تجربة التطور بعيدة المدى

يُعرف التطور بالانتخاب الطبيعي، وهو عملية تمايزٍ في الإنتاج التكاثري بين الكائنات الحية تسببت فيها التمايزات الفردية بين تلك الكائنات في قدراتها على البقاء تحت الظروف البيئية المختلفة، التفاعل معها وتمرير جيناتها للأجيال التالية، ممّا يؤدي إلى تركز الصفات النافعة للبقاء والقابلة للتوريث بشكلٍ تراكمي في الأجيال التالية .ومن المعروف أنّها عمليةٌ معقّدة للغاية تتداخل فيها عدة عوامل متعلقة بمورثات النوع، صفاته، نمط تكاثره، الضغوط البيئية المحيطة وطريقة تفاعله معها، أنواع المفترسات الموجودة، نمط تغذيته ووجود موانع طبيعية يمكن أن تمنع اتّصال مجموعاتٍ مختلفة من نفس النوع وغيرها. إنّها عمليةٌ بطيئة ومعقدة تحتاج إلى عددٍ هائل من الأجيال لنرى تمايزاً ملحوظاً لدى الأحفاد عن السلف، ممّا يُصعب كثيراً من مهمة دراستها.

في عام 1988 حاول ريتشارد لينسكي ـ الباحث بجامعة ميتشجن ـ الإجابة على هذا السؤال بتجربةٍ مثيرة للاهتمام حقاً، فلجأ وفريقه لواحدٍ من أسرع الكائنات تكاثراً على وجه الأرض، بكتيريا الإيشيريشية القولونية Escherichia coli.

باختصارٍ شديد، عزل الباحثون 12 مجموعةً من بكتيريا الايشريشية تنتمي جميعها لسلفٍ مشترك، ثمّ وُضعت في حضاناتٍ منعزلة عن بعضها البعض ولكن جميعها في ظروفٍ متطابقة من حيث درجة الحرارة، الرطوبة، الإضاءة، التغذية وسائر الظروف المعملية الأخرى كما سمحوا لها بالنمو والتكاثر، ثمّ أخذوا عيناتٍ كلّ فترة معينة تعبر عن مرور عددٍ معين من الأجيال وإخضاع تلك العينات لاختباراتٍ متعددة  لدراسة التغير في خواصها (النمط الظاهري Phenotype) ، دراسة التغيرات الحادثة في الجينوم الخاص بها (النمط الجيني Genotype) ودراسة العلاقة بين التغيرات في النمطين. ولا تزال هذه العملية مستمرةً حتى اليوم، حيث تخطى نسل هذه البكتيريا حتى الآن أكثر من 64000 جيل ولا تزال تتكاثر، وقد عمل آلاف الباحثين على عيناتٍ من هذه البكتيريا وقارنوها ببعضها البعض فكانت النتائج حتى اليوم مذهلة، وسنستعرض أبرزها.

