لم يكن ألبرت أينشتاين يعلم وهو ينهي العمل على نظريته النسبية، بأن معادلته الشهيرة الخاصة بتكافؤ الكتلة والطاقة (E=mc^2) سوف تسبب الكثير من الألم لليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، ولم يكن يدري أيضًا أن تلك المعادلة يمكن أن تساعد في إنقاذ البشرية حين تنضب طاقة باطن الأرض، ففي ورقة بحثية أصدرها عام 1905 تحت عنوان (Ist die Trägheit eines Körpers von seinem Energieinhalt abhängig؟) وتعني باللغة العربية “هل تعتمد كينونة الجسم على ما يحتويه من طاقة؟

في هذه الورقة البحثية أكد أينشتاين أن الكتلة والطاقة هما وجهان لعملة واحدة.

نعم ..الكتلة والطاقة هما شيء واحد.

يمكن لأي كتلة أن تتحول إلى طاقة والعكس صحيح، كما أن أي كتلة كانت في الأساس عبارة عن طاقة.

لكن يبقى السؤال.. إذا كان بمقدورنا تحويل الكتلة إلى طاقة.. فكم حجم هذه الطاقة؟

و الإجابة.. مذهلة.

فبعد دراسات علمية متعددة قام بها علماء آخرون.. تبين أن الطاقة التي يمكن استخراجها من أي جسم “مهما صغر حجمه” هي طاقة هائلة جدًا.

المعادلة تنص على أن طاقة أي جسم تساوي مقدار ضرب كتلته في القيمة التربيعية لسرعة الضوء. هل تفهمون ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الطاقة التي يمكن استخراجها من جسم صغير جدًا.. قد تكفي لتدمير كوكب كامل! أمر مرعب.. لكنه حقيقي.

يتحقق هذا ببساطةٍ من خلال عملية التفاعل المتسلسل، فإن استطعنا إطلاق طاقة ذرةٍ واحدةٍ ثم قمنا بتحفيز انطلاق طاقات الذرات المجاورة لها، فسيؤدي هذا إلى تضخيم هذه الطاقة بطريقة هائلة. لكن آينشتاين لم يسعَ لتحقيق هذا المشروع لاعتقاده أن أنوية الذرات تحتوي على شحناتٍ موجبةٍ، الأمر الذي يجعلها محميةً ضد أي اصطدامٍ عشوائيٍ لإطلاق الطاقة.

وفي عام  1932اكتشف العالم جيمس تشادويك جسيمًا جديدًا وهو النيوترون الذي يوجد مع البروتون في الذرات ذات الشحنة المحايدة، وأدرك الفيزيائيون حينها عِظم هذا الاكتشاف، فالنيوترونات قادرةٌ على شطر الذرة، وبعد ستة أعوامٍ تقريبًا من هذا الاكتشاف، وبالتحديد في عام 1938 نجح الباحثان أوتّو هان وفريتز ستراسمان في شطر ذرة اليورانيوم عن طريق قذفها بالنيوترونات، وكانت النتيجة أنهم وجدوا آثارًا لعنصر الباريوم. وهذا يعني أن الذرة انشطرت إلى نصفين مكونةً هذا العنصر.

ونتج عن ذلك الانشطار إطلاق طاقةٍ تقدر بـ200 مليون فولتٍ إلكترونيٍّ، والتي ظهرت كما يبدو من العدم، ولكنه لوحظ بأن المخلّفات الناتجة من عملية الانشطار تقل كتلتها عن نواة اليورانيوم السليمة، هذا يعني أن كتلةً ما ربما اختفت خلال التفاعل.

إذن أين ذهبت هذه الكتلة المفقودة؟ ومن أين أتت تلك الطاقة الناتجة؟ استطاعت العالمة ليز مايتنر حل هذا اللغز، حيث أدركت أن ذلك يكمن في معادلة آينشتاين 2^E=MC.

فإذا أخذنا الكتلة المفقودة وضربناها في مربع سرعة الضوء، فسيكون الناتج 200 مليون فