نظرية-إم M-Theory

نظرية-إم M-Theory هي نظريةٌ فيزيائيةٌ تُوحّد كافة الإصدارات المتناسقة من نظرية الأوتار الفائقة String and Superstring theories. وتم التكهّن بوجود مثل هذه النظرية لأول مرةٍ من قِبل إدوارد ويتن Edward Witten في مؤتمر نظرية الأوتار المُقام في جامعة جنوب كاليفورنيا في ربيع عام 1995. حيث أطلق إعلان ويتن موجةً من النشاط البحثيِّ المعروف باسم ثورة الأوتار الفائقة الثانية.

قبل إعلان ويتن، حدد العُلماء العاملين على نظرية الأوتار خمسَ نسخٍ من نظرية الأوتار الفائقة. وعلى الرغم من أنّ هذه النظريات بدت مختلفةً جدًا في البداية، إلا أنّ العمل المُنجَز من قبل العديد من علماء الفيزياء أظهر أنها مرتبطةً بطرقٍ معقدةٍ ومهمة. وعلى وجه الخصوص، فقد وجد علماء الفيزياء أنّ هذه النظريات المختلفة ظاهريًا يمكن أن تكون موحدةً عن طريق مجموعةٍ من التحولات الرياضية التي تسمى ازدواجية S S-duality وازدواجية T T-duality، حيثُ تعمل هذه التحوّلات على ربط النظريّتين (نظرية الأوتار ونظرية ميكانيكا الكم) من خلال حلّ مُعضلة في النظرية المُعقدة بنظيرتها في النظرية المُبسّطة والعمليّة أكثر. واستند تكهن ويتن في جزء منه على وجود هذه الثنائيات، وفي جزء آخر على العلاقة بين نظريات الأوتار ونظرية الجاذبية الفائقة Supergravity والتي اعتمد منها على أعلى عدد من الأبعاد الممكنة، وهو أحد عشر بُعدًا.

على الرغم من عدم وجود صيغة كاملة لـ نظرية-إم M-Theory إلا أنه ينبغي لها أن تصف نظرية أجسامٍ ثنائية وخماسية الأبعاد تدعى البرينات (الأغشية Branes) وينبغي أن يتمّ التوصل إليها تقريبًا عن طريق الجاذبية الفائقة ذات الأبعاد الإحدى عشرة في الطاقات المنخفضة. وعادةً ما تستند المحاولات الحديثة لصياغة نظرية-إم M-Theory على نظرية المصفوفة (Matrix Theory) التي تُعطي M-Theory صيغتها كمصفوفة عشوائية من خلال وضع البرينات في زخم لانهائي.

وفقاً لـ ويتن فإنّ حرف M في اسم النظرية يعود إلى كلماتٍ مثل (Magic, Mystery, Membrane) حسب الذوق، والمعنى الحقيقي لعنوان النظرية ينبغي تقريره بعد معرفة المزيد من الصيغ الأساسية لها.

أنتجت الأبحاث في البناء الرياضي لـ M-Theory نتائج نظريةً هامةً في الفيزياء والرياضيات. ومن اللافت للأنظار أكثر أنّ M-Theory قد توفر إطارًا لوضع نظريةٍ موحدةٍ لجميع القوى الأساسية في الطبيعة، أي أنْ تُصبح هي نَظريّة كُلّ شيء. إنّ المحاولات لوصل M-Theory مع التجربة العملية، عادةً ما تُركّز على دمج أبعادها الإضافية لبناء نماذج مرشحة لعالمنا رباعيِّ الأبعاد، في مُحاولةٍ للوصول إلى فهم أعمق لوجود أكثر من الأبعاد الأربعة (الطول، العرض، الارتفاع، والزمن) على الرغم من أنه حتى الآن لم يتمّ التحقق من شيء باستطاعته إنتاج فيزياء كالتي نلاحظها في مصادم الهادرونات الكبير، على سبيل المثال.

الجاذبية الكمومية والأوتار

الجاذبية الكمومية Quantum Gravity هي واحدةٌ من أعمق المشاكل في الفيزياء الحديثة. الفهم الحالي للجاذبية يستند على نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين، التي وُضعت في إطار الفيزياء الكلاسيكية. على كل حال، فإنّ القوى غير الجذبوية قد وُصفت في إطار ميكانيكا الكم، والتي هي شكلٌ مختلفٌ جذريًا لوصف الظواهر الفيزيائية بناءً على الاحتمالات. وبالتالي، حتى تُصبح نظرية-إم M-Theory هي نظريّة كُلّ شيء، يجب ربطها بميكانيكا الكم، وبالجاذبية بشكل أساسي. وفي مُحاولة ربطها في الجاذبية تظهر مُشكلة التعامل مع الأرض والأجسام في مقاييس متناهية الصِغَر، أي أنْ نُلغي المقياس. لعمل هذا، تدخل نظريّة الأوتار String Theory كإطارٍ نظريّ يوفّق بين الجاذبية وميكانيكا الكم، ويتم من خلالها استبدال الجُزيئات في الفيزياء الكلاسيكيّة إلى جُسيمات ذات بُعد واحد تُسمى الأوتار Strings.

الأجسام الأساسية في نظرية الأوتار هي عبارة عن أوتار مفتوحة أو مغلقة.

وتصف نظرية الأوتار كيف تنتشر الأوتار عبر الفضاء وكيف تتفاعل مع بعضها البعض. في إصدارٍ معينٍ منها، هناك نوع واحد فقط من الأوتار قد يبدو وكأنه حلقةٌ صغيرةٌ أو جزءٌ من وترٍ عادي، ويمكن له أن يهتز بطرقٍ مختلفة. على مسافةٍ بنطاقات أوسع من نطاق الأوتار، تبدو الأوتار وكأنها مجرد جزيءٍ عادي، حيث تتحدّد كتلته وشحنته وغيرها من المواصفات عن طريق الحالة الاهتزازية للوتر. وبهذه الطريقة، فإنّ كل الجسيمات الأولية المختلفة يمكن أن نعتبرها أوتارًا مهتزة. واحدة من الحالات الاهتزازية للأوتار تؤدي إلى ظهور الغرافيتون Gravitons، وهو جسيم ميكانيكي كمومي ويحمل قوة الجاذبية، وهو ما يلزمنا لربط النظريات ببعضها البعض والحصول على الشمولية في نظرية واحدة.

بلغةٍ أُخرى، تُريد نظرية الأوتار و نظرية-إم مُعاملة الجاذبية كُجسيمات ذات مقياسٍ أساسي واحد: الأوتار. والغرافيتون يُشكل بداية الحلْ لهذه المُعضلة، بحيث يمكن مُعاملة الجاذبية بمعاملةِ الغرافيتون، ودمجها مع نظرية الكمْ ونظرية الأوتار.

تحتوي النظريات المختلفة على أنواعٍ عديدةٍ من الأوتار، والجزيئات التي تنشأ في الطاقات المنخفضة تبدي تماثلاتٍ مختلفة. على سبيل المثال، تتضمن النظرية من نوع I كلًّا من الأوتار المفتوحة (والتي هي أجزاء ذات نهاياتٍ نقطية) والأوتار المغلقة (والتي تُشكّل حلقاتٍ مغلقة)، في حين أنّ أنواع IIA وIIB تشمل فقط الأوتار المغلقة. كل نظريات الأوتار الخمسة هذه تظهر كحالةٍ حديةٍ خاصةٍ لـ M-Theory. هذه النظرية، مثل سابقتها نظرية الأوتار، هي مثال على نظرية الجاذبية الكمومية، فهي تصف قوةً مشابهةً لقوة الجاذبية المألوفة لكنها تخضع لقواعد ميكانيكا الكم.

عدد الأبعاد

في الحياة اليومية هناك ثلاثة أبعاد مألوفة للفضاء: الطول والعرض والارتفاع. نظرية النسبية العامة لآينشتاين تُعامل الوقت كبعدٍ على قدم المساواة مع الأبعاد المكانية الثلاثة. في النسبية العامة، لم تتم نمذجة المكان والزمان ككياناتٍ منفصلة، ولكن بدلًا من ذلك تمّ توحيدهما ليشكلا “زمكانًا” رباعي الأبعاد، وفي هذا الإطار، تُعتبر ظاهرة الجاذبية هي نتيجة لهندسة الزمكان Spacetime.

 

مخطط لمزدوجات نظرية الأوتار. الأسهم الصفراء تشير إلى الازدواجية S. الأسهم الزرقاء تشير إلى الازدواجية T. هذه الازدواجيات يمكن جمعها للحصول على مكافئات لأي من النظريات الخمس لـ M-Theory

على الرغم من حقيقة أنّ الكون يوصف بشكلٍ جيدٍ عبر الزمكان رباعي الأبعاد، إلا أنّ هناك العديد من الأسباب التي تجعل علماء الفيزياء يدرسون النظريات في أبعادٍ أخرى. في بعض الحالات، ومن خلال نمذجة الزمكان في عددٍ مختلفٍ من الأبعاد، تصبح النظرية أكثر سهولة رياضيًا، ويمكن للمرء إجراء عمليات حسابية والحصول على رؤيةٍ عامةٍ بشكلٍ أكثر سهولة. وهناك أيضًا حالات حيث تكون النظريات في اثنين أو ثلاثة أبعاد للزمكان مفيدةً لوصف الظواهر في فيزياء المادة المكثفة. وأخيرًا، توجد سيناريوهات في الواقع يمكن أن يكون فيها أكثر من أربعة أبعاد للزمكان، والتي على الرغم من ذلك تمكنت من الهرب من أن يتم اكتشافها.

واحدة من الخصائص البارزة في نظرية الأوتار وM-Theory هي أنّ هذه النظريات تتطلب وجود أبعادٍ إضافيةٍ للزمكان للوصول إلى انسجامها الرياضي.

في نظرية الأوتار يتكوّن الزمكان من عشرة أبعاد، بينما في M-Theory يتكون من أحد عشر بُعدًا. من أجل وصف الظواهر الفيزيائية الحقيقية باستخدام هذه النظريات، يجب على المرء بالتالي تخيل سيناريوهات لا تكون فيها هذه الأبعاد الإضافية قابلةً للرصد في التجارب.

مثال عن الانضغاطية: على مسافات بعيدة يمكن لسطح ثنائي الأبعاد ذو مقطع دائري أن يظهر كأنه أحاديّ البعد

الانضغاطية هي إحدى الطرق المُتّبعة لتعديل عدد الأبعاد في نظرية فيزيائية، في الانضغاطية يُفترَض أنّ بعض الأبعاد الإضافية تنطوي على نفسها لتشكيل الدوائر، وفي الحد الذي تصبح فيه هذه الأبعاد المطوية صغيرةً جدًا، نحصل على نظرية يكون فيها الزمكان له عدد أقل من الأبعاد بشكلٍ فعال. من إحدى التشبيهات القياسية لهذا المفهوم أن نعتبر أنّ لدينا جسمًا متعدد الأبعاد مثل خرطوم المياه، إذا نظرنا إلى الخرطوم من مسافةٍ كافيةٍ يبدو وكأنه يمتلك بعدًا واحدًا فقط وهو طوله، ومع اقترابنا من الخرطوم نكتشف أن لديه بعدًا ثانيًا ألا وهو محيطه، وبالتالي، فإن وجدت نملةً تزحف على سطح خرطوم فسوف تتحرك في بعدين.

اقرأ أيضا: معادلة شرودنجر

الثنائيات (الازدواجيات)

النظريات التي تنشأ كحدودٍ مختلفةٍ من M-Theory تتحول لتصبح مترابطةً بطرقٍ مهمة. ويطلق على واحدة من العلاقات التي يمكن أن توجد بين هذه النظريات الفيزيائية المختلفة اسم ازدواجية S S-duality. تقول هذه العلاقة بأنّ مجموعة الجسيمات الشديدة التفاعل في إحدى النظريات يمكن في بعض الحالات أن تظهر كمجموعةٍ من الجسيمات ضعيفة التفاعل في نظرية أخرى مختلفةٍ تمامًا. وبشكلٍ عام، نقول عن مجموعةٍ من الجسيمات أنها شديدة التفاعل إذا اتحدت وانحلّت في أغلب الأوقات، بينما نقول أنها ضعيفة التفاعل إذا قامت بذلك بشكلٍ غير منتظم. النوع I لنظرية الأوتار يصبح مكافئًا لنظرية الأوتار الهجينة SO(32) وذلك باستخدام ازدواجية S. وبالمثل، يرتبط النوع IIB لنظرية الأوتار بنفسه وذلك باستخدام ازدواجية S.

إحدى العلاقات الأخرى بين نظريات الأوتار المختلفة هي ازدواجية T T-duality. هنا نعتبر أنّ الأوتار تنتشر حول بعدٍ دائريٍّ إضافيّ، وتنصُّ ازدواجية T على أنّ الأوتار التي تنتشر حول دائرة نصف قطرها R تكون مكافئة للأوتار التي تنتشر حول دائرة نصف قطرها 1/R بحيث أنّ كل الكميات الملحوظة في أحد التوصيفات يتم تحديدها بكمياتٍ في التوصيف المزدوج. على سبيل المثال، يكون للوتر زخمًا (عزم دوران-Momentum) أثناء انتشاره حول دائرة، ويمكنه أيضًا أن يدور حول الدائرة لمرةٍ واحدة أو أكثر من مرة، ويُطلق على عدد المرات التي يدور فيها الوتر حول الدائرة برقم الدوران.