  • لوحِظت زيادةٌ مطردة في كفاءة البكتيريا في التعاطي مع بيئتها، ونعني هنا بالكفاءة ببساطةٍ حيازة الصفات التي تعطيها القابلية للاستمرار في بيئتها بأقلّ أضرارٍ ممكنة، وتشمل عدة عوامل منها سرعة النمو، القدرة على استهلاك المغذيات بكفاءةٍ أكبر، القدرة على تجنّب التهديدات وتجاوزها. كان معدل الزيادة في الكفاءة يقل كلما تقدمنا في الأجيال وبعدنا عن السلف المشترك، غير أنّ الزيادة ظلت تحدث وتبدو كأنّها لانهائية ولا حدود لها إذ تشعبت البكتيريا إلى أكثر من ضرب، وكلٌّ من هذه الضروب نجح في تطوير آلياتٍ مختلفة في التعاطي مع بيئته وتشعب هو الآخر إلى ضروبٍ لنحصل في النهاية على طيفٍ واسع من البكتيريا المتكيِّفة بشكل جيد مع بيئتها ومختلفةٍ عن بعضها البعض وعن سلفها المشترك.
  • لوحِظت تغيراتٌ كبيرة لا يمكن تجاهلها في النمط الجيني؛ 6 مجموعات منها تعرضت قدرتها على إصلاح الحامض النووي DNA الخاص بها لبعض الأعطاب، وبالتالي زاد معدل حدوث الطفرات لديها بشكلٍ كبير جداً، مئات الملايين من الطفرات حدثت لدى المجموعات الاثنى عشر، بطبيعة الحال نجح في المرور إلى الأجيال التالية عددٌ قليل جداً، ولكنّه على المدى البعيد وبتراكم الطفرات على مدار آلاف الأجيال كان كافياً تماماً لظهور صفاتٍ لم تظهر من قبل وتوريثها للأجيال الجديدة ومساهمتها في إعطاء ميزاتٍ تنافسية هامّة للأفراد الحاملين لها.
  • لوحِظت زياداتٌ في حجم البكتيريا في كل المجموعات الاثنى عشر سببتها طفرتان على المشغل operon المعروف باسم pbpA، وهو عبارةٌ عن مجموعة من الجينات التي يتمّ تكويدها معاً بتتابع محدد وكأنّها جين واحد وتكود لتكوين بعض البروتينات في جدار الخلية البكتيرية، حيث لوحِظ أنّ الطفرتين سببتا إطالة الجدار الخلوي ممّا سبب زيادة الحجم، ولكن صاحَبها أيضاً زيادة في الحساسية للتغيرات في الضغط الأسموزي للوسط المحيط.
  • كانت البكتيريا قد زُرعت منذ بداية التجربة في وسطٍ غني بالجلوكوز، ومع مرور الوقت زادت كفاءتها في استخدامه بشكلٍ ملحوظ وظهر ما يُعرف بالتخصص البيئي Ecological specialization حيث زادت كفاءة البكتيريا في بيئاتٍ معينة (البيئة الغنية بالجلوكوز في هذه الحالة) بينما قلّت بشكلٍ ملحوظ عند إخراجها من تلك البيئة وزراعتها في بيئاتٍ أخرى بالمقارنة مع أسلافها، أي أنّ البكتيريا أصبحت متخصصةً مع الوقت في بيئاتٍ محددة دون غيرها.
  • لوحِظت أنظمةٌ بيئية مصغّرة بدأت في التكون، ففي إحدى المجموعات بعد حوالي 6000 جيل ظهر شكلان مختلفان قليلاً من البكتيريا أطلق الباحثون عليهما S ، L اختلفا في شكل المستعمرات البكتيرية، حجم الخلية وفي نواتج عمليات الأيض التي تخرج منهما، كما لوحِظ تأثر كلٍّ منهما بنواتج أيض الآخر، حيث كانت نواتج الشكل L تعزز نمو الشكل S، بينما كانت نواتج S تثبط نمو L، وكان ذلك يسبب سيادة الشكل S في فترات توفر الموارد حيث كانت نسبته تصل إلى 85% من إجمالي البكتيريا بالمزرعة، بينما عند تناقص الموارد واحتياج الأجار المزروعة عليه البكتيريا للتجديد تتراجع نسبته إلى 10% مفسحاً المجال للشكلL ليسود، مما يعني قدرة أكبر للشكلL  على احتمال الظروف القاسية تجعل ذلك النظام البيئي المصغر في حالة من التوازن تتأرجح فيها نسبة النوعين صعوداً وهبوطاً بالتبادل.
  • بعد حوالي 31500 جيل لوحِظت لدى البكتيريا القدرة على استهلاك أملاح السترات كمصدر للكربون في وجود الأكسجين، وهو أمرٌ كان مستحيلاً مع بكتيريا الإيشريشية القولونية، وذلك لأنّ الأكسجين كان يتداخل بآلية معقدة مع الDNA الخاص بالبكتيريا ليمنع تكويد الجينات المسؤولة عن إدخال السترات إلى داخل الخلية والبدء في تخميرها، ولكنّ طفرةً في الجين citT المسؤول عن التكويد لإدخال السترات إلى الخلية  قد تجاوزت تلك المشكلة لنحصل على بكتيريا إيشريشية قولونية يمكنها استخدام السترات وإدخالها في عمليات الأيض الخاصة بها دون مشاكل، نحن نتحدث هنا عن خواص مختلفة تماماً عن خواص الأسلاف.
  • لاحظ الباحثون منافسةً كبيرة على الموارد بين سلالاتٍ مختلفة تحمل طفرات مختلفة بميزات تطورية مختلفة داخل المجموعات، بل وانقرض بعضها حين لم تسعفه صفاته في الاستمرار في المنافسة وتمريرها للأجيال التالية، حيث تحدث عملية الانتقاء الطبيعي بين هذه الضروب لنحصل على توازن بين ضروب وأنواع مختلفة، وتشكل حالة الشكلين S ، L نموذجاً رائعاً لذلك.

 

مخطط يوضح التنوع الحادث في البكتيريا وأهم الطفرات المتسببة في ذلك منذ بداية التجربة حتى وقت كتابته بعد 40000 جيل.

ما الذي تعنيه هذه النتائج؟

تؤكد هذه النتائج بالتكامل مع المعلومات التي لدينا من السجل الأحفوري ومن ملاحظاتنا على الDNA وعلم التشريح المقارن بالإضافة للملاحظات على التغيرات الحادثة للأنواع الداجنة على مدار أجيالٍ عديدة أنّ الانتخاب الطبيعي أمرٌ تلقائي يحدث كلّ يوم ويدعم الصفات التي تعطي ميزاتٍ نسبية للبقاء وتمرير الجينات للنسل، وأنّ هذه العملية يمكن رؤيتها مخبرياً على الأنواع سريعة التكاثر. والمذهل حقاً أنّ تلك النتائج في ظرف أقل من 30 عام، وبالسرعة والتنوع الذي حصلنا عليه سيكون أمراً مثيراً للاهتمام رؤية ما يمكن أن نصل إليه بعد ألف عام أو ربما مليون عام. هذه التجربة بالرغم من وقتها القصير للغاية مقارنةً مع مئات الملايين من السنوات التي احتاجتها الحياة لتصل لذلك التنوع الرائع الذي أمامنا، إلا أنّها أجابت على أسئلة هامّة جداً حول الآلية التي يحدث بها الانتخاب الطبيعي والعلاقات بين التغيرات في النمطين الجيني والظاهري.

المصادر:

myxo

webcitation

royalsocietypublishing

nature

ncbi

nature

uchicago

pnas.org

genetics.org

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: محمود نبوي
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي