قدرات خارقة: الإيجوانا البحرية (الأكورديون الحي)

0 857

سوف نتعرف في هذا المقال على أحد أكثر الزواحف غرابة على وجه الأرض، تعيش الإيجوانا البحرية Amblyrhynchus cristatus في أرخبيل جالاباجوس الشهير بالمحيط الهادي على بعد حوالي 970 كيلومتر من ساحل الإكوادور، وتعد النوع الوحيد من السحالي الذي يتغذى من البحر، حيث تعتمد في غذائها بشكل كامل على الطحالب البحرية الخضراء والحمراء قبل حوالي 10مليون عام.

نجح بعض أفراد الإيجوانا البرية شائكة الذيل Ctenosaura التي تقطن البر الرئيسي في أمريكا  الجنوبية في الانتقال إلى الجزر الأقرب للساحل في أرخبيل جالاباجوس غالباً عبر الطفو على جذوع أشجار بتأثير العواصف الاستوائية التي دفعتها لمئات الكيلومترات في المحيط حتى تصل لتلك الجزر، كان الأرخبيل حديث التكون وقتها من النشاط البركاني في أعماق المحيط، وقد ساهم الانعزال الجغرافي عن الساحل في التمايز الواضح بين الإيجوانا في تلك الجزر و أبناء عمومتها على البر الرئيسي حتى أصبح لدينا نوع جديد ألا وهو الإيجوانا البرية شائكة العُرف Conolophus أو إيجوانا جالاباجوس البري،, بعد أجيال عديدة هاجرت بعض الأفراد إلى الجزر الأبعد داخل نفس الأرخبيل غالباً بنفس الطريقة التي هاجر بها أسلافها من البر الرئيسي.

قدرات خارقة: الفهد الإفريقي الصياد – الشيتا

مع مرور الوقت وبفضل الانعزال الجغرافي وضغوط البيئة القاسية وندرة الموارد على تلك الجزر الأبعد عمل الانتخاب الطبيعي بقسوة على تفضيل الأفراد ذوي القدرة الأعلى على التكيف واستغلال الموارد المتاحة فأصبح لدينا نوعاً جديداً أكبر حجماً وبلون أكثر دكانة يبحث عن الطعام تحت الماء على عكس جميع أقاربه، انتشرت إيجوانا جالاباجوس البحرية Amblyrhynchus cristatus في أغلب جزر الأرخبيل مقتحمة بيئات لم تعرفها أسلافها وظهرت منها ضروب متنوعة subspecies في الجزر المختلفة وإن كانت لم تتمايز لدرجة كافية ليتم اعتبارها أنواعاً مستقلة، وذلك بسبب التزاوج المستمر بينها الذي يمنع انعزال أي مجموعة منها عن الحوض الجيني للنوع، وعلى الرغم من التمايز القديم بينها وبين إيجوانا جالاباجوس البرية إلا أنها يمكنها التزاوج معها ولكن اختلاف البيئات يمنع ذلك. ولكن سجلت عام 2009 في جزيرة الساحة الجنوبية South Plaza Island بشرق الأرخبيل و التي تعد إحدى الجزر القليلة التي تأوي كلا النوعين أفراداً هجينة ناتجة من تزاوج ذكر من الإيجوانا البحرية مع أنثى من الإيجوانا البرية، ويعتقد أن ذلك حدث بسبب ظاهرة النينو التي أجبرت أفراد من الإيجوانا البحرية الموجودة على ساحل الجزيرة للهجرة للداخل بحثاً عن الطعام لتلتقي بأفراد من الإيجوانا البرية وتتزاوج معها، ولم يحدث ذلك في أي مكان آخر.

إيجوانا برية شائكة الذيل Ctenosaura
إيجوانا برية شائكة العرف (إيجوانا جالاباجوس البرية) Conolophus
إيجوانا جالاباجوس البحرية Amblyrhynchus cristatus
إيجوانا هجينة من جزيرة الساحة الجنوبية.

ما هي ظاهرة النينو التي سببت ذلك؟

يعرف النينو El Niño الذي يشكل مع ظاهرة النينا La Nina دورة التردد الحراري الجنوبي ENSO بأنه ظاهرة موسمية تحدث غالباً في نهاية ديسمبر/أول يناير بشكل مختلف الشدة من عام لآخر في المناطق الاستوائية بالمحيط الهادي. يحدث النينو مع تيار المحيط الدافيء المتجه جنوباً شرق المحيط فترتفع درجة حرارة وسط وشرق المحيط متسببة في اختلال دورات الرياح والأمطار على طول سواحله، فينعكس اتجاه الرياح التجارية التي تهب عادة من الشرق إلى الغرب لتهب في هذة الفترة من الغرب إلى الشرق، وتسقط أمطار غزيرة على سواحله الشرقية، بينما تقل كثافتها في نفس الفترة على سواحله الغربية، وقد تحدث أيضاً عواصف استوائية.

بفعل الاحتباس الحراري أصبحت درجة حرارة المياه شرق المحيط الهادي أعلى من ذي قبل، مما سبب تطرفاً أكبر في البيئة الطبيعية في تلك المنطقة في وقت موسم النينو، فتصل درجة حرارة المياة حول جزر أرخبيل جالاباجوس إلى مستويات لا تتحملها الطحالب الخضراء والحمراء فتموت وتخلو منها تلك المياه بشكل شبه تام، مما يسبب كارثة للإيجوانا البحرية التي تتغذى على تلك الطحالب فتموت أعداد كبيرة منها بسبب الجوع.

تشكل ظاهرة النينو والتي تزداد شدتها بشكل مطرد بسبب الاحتباس الحراري ضغطاً بيئياً كبيراً على الإيجوانا البحرية، ويصل معدل الوفيات في بعض المواسم إلى مايقرب 90% من إجمالي عدد الأفراد، ولكن الانتخاب الطبيعي لا يتوقف أبداً عن العمل، إذ طورت الإيجوانا البحرية حيلة مذهلة للتعامل مع تلك المواسم العصيبة.

من المعروف جيداً أنه كلما كان حجم جسدك أكبر كلما احتجت لكميات أكبر من الطعام، وكلما فقدت كمية أكبر من الطاقة التي تختزنها في العمليات الحيوية للحفاظ على ذلك الجسد الكبير حياً، وبالتالي عند شح الموارد تصبح مهمة الأفراد الأكبر حجماً أصعب بكثير من نظرائهم الأصغر لأنهم يحتاجون لكميات أكبر من الطعام ولا يكفيهم الكميات الصغيرة التي تكفي الأفراد الأصغر، ولكن ماذا إذا كان لديك القدرة على تقليل حجمك لتصبح أقصر وأخف وزناً وبذلك تحتاج لكميات أقل من الطعام؟ هل هذا ممكن؟ في الواقع الإيجوانا البحرية ربما تكون الكائن الفقاري الوحيد على وجه الأرض الذي يستطيع أن يفعل ذلك، إنها ببساطة تنكمش ليقل طولها بمقدار حوالي 20% اثناء مواسم النينو الصعبة، ثم تستعيد ذلك الطول الذي فقدته مرة أخرى عند توفر الطعام، إنها تنكمش وتتمدد وكأنها ألة أكورديون بشكل مذهل.

و لكن كيف يحدث ذلك؟

لوحظ أثناء موسم النينو بسبب ندرة الطعام وبالتالي ندرة مصادر الطاقة تقليل نشاط الإيجوانا إلى الحد الأدنى مع ارتفاع مستوى هرمون الكورتيزون كاستجابة لتلك الضغوط بشكل كبير جداً، للمستويات العالية جداً من الكورتيزون دور في عملية سحب الكالسيوم من العظام مما يقلل من كثافتها وطولها ولقد لوحظ ذلك من قبل لدى رواد الفضاء الذين يقضون فترات طويلة بالأعالي، وكذلك لدى السيدات بعد انقطاع الطمث، لكن في حالة الإيجوانا هناك وجها اختلاف عما هو الحال لدى البشر، الأول أن هذة العملية قابلة للانعكاس لدى الإيجوانا وكأنها لم تكن وفي فترات قصيرة للغاية نسبياً، والوجه الثاني الأكثر إثارة للاهتمام هو الحساسية الزائدة جداً للكورتيزون لدى أفراد الإيجوانا الحاملين لتلك الصفة والتي تجعلهم يخضعون لتلك التغيرات المذهلة في فترة قصيرة للغاية تقدر بعدة أسابيع وربما أقل.

ستساعد تلك الخاصية المدهشة الأفراد الحاملين لها على البقاء في مواسم النينو الصعبة، وبالتالي التزاوج وتمرير جيناتهم للأجيال التالية، بينما سينقرض الأفراد غير الحاملين لها، وربما يكونوا قد انقرضوا بالفعل، وبعد عدة أجيال ستصبح تلك الصفة لازمة لجميع أفراد ذلك النوع، لأنه وببساطة لن يكون هناك أفراد أخرين غير حاملين لها، فهكذا يعمل الانتخاب الطبيعي.

 

مصادر ومراجع:

 

 

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: داليا المتني
تعليقات
Loading...