بشكلٍ عام، يُشير المصطلح “ازدواجية” إلى الحالة التي يتحول فيها نظامين فيزيائيين مختلفين ظاهريًا ليكونا متكافئين بطريقةٍ غير بديهية. فإذا ارتبطت نظريتين عن طريق ازدواجية، فهذا يعني أنه يمكن تحويل إحداهما، باستخدام بعض الطرق، بحيث تصبح مشابهةً تمامًا للنظرية الأخرى. ويقال عندها أنّ النظريتين مزدوجتين (ثنائيتين) مع بعضها البعض تحت هذا التحول. بعبارة أخرى، فإنّ النظريتين هما أوصافٌ رياضيةٌ مختلفةٌ لنفس الظاهرة. مثل أنْ نتحدّث عن نظريّة الكم ومُعادلات نيوتن، حيث تحاول كلتا النظريتين تفسير الحركة الفيزيائية للجسيمات، مع اختلاف المقياس.

التناظر الفائق

من الأفكار النظرية الهامة الأخرى والتي تلعب دورًا في M-Theory هي التناظر الفائق، وهو علاقة رياضية موجودة في بعض النظريات الفيزيائية المحددة بين فئة من الجسيمات تسمى بوزونات وفئة أخرى من الجسيمات تسمى فرميونات. وبشكلٍ عام، الفرميونات هي مكونات المادة، في حين أنّ البوزونات تتوسّط في التفاعلات بين الجسيمات. في نظريات التناظر الفائق، كل بوزون له نظيره الذي هو فرميون، والعكس بالعكس. عندما يفرض التناظر الفائق على أنه تماثل المحلي، فإننا نحصل تلقائيًا على نظريةٍ ميكانيكيةٍ كموميةٍ تتضمّن الجاذبية. وتسمى هذه النظرية بـ “نظرية الجاذبية فائقة” Supergravity Theory.

وتسمى نظرية الأوتار التي تتضمن فكرة التناظر الفائق بنظرية الأوتار الفائقة. هناك عدة إصداراتٍ مختلفةٍ من نظرية الأوتار الفائقة تندرج كلها ضمن إطار M-Theory. في الطاقات المنخفضة، يتمُّ التقرب من نظرية الأوتار الفائقة بواسطة الجاذبية الفائقة في عشرة أبعاد للزمكان، وبالمثل، يتمّ التقرب من M-Theory في الطاقات المنخفضة بواسطة الجاذبية الفائقة في أحد عشر بُعدًا.

البرانات (الأغشية)

في نظرية الأوتار والنظريات المتصلة بها مثل نظريات الجاذبية الفائقة، البران (الغشاء) هو كائنٌ فيزيائيٌّ يُعمّم مفهوم الجسيمات النقطية إلى أبعاد أعلى. على سبيل المثال، يمكن أن يُنظر لجسيمٍ نقطيٍّ باعتباره الغشاء ذي بعد صفر، في حين أنّ الوتر يمكن أن يُنظر إليه باعتباره غشاءً من بعد واحد، ومن الممكن أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار الأغشية ذات الأبعاد الأعلى، ففي البعد P، تسمى هذه الأغشية “P-Branes”. الأغشية هي كائنات ديناميكية يمكنها أن تنتشر من خلال الزمكان وفقًا لقواعد ميكانيكا الكم، ويمكنها أن تمتلك كتلةً وغيرها من السمات كالشحنة. الغشاء يحتل P-Brane حجمًا ذا أبعاد (P+1) في الزمكان يدعى الحجم العالمي، يدرس علماء الفيزياء في كثير من الأحيان حقولًا مشابهةً للحقل الكهرومغناطيسي والتي تتغذى على الحجم العالمي للغشاء.  كلمة Brane تأتي من كلمة Membrane التي تُشير إلى غشاءٍ ثنائيٍّ الأبعاد.

في نظرية الأوتار، الكائنات الأساسية التي تؤدي إلى نشوء الجسيمات الأولية هي الأوتار ذات البعد الواحد. على الرغم من أنّ الظواهر الفيزيائية التي تصفها M-Theory لا تزال غير مفهومة، إلا أنّ علماء الفيزياء يعرفون أنّ النظرية تصف الأغشية ثنائية وخماسية الأبعاد، الكثير من الأبحاث الحالية في M-Theory تحاول الوصول لفهمٍ أفضل لخصائص هذه الأغشية.

التاريخ والتطور

نظرية كالوزا – كلاين:

في أوائل القرن العشرين، احتل علماء الفيزياء والرياضيات بما في ذلك ألبرت آينشتاين وهيرمان مينكوفسكي الريادة في استخدام الهندسة رباعية الأبعاد لوصف العالم المادي، وتُوّجت هذه الجهود في صياغة نظرية النسبية العامة لآينشتاين والتي تربط الجاذبية بهندسة الزمكان رباعيّ الأبعاد.

وقد أدى نجاح النسبية العامة إلى بذل الجهود لتطبيق هندسة الأبعاد الأعلى لشرح قوى أخرى. في عام 1919، أظهر عمل من قِبل تيودور كالوزا أنه بالانتقال إلى الزمكان خماسي الأبعاد، يمكن توحيد الجاذبية والكهرومغناطيسية في قوةٍ واحدة. تمّ تحسين هذه الفكرة من قِبل الفيزيائي أوسكار كلاين الذي اقترح أنّ البعد الإضافي المقترح من قبل كالوزا يمكن أن يأخذ شكل دائرةٍ ذات نصف قطر يبلغ طوله حوالي 10-32 متر.

لم تُكلّل نظرية كالوزا – كلاين، والمحاولات اللاحقة التي قام بها آينشتاين لتطوير نظرية الحقل الموحد، بالنجاح أبداً، جزء من هذا كان بسبب أنّ نظرية كالوزا – كلاين توقعت جسيمًا لم يكن قد تبين وجوده أبدًا، والجزء الآخر لأنها كانت غير قادرة على التنبؤ بنسبة كتلة الإلكترون إلى شحنته بشكلٍ صحيح. وبالإضافة إلى أنّ العمل على تطوير هذه النظريات كان يتمّ في الوقت الذي كان فيه فيزيائيون قد بدأوا للتو في اكتشاف ميكانيكا الكم، والتي من شأنها أن تُحقّق في نهاية المطاف نجاحًا في وصف القوى المعروفة مثل الكهرومغناطيسية، وكذلك القوى النووية الجديدة التي كان يجري اكتشافها في أواسط القرن. وهكذا استغرق الأمر ما يقرب من خمسين عامًا لتؤخذ فكرة الأبعاد الجديدة على محمل الجد مرةً أخرى.

العمل الأولي على الجاذبية الفائقة:

زوّدت المفاهيمُ والأدواتُ الرياضيةُ الجديدةُ النسبيةَ العامةَ برؤىً جديدة، مؤديةً إلى فترة في ستينات وسبعينات القرن الماضي تُعرف الآن باسم العصر الذهبي للنسبية العامة. بدأ علماء الفيزياء في منتصف السبعينات بدراسة النظريات ذات الأبعاد الأعلى جامعين بين النسبية العامة والتناظر الفائق، وهو ما يسمى نظريات الجاذبية الفائقة.

