلك النبضة عن طريق حواجز شبكيّة تعتمد على ظاهرة حيود الضوء، ومن ثمَّ تنعكس بواسطة مرايا للمرور بمادة المضخّم الضوئي، ثمَّ إعادة ضغْط الضوء الناتج ليصبح نبضة عالية الطاقة، وقليلة الزمن؛ مثل زمن النبضة الأصلية.

تهدف الكثير من المشاريع الفيزيائية الآن إلى زيادة قوّة وكثافة النبضات الضوئية، وزيادة تطبيقاتها العملية في الحياة، ومن المُتوقَّع وجود مستويات من الكثافة تتخطى 1023 وات لكلِّ سنتيمتر مربع ممَّا يفتح مجالات بحْث جديدة في الحالة الكموميَّة للمادة، وحالة البلازما في المُفاعلات الاندماجية.

اقترح الباحثون في عام 1979 أنَّ الليزر عالي الكثافة الضوئية يمكن أنْ يُولِّدَ موجة بلازما باستطاعتها أن تُسرِّعَ الإلكترونات إلى طاقة عالية جدا قرابة1 جيجا إلكترون فولت في مسافة 1 سنتيمتر فقط، ومفتاح هذا التَّدرُّج الكبير في التَّسارع هو صناعة ليزر عالية الطاقة. وقد استُخدمَ  في مختبر لورانس بيركلي الوطني في كاليفورنيا جهازُ ليزر من نوع Petawatt في معمل بيركلي لتسريع الإلكترونات إلى طاقة تعادل 4.2 جيجا الكترون فولت فى مسافة 9 سنتيمتر فقط.

ففي السنوات الأخيرة، أصبح ليزر الفيمتو ثانية متاحًا للاستخدام السريري في العمليات الجراحية الخاصَّة بتصحيح الإبصار لعلاج قصْر النظر، والاستجماتيزم في جميع أنحاء العالم. وكذلك يقدّم ليزر الفيمتو ثانية في عملية الليزك دقةً عالية للتحكُّم في القرنية؛ إذْ يخلق ليزر الفيمتو ثانية جزءًا صغيرًا من النسيج على شكل عدسة لكي يُزال. بحيث يتم يُحصلُ على تصحيح الانكسار المرغوب. فطاقات النبضات فى ليزر الفيمتو ثانية النموذجية هي 120 نانو جول لكل نبضة.

المصادر:

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: محمد مبروك عيد
  • مراجعة: نديم الظاهر
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More