لا تضع النسبية العامة أي قيود على الأبعاد المحتملة للزمكان. على الرغم من أنّ النظرية قد صيغت بشكلٍ أساسيٍّ في أربعة أبعاد، إلا أنه يمكنا أن نكتب نفس معادلات حقل الجاذبية في أيّ عدد من الأبعاد. أما الجاذبية الفائقة فهي أكثر تقييدًا، لأنها تضع حدًا أعلى لعدد الأبعاد. في عام 1978، أظهر العمل المقدم من قبل فيرنر نام أنّ الحد الأقصى لأبعاد الزمكان التي يمكننا صياغتها في نظرية التناظر الفائق هو أحد عشر بعدًا، في نفس العام، أثبت يوجين كريمر، برنار جوليا، وجويل شريك، من مدرسة المعلمين العليا أنّ الجاذبية الفائقة لا تسمح فقط بإحدى عشر بعدًا، لكنها في الواقع تكون أكثر انسجامًا في هذا العدد الأقصى من الأبعاد.

في الثمانينات ساهم إدوارد ويتن في فهم نظريات الجاذبية الفائقة. في عام 1995 قدم M-Theory مُطلِقًا بذلك الثورة الثانية للأوتار الفائقة

في البداية، تأمل العديد من علماء الفيزياء أنه بضغط الجاذبية الفائقة ذات الأبعاد الإحدى عشرة، قد يكون من الممكن بناء نماذج واقعيةٍ من عالمنا الرباعي الأبعاد. وكان الأمل أنّ مثل هذه النماذج من شأنها أن تُوفر وصفًا موحدًا للقوى الأساسية الأربعة في الطبيعة: الكهرومغناطيسية، والقوى النووية القوية والضعيفة، والجاذبية. تضاءل الاهتمام في الجاذبية الفائقة ذات الأحد عشر بعدًا مع اكتشاف عيوبٍ مختلفةٍ في هذا المخطط. إحدى المشاكل التي ظهرت هي أنّ قوانين الفيزياء تُظهر تمييزًا بين عقارب الساعة وعكس عقارب الساعة، وهي ظاهرة تُعرف باسم “عدم التناظر” (Chirality). لاحظ إدوارد ويتن وغيره أنّ خاصية عدم التناظر هذه لا يمكن اشتقاقها بسهولة الانضغاطية من الأبعاد الإحدى عشرة.

في أول ثورةٍ للأوتار الفائقة في عام 1984، تحول العديد من الفيزيائيين إلى نظرية الأوتار كنظريةٍ موحدة لفيزياء الجسيمات والجاذبية الكمومية. على عكس نظرية الجاذبية الفائقة، كانت نظرية الأوتار قادرةً على استيعاب عدم تناظر النموذج القياسي (Standard Model)، وقدمت نظريةَ جاذبيةٍ متسقةً مع التأثيرات الكمومية. إحدى الميزات الأخرى لنظرية الأوتار والتي مال إليها العديد من علماء الفيزياء في الثمانينات والتسعينات كانت درجتها العالية من التفرد، ففي النظريات العادية للجسيمات، يمكننا أن نأخذ أيَّ مجموعةٍ من الجسيمات الأولية والتي يمكن وصف سلوكها الكلاسيكي عن طريق معادلات لاغرانج الكيفيّة، أما في نظرية الأوتار فالاحتمالات أكثر تقييدًا: في بداية التسعينات أعلن الفيزيائيون بأنّ هناك فقط خمسة إصدارات من نظرية التناظر الفائق.

العلاقات بين نظريات الأوتار:

على الرغم من أنه لم يكن هناك سوى عدد قليل من نظريات الأوتار الفائقة المتماسكة، إلا أنه ظل لغزًا لماذا لم يكن هناك مجرد صياغةٍ متماسكةٍ واحدة فقط. على كل حال، عندما بدأ الفيزيائيون باختبار نظرية الأوتار بشكلٍ أعمق أدركوا أنّ هذه النظريات ترتبط بطرقٍ معقدةٍ ومهمة.

في أواخر السبعينات تكهّن كلٌّ من كلاوس مونتونين وديفيد أوليف بميزةٍ خاصةٍ لبعض النظريات الفيزيائية، وتهتم إحدى النسخ المحسنة من هذا التكهن بنظريةٍ تسمى (نظرية N=4 يانغ – مليز الفائقة التناظر)، التي تصف جسيماتٍ تشبه الكواركات والغلوونات والتي تُشكّل النواة الذرية. والقوة التي تتفاعل معها الجسيمات في هذه النظرية تقاس بعددٍ يسمى “ثابت الاقتران” (ثابت الازدواج). تُعرف الآن نتيجة عمل مونتونين وأوليف باسم مزدوجة مونتونين – أوليف، والتي تنصُّ على أنّ نظرية N=4 يانغ – مليز الفائقة التناظر مع ثابت اقتران g مكافئةٌ لنفس النظرية مع ثابت اقتران 1/g، وبعبارةٍ أخرى، فإن نظامًا من جسيماتٍ شديدة التفاعل (ثابت اقتران كبير) يكون له وصفٌ مماثلٌ لنظامٍ من جسيماتٍ ضعيفة التفاعل (ثابت اقتران صغير) والعكس بالعكس.

في التسعينات، قام العديد من الفيزيائيين النظريين بتعميم مزدوجة مونتونين – أوليف بعلاقة ازدواجية S، الأمر الذي ربط نظريات الأوتار المختلفة. درس آشوك سين ازدواجية S في سياق الأوتار الهجينة في أربعة أبعاد. أظهر كريس هال وبول تاونسند أنّ نظرية الأوتار من نوع IIB مع ثابت اقترانٍ كبيرٍ وباستخدام ازدواجية S تكون مكافئةً لنفس النظرية مع ثابت اقترانٍ صغير. وجد العلماء النظريون أيضًا أنّ نظريات الأوتار المختلفة قد تكون متصلةً بواسطة ازدواجية T. هذه الازدواجية يعني أنّ الأوتار التي تنتشر على هندسةٍ مختلفةٍ تمامًا للزمكان قد تكون متكافئةً فيزيائيًا.

الأغشية والأغشية الخماسية:

تُوسِّع نظرية الأوتار مجال الفيزياء التقليدية للجسيمات عن طريق استبدال الجسيمات النقطية ذات البعد الصفري بكائنات أحادية البعد تسمى الأوتار، وكان من الطبيعي، في أواخر الثمانينات، أن يحاول العلماء النظريون صياغة امتداداتٍ أخرى تُستبدل فيها الجسيمات بأغشيةٍ فائقةٍ ثنائية البعد (two-dimensional supermembranes) أو بكائناتٍ ذات أبعاد أكثر تدعى برانات (Branes)، تمّ اعتماد مثل هذه الكائنات في وقتٍ مبكرٍ في عام 1962 من قِبل بول ديراك،  وتم اعتمادها لاحقًا في الثمانينات من قِبل مجموعةٍ صغيرةٍ ومتحمسةٍ من الفيزيائيين.

يقيّد التناظر الفائق عدد الأبعاد المحتملة للبران بشدة. في عام 1987، أظهر كل من إريك بيرغشون، إرجين سيزجين وبول تاونسند أنّ الجاذبية الفائقة ذات الأحد عشر بعدًا تشمل البرانات ثنائية البعد. وبشكلٍ بديهيّ، فإنّ هذه الكائنات تبدو كأنها صفائح أو أغشية تنتشر في الزمكان ذي الأحد عشر بعدًا. بعد فترةٍ وجيزةٍ من هذا الاكتشاف، اعتمد كلٌّ من مايكل داف، بول هوي، تاكيو إينامي وكيلوج ستيل على انضغاطيةٍ معينةٍ للجاذبية الفائقة ذات الأحد عشر بعدًا يكون فيها واحدٌ من هذه الأبعاد مجعدًا أو ملتفًّا في دائرة. في هذا الإطار، يمكن لنا أن نتصور أنّ الغشاء يلتفُّ حول هذا البعد الدائري، وإذا كان نصف قطر هذه الدائرة صغيرًا بما فيه الكفاية، فإنّ هذا الغشاء سيبدو تمامًا كوترٍ في زمكان ذي عشرة أبعاد. في الواقع، أظهر داف ومعاونيه أنّ هذا البناء يستنسخ تمامًا الأوتار التي تظهر في نوع IIA من نظرية الأوتار الفائقة.

في عام 1990، نشر أندرو سترومينغر نتيجةً مماثلةً والتي اقترحت بأنّ الأوتار شديدة التفاعل في عشرة أبعادٍ قد يكون لها وصف مكافئ كبرانات خماسية الأبعاد ضعيفة التفاعل. في البداية، لم يتمكن الفيزيائيون من إثبات هذه العلاقة لسببين هامين، من جهة، كانت مزدوجة مونتونين – أوليف لا تزال غير مثبتة، وكذلك كان اقتراح سترومينغر غير واضح المعالم، ومن ناحية أخرى، كانت هناك العديد من القضايا التقنية المتعلقة بالخصائص الكمومية للبرانات خماسية الأبعاد. وأول هذه المشاكل تمّ حلها في عام 1993 عندما توصّل آشوك سين إلى أنّ بعض النظريات الفيزيائية المحددة تتطلّب وجود كائناتٍ ذات شحنةٍ كهربائيةٍ ومغناطيسيةٍ معًا، والتي كان قد تنبأ بها عمل مونتونين وأوليف.

وعلى الرغم من هذا التقدم، ظلت العلاقة تخمينيةً بين الأوتار والبرانات خماسية الأبعاد، لأن العلماء النظريين لم يتمكنوا من تكميم /من الكمّ/ (quantize) البرانات. ابتداءً من عام 1991، قام فريقٌ من الباحثين من بينهم مايكل داف، رمزي خوري، جيان شين لو وروبن ميناسيان باعتماد انضغاطيةٍ خاصةٍ لنظرية الأوتار تكون فيها أربعة من الأبعاد العشرة منطويةً على نفسها. إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود برانٍ خماسيٍّ الأبعاد ملفوفًا حول هذه الأبعاد الإضافية، فسيبدو هذا البران تمامًا كوترٍ ذي بعدٍ واحد. وبهذه الطريقة، تمّ تخفيض العلاقة التخمينية بين الأوتار والبرانات إلى علاقةٍ بين الأوتار والأوتار، ويمكن اختبار هذا باستخدام تقنيات النظرية التي تمّ التوصل إليها مسبقًا.

الثورة الثانية للأوتار الفائقة:

أثناء خطابه في مؤتمر نظرية الأوتار في جامعة جنوب كاليفورنيا في عام 1995، قدم إدوارد ويتن من معهد الدراسات المتقدمة اقتراحًا غريبًا يُفيد بأنّ جميع نظريات الأوتار الفائقة الخمسة كانت في الواقع مجرد حالاتٍ حديةٍ مختلفةٍ من نظريةٍ واحدةٍ في زمكانٍ ذي أحد عشر بعدًا. جمع إعلان ويتن كل النتائج السابقة لازدواجيتي S وT وظهور البرانات الثنائية والخماسية الأبعاد في نظرية الأوتار معًا. في الأشهر التي تلت إعلان ويتن، ظهرت مئاتٌ من الأوراق الجديدة على شبكة الإنترنت تؤكد أنّ النظرية الجديدة تشمل الأغشية بطريقةٍ هامة، اليوم، تُعرف هذه الموجة من العمل بالثورة الثانية للأوتار الفائقة.

واحد من التطورات الهامة التي تلت إعلان ويتن كان عمله المشترك في عام 1996 مع الفيزيائي النظري المختص بالأوتار الفائقة بيتر هورفانا. درس ويتن وهورفانا الـ M-Theory بهندسةٍ خاصةٍ للزمكان بوجود عنصرين حديّين ذوي عشرة أبعاد. سلط عملهما الضوء على الهيكل الرياضي لـ M-Theory واقترح السبل الممكنة لربط M-Theory بالعالم الفيزيائي الحقيقي.

أصل المصطلح:

في البداية، اقترح بعض علماء الفيزياء أنّ النظرية الجديدة هي نظريةٌ أساسيةٌ للأغشية، ولكن ويتن كان مشككًا في دور الأغشية في هذه النظرية. في ورقة من عام 1996، كتب هورفانا وويتن:

“على الرغم من الاقتراح السابق أنّ النظرية ذات الأبعاد الإحدى عشرة هي نظرية أغشيةٍ فائقة، إلا أنّ هناك بعض الأسباب للشك في التفسير، ونحن سوف نسميها عن قصد بـ M-Theory، ونترك للمستقبل تحديد العلاقة بين M والأغشية (Membranes).”

في غياب وجود فهمٍ للمعنى الحقيقي ولهيكلية M-Theory، اقترح ويتن أنّ حرف M ينبغي أن يكون اختصارًا لكلمة “Magic” بمعنى سحر أو “Mystery” بمعنى غموض أو “Membranes” بمعنى أغشية، وفقا لذوقك، وينبغي أن يتمّ تحديد المعنى الحقيقي للعنوان عند معرفة صيغةٍ أكثر أساسية للنظرية.

نظرية المصفوفة

نموذج مصفوفة BFSS:

المصفوفة في الرياضيات هي مجموعةٌ مستطيلةٌ من الأرقام أو البيانات، أما في الفيزياء فنموذج المصفوفة هو نوعٌ خاصٌ من نظريةٍ فيزيائيةٍ تكون صيغتها الرياضية تتضمن مفهوم المصفوفة في طرق ذات أهمية. نموذج المصفوفة يصف سلوك مجموعةٍ من المصفوفات ضمن إطار الميكانيك الكمومي.

رسم تخطيطي يُبيّن للعلاقة بين M-Theory ونظريات الأوتار الفائقة الخمس والأبعاد الإحدى عشرة للجاذبية الفائقة. وتمثل المنطقة المظللة مجموعة من مختلف السيناريوهات الفيزيائية التي يمكن تحقيقها في M-Theory، وفي الحالات الحدية المقابلة للرؤوس فمن الطبيعي وصف الفيزياء باستخدام واحدة من النظريات الستة المسماة عندها.

أحد الأمثلة الهامة لنموذج المصفوفة هو نموذج مصفوفة BFSS التي اقتُرحت في عام 1997من قِبل توم بانكس وويلي فيشلر وستيفن شينكير وليونارد ساسكيند. تصف هذه النظرية سلوك مجموعةٍ من تسعة مصفوفاتٍ كبيرة. بيّن هؤلاء المؤلفون في ورقتهم الأصلية، أنه من بين عدة أمورٍ أخرى، إنّ حد الطاقة المنخفضة من نموذج المصفوفة هذا قد تمّ وصفه باستخدام الجاذبية الفائقة ذات الأحد عشر بعدًا. قادتهم هذه الحسابات إلى اقتراح أنّ نموذج مصفوفة BFSS يكافئ تمامًا M-Theory. وبالتالي، يمكن لنموذج مصفوفة BFSS أن يُستخدم كنموذجٍ أوليٍّ لصياغةٍ صحيحةٍ لـ M-Theory وكأداةٍ للبحث في خصائص M-Theory في حالةٍ بسيطةٍ نسبيًا.

الهندسة اللاتبديلية:

غالبًا ما يكون من المفيد في الهندسة استخدام الإحداثيات. على سبيل المثال، من أجل دراسة هندسة المستوي الإقليدية، فإننا نحدد الإحداثيات X وY التي تشكل المسافات بين أي نقطة في المستوى وزوج من المحاور. في الهندسة العادية تكون إحداثيات النقطة عبارةً عن أرقام، بحيث يمكن ضربها، وناتج ضرب الإحداثيين لا يعتمد على ترتيب الضرب، أي أنّ XY=YX. تُعرف هذه الخاصية من الضرب بقانون التبادل، وهذه العلاقة بين الهندسة والجبر التبادلي للإحداثيات هو نقطة البداية لكثيرٍ من الهندسة الحديثة.

الهندسة اللاتبديلية هي فرعٌ من الرياضيات يحاول تعميم هذه الحالة. فبدلًا من العمل مع الأرقام العادية، إننا نستخدم بعض الأشياء المماثلة، مثل المصفوفات، التي لا تفي بمتطلبات قانون الضرب التبادلي (أي أنّ XY لا تساوي بالضرورة YX). يمكننا تخيل أنّ هذه الكائنات غير التبادلية هي إحداثيات ولكن بالنسبة لمفهومٍ أعم من “الفضاء”، ويمكننا إثبات النظريات حول هذه الفضاءات المعممة من خلال استغلال التشابه مع الهندسة العادية.

في ورقة من عام 1998، أظهر كلٌّ من ألان كونز ومايكل دوغلاس وألبرت شوارتز أنّ بعض جوانب نماذج المصفوفة وM-Theory يتمّ وصفها باستخدام نظرية المجال الكمومي اللاتبادلي، وهو نوعٌ خاصٌ من نظريةٍ فيزيائيةٍ تكون فيها الإحداثيات في الزمكان لا تفي بمتطلبات الخاصية التبادلية، وهذا أنشأ ترابطًا بين نماذج المصفوفة وM-Theory من جهة، والهندسة اللاتبديلية من جهةٍ أخرى، أدى ذلك بسرعةٍ إلى اكتشاف روابط هامةٍ أخرى بين الهندسة اللاتبديلية ونظرياتٍ فيزيائيةٍ مختلفة.

مطابقة AdS/CFT:

يُعرف تطبيق ميكانيكا الكم على الأشياء الفيزيائية مثل المجال الكهرومغناطيسي، والتي تمتد في الزمان والمكان، بنظرية الحقل الكمومي. في فيزياء الجسيمات، تُشكّل نظريات الحقل الكمومي أساس فهمنا للجسيمات الأولية، والتي تتمّ نمذجتها كإثاراتٍ في الحقول الأساسية. وتُستخدم نظريات الحقل الكمومي أيضّا في جميع أنحاء فيزياء المادة المكثفة لنمذجة الكائنات الشبيهة بالجسيمات التي تُسمى أشباه جسيمات (Quasiparticles).

فسيفساء لمستوي قطعي من المربعات والمثلثات

أحد المناهج المستخدمة لصياغة M-Theory ودراسة خصائصها يتم بواسطة نظرية anti-de Sitter/conformal field أو (مطابقة AdS/CFT) والتي اقترحها خوان مالداسينا في أواخر عام 1997، والتي هي نتيجة نظرية تضمّن M-Theory في بعض الحالات المكافئة لنظرية الحقل الكمومي. وبالإضافة لتوفيرها نظرةً على الهيكل الرياضي من نظرية الأوتار وM-Theory فإنّ مطابقة AdS/CFT تلقي الضوء على العديد من جوانب نظرية الحقل الكمومي في الأنظمة التي تكون فيها التقنيات الحسابية التقليدية غير فعالة.

في مطابقة AdS/CFT، يتمُّ وصف هندسة الزمكان في ضوء حلٍّ فراغيٍّ معينٍّ من معادلة آينشتاين يسمى فضاء anti-de Sitter. وبمصطلحاتٍ أوليةٍ جدًا، يُعتبر فضاء anti-de Sitter نموذجًا رياضيًا للزمكان يكون فيه مفهوم المسافة بين النقاط (المفهوم المتري) يختلف عن مفهوم المسافة في الهندسة الإقليدية العادية، كما أنها مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالفضاء القطعي، والذي يمكن عرضه كقرصٍ كما هو موضحٌ على اليسار. وتُظهر هذه الصورة فسيفساء لقرصٍ من المثلثات والمربعات. يمكننا أن نُحدّد المسافة بين نقاط هذا القرص باعتماد طريقة أنّ جميع المثلثات والمربعات هي من نفس الحجم، وأنّ الحد الخارجي الدائري بعيدٌ بشكلٍ لا نهائيٍّ عن أيّ نقطة في المناطق الداخلية.

تم استخدام نظرية (2.0) سداسية الأبعاد لفهم النتائج من النظرية الرياضية للعقد.

الآن، تخيّل كومةً من الأقراص القطعية حيث يمثل كلُّ قرصٍ حالةً للكون في وقتٍ معين. الكائن الهندسي الناتج هو فضاء anti-de Sitter ثلاثي الأبعاد. يبدو وكأنه اسطوانةً صلبةً والتي يكون أيُّ مقطعٍ عرضيٍّ فيها هو نسخةً من القرص القطعي. يجري الوقت على طول الاتجاه الرأسي في هذه الصورة، وسطح الاسطوانة يلعب دوراً هاماً في مطابقة AdS/CFT. كما هو الحال مع المستوي القطعي، فإنّ فضاء anti-de Sitter منحنٍ بحيث أنّ أيّ نقطةٍ في المناطق الداخلية هي في الواقع بعيدةٌ بشكلٍ لا نهائي عن حدود هذا السطح.

يصف هذا البناء كونًا افتراضيًا بوجود اثنين فقط من الأبعاد المكانية وبعدٍ زمنيٍّ واحد، ولكن يمكن تعميمها إلى أيّ عددٍ من الأبعاد. طبعًا، يمكن للفضاء القطعي أن يمتلك أكثر من بعدين ويمكننا أن نُكدّس نسخًا من الفضاء القطعي للحصول على نماذج فضاء anti-de Sitter ذات أبعادٍ أكثر.

فضاء anti-de Sitter ثلاثي الأبعاد، يشبه كومةً من الأقراص القطعية، كل واحد يمثل حالةً للكون في وقت معين. يمكننا أن ندرس نظريات الجاذبية الكمومية مثل M-Theory في الزمكان الناتج.

سمةٌ هامةٌ من سمات الفضاء anti-de Sitter ألا وهي حدوده (والتي تشبه الاسطوانة في حالة فضاء anti-de Sitter ثلاثي الأبعاد). إحدى خصائص هذه الحدود هي أنها، ضمن منطقةٍ صغيرةٍ على السطح حول أيّ نقطة معينة، تبدو تمامًا مثل فضاء مينكوفسكي، والذي هو نموذجٌ من الزمكان يُستخدم في الفيزياء اللاجذبوية. لذا يمكن للمرء استخدام نظريةٍ مساعدةٍ والتي فيها يُعطى الزمكان بواسطة حدود فضاء anti-de Sitter. هذه الملاحظة هي نقطة البداية في مطابقة AdS/CFT، التي تنصُّ على أنّ حدود فضاء anti-de Sitter يمكن اعتبارها زمكانًا لنظرية الحقل الكمومي. الهدف هو أنّ نظرية الحقل الكمومي هذه تكافئ نظرية الجاذبية في فضاء anti-de Sitter بشكلٍ كامل، بمعنى أنّ هناك قاموسًا لترجمة الكيانات والحسابات من إحدى النظريات إلى نظرائهم في نظرية أخرى، على سبيل المثال، فإنّ جسيمًا واحدًا في نظرية الجاذبية قد يتوافق مع مجموعةٍ من الجسيمات في نظرية الحدود. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ التنبؤات في النظريتين متطابقةٌ من الناحية الكمية، بحيث إذا كان لاثنين من الجزيئات فرصة 40٪ للاصطدام في نظرية الجاذبية، فالمجموعات المقابلة في نظرية الحدود سيكون لها أيضًا فرصة 40٪ للاصطدام.

نظرية الحقل الفائق الانسجام سداسيّ الأبعاد (2.0):

واحدةٌ من الحقائق الخاصة من مطابقة AdS/CFT تنصّ على أنّ M-Theory في الفضاء الناتج من AdS7xS4 تُكافئ ما يُسمى بنظرية (2.0) في حدودٍ سداسية الأبعاد. حيث أنّ (2.0) تُشير هنا إلى نوعٍ معينٍ من التناظر الفائق الذي يظهر في النظرية. في هذا المثال، زمكان نظرية الجاذبية هو بالفعل ذو سبعة أبعاد (ومن هنا جاء الرمز AdS7)، وهناك أربعة أبعادٍ إضافيةٍ “مدمجةٍ أو مضغوطة” (مشفرة بواسطة عامل S4). في العالم الحقيقي، الزمكان هو رباعيُّ الأبعاد، على الأقل ظاهريًّا، لذلك لا يُوفّر هذا الإصدار من المطابقة نموذجًا واقعيًا من الجاذبية. وبالمثل، فإنّ النظرية المزدوجة (الثنائية) ليست نموذجًا قابلًا للتطبيق في أيِّ نظامٍ في العالم الحقيقي لأنه يصف العالم مع ستة أبعادٍ للزمكان.

ومع ذلك، فقد أُثبتت أهمية نظرية (2.0) لدراسة الخصائص العامة لنظريات الحقل الكمومي. في الواقع، هذه النظرية تستوعب العديد من نظريات الحقل الكمومي الفعالة والمثيرة للاهتمام رياضيًّا وتشير إلى ازدواجياتٍ (ثنائيات) جديدةٍ تربط هذه النظريات. على سبيل المثال، أظهر لويس الداي، ودافيدي غايوتو، ويوجي تاتشيكاوا أنه بضغط هذه النظرية على السطح، فإننا نحصل على نظرية حقلٍ كموميٍّ رباعية الأبعاد، وهناك ازدواجيةٌ معروفةٌ باسم مطابقة AGT التي تربط فيزياء هذه النظرية ببعض المفاهيم الفيزيائية المرتبطة بالسطح نفسه. وفي الآونة الأخيرة، مدد الفيزيائيون النظريون هذه الأفكار لدراسة النظريات التي تمّ الحصول عليها بالضغط إلى ثلاثة أبعاد.

بالإضافة إلى تطبيقاتها في مجال نظرية الكم، فقد أثمرت نظرية (2.0) نتائج مهمةً في الرياضيات البحتة. على سبيل المثال، قام ويتن باستخدام نظرية (2.0) لإعطاء تفسيرٍ فيزيائيٍّ لعلاقة تخمين في الرياضيات تسمى مطابقة لانغلانذز الهندسية. في عملٍ لاحق، أظهر ويتن أنّ نظرية (2.0) يمكن استخدامها لاستيعاب مفهومٍ في الرياضيات يُسمّى تناظر خوفانوف. وُضع تناظر خوفانوف من قِبل ميخائيل خوفانوف حوالي عام 2000، حيث يوفر أداةً في نظرية العقدة، وهي فرع في الرياضيات يدرس ويصنف أشكالًا مختلفةً من العقد. تطبيق آخر لنظرية (2.0) في الرياضيات هو عمل دافيدي غايوتو وغريغ مور وأندرو نيتزكي، والذي استخدم الأفكار الفيزيائية لاستخلاص نتائج جديدةٍ في مجال هندسة hyperkähler.

نظرية الحقل الفائق الانسجام ABJM:

تنصُّ حقيقةٌ أخرى لمطابقة AdS/CFT على أنّ M-Theory عند استخدام AdS4xS7 تكافئ نظرية حقلٍ كموميٍّ تسمى نظرية ABJM في ثلاثة أبعاد. في هذه النسخة من المطابقة، هناك سبعة أبعاد من M-Theory منطوية، ويبقى أربعة أبعادٍ غير مُدمَجة. بما أنّ الزمكان في كوننا هو رباعي الأبعاد، فإنّ هذه النسخة من المطابقة توفر وصفًا واقعيًا، إلى حدٍّ ما، للجاذبية.

نظرية ABJM التي تظهر في هذه النسخة من المطابقة مثيرةٌ للاهتمام أيضًا لمجموعةٍ متنوعةٍ من الأسباب. تمّ تطوير هذه النظرية من قِبل Aharony، Bergman، Jafferis، وMaldacena، وهي مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بنظرية حقلٍ كموميٍّ أخرى تُسمى نظرية شيرن-سيمون (Chern–Simons theory). اشتهرت النظرية الأخيرة في أواخر الثمانينات بفضل ويتن بسبب تطبيقاتها في نظرية العقد. بالإضافة إلى ذلك، نظرية ABJM تُعدّ بمثابة نموذجٍ مبسطٍ شبه واقعي من أجل حل المشاكل التي تنشأ في فيزياء المادة المكثفة.

علم الظواهر

نظرة عامة:

بالإضافة إلى كونها فكرةً عن اهتمامٍ نظريٍّ كبير، توفر M-Theory إطارًا لبناء نماذج من فيزياء العالم الحقيقي والتي تجمع النسبية العامة مع النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات (The Standard Model). علم الظواهر هو فرعٌ من فروع الفيزياء النظرية والذي فيه يقوم الفيزيائيون ببناء نماذج واقعيةٍ للطبيعة استنادًا لأفكارٍ نظريةٍ أكثر تجردًا. علم ظواهر الأوتار هو جزءٌ من نظرية الأوتار الذي يحاول بناء نماذج واقعيةٍ لفيزياء الجسيمات على أساس نظرية الأوتار وM-Theory.

مقطع عرضي في 
تشعبية كالابي – ياو

تعتمد هذه النماذج عادةً على فكرة الانضغاطية. ابتداءً من الزمكان ذي العشر أو ذي الأحد عشر بُعدًا من نظرية الأوتار أو M-Theory، يفترض الفيزيائيون شكلًا للأبعاد الإضافية، وعن طريق اختيار هذا الشكل على نحوٍ ملائمٍ يمكنهم بناء نماذج مماثلةٍ تقريبًا للنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، جنبًا إلى جنبٍ مع الجزيئات غير المكتشفة الإضافية، عادة يكونون شركاء التناظر الفائق مع نظائرهم من الجسيمات المعروفة. إحدى الطرق الأكثر شعبيةً لاشتقاق فيزياء واقعية من نظرية الأوتار هو أن نبدأ مع النظرية الهجينة في عشرة أبعاد، ونفترض أنّ الأبعاد الستة الإضافية من الزمكان لها شكلٌ يشبه تشعبية كالابي – ياو سداسية الأبعاد (six-dimensional Calabi–Yau manifold)، وهي كائنٌ هندسيٌّ من نوعٍ خاص سُميت تيمّنًا بالرياضيَّين يوجينيو كالابي وشينغ تونغ ياو، توفّر تشعبية كالابي – ياو العديد من الطرق لاستخراج فيزياء واقعية من نظرية الأوتار. يمكن استخدام أساليب أخرى مشابهةٍ لبناء نماذج فيزيائية تشبه إلى حدٍّ ما تلك التي من عالمنا الرباعي الأبعاد على أساس M-Theory.

ليس هناك حتى الآن أيّ دليل تجريبي من شأنه أن يشير بشكلٍ لا لبس فيه إلى أنّ أيًّا من هذه النماذج هو وصفٌ أساسيٌ صحيحٌ للطبيعة، وذلك بسبب الصعوبات النظرية والرياضية من جهة، وبسبب الطاقات العالية جدًا اللازمة لاختبار هذه النظريات بشكلٍ تجريبي (تتجاوز هذه الطاقات ما هو ممكن من الناحية التكنولوجية في المستقبل المنظور)، وقد قاد هذا البعض في المجتمع لانتقاد هذه الطرق للتوحيد، والتشكيك في جدوى مواصلة الأبحاث في هذه المشاكل.

الانضغاطية في تشعبيات G2:

يفترض الفيزيائيون النظريون في إحدى منهجيات علم ظواهر M-Theory، أنّ الأبعاد السبعة الإضافية من M-Theory تأخذ شكل تشعبية G2، وهو نوعٌ خاصٌّ من شكلٍ سباعيّ الأبعاد تم بناؤه من قِبل عالم الرياضيات دومينيك جويس من جامعة أكسفورد. لا تزال تشعّبيات G2 غير مفهومةٍ رياضيًا، وصعّبت هذه الحقيقة على علماء الفيزياء تطوير هذا النهج من علم الظواهر بشكلٍ كامل.

على سبيل المثال، يفترض الفيزيائيون والرياضيون في كثيرٍ من الأحيان أنّ الفضاء له خاصية رياضية تسمى النعومة، ولكن لا يمكن افتراض هذه الخاصية في حالة تشعبيات G2 إذا ما كنا نرغب في استعادة فيزياء عالمنا الرباعي الأبعاد. إحدى المشاكل الأخرى هي أنّ تشعبيات G2 ليست تشعبيات عقدية، لذلك لا يستطيع الفيزيائيون النظريون استخدام أدوات من فرع الرياضيات المعروف باسم التحليل المركب أو التحليل العقدي. أخيراً، هناك العديد من الأسئلة المفتوحة حول وجود وتميز، وخصائص رياضية الأخرى، لتشعبيات G2، ويفتقر الرياضيون لطريقةٍ منهجيةٍ للبحث في هذه التشعبيات.

M-Theory الهجينة:

بسبب الصعوبات المترافقة مع تشعبيات G2، فإنّ معظم المحاولات لبناء نظرياتٍ واقعيةٍ للفيزياء على أساس M-Theory اتخذت نهجًا غير مباشرٍ بضغط الزمكان ذي الأبعاد الإحدى عشرة. أحد المناهج المستخدمة يُعرف بـ M-Theory الهجينة، من روّاد هذا المنهج ويتن، هورافا، بيرت أوفروت، وغيرهم. في هذا النهج، نتخيل أنّ واحدًا من الأبعاد الإحدى عشرة لـ M-Theory له شكل دائرة، إذا كانت هذه الدائرة صغيرةً جدًا، فعندها يصبح الزمكان ذا عشرة أبعادٍ بشكلٍ فعال. عندها نفترض أنّ ستةً من الأبعاد العشرة تُشكّل تشعبية كالابي – ياو، وإذا تمّ افتراض أنّ تشعبية كالابي – ياو أيضًا صغيرة، نبقى مع نظريةٍ في أربعة أبعاد.

وقد استُخدمت M-Theory الهجينة لبناء نماذج من علم كونيات البران والذي فيه يُعتقد أنّ الكون المرصود موجودٌ على بران في فضاء محيط ذي أبعاد أعلى. وقد ولدت أيضًا نظرياتٌ بديلةٌ لبدايات الكون لا تعتمد على نظرية التضخم الكوني.

المراجع:

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: جلال حبيب
  • مراجعة: محمد يامين
  • تدقيق لغوي: مروى بوسطه جي
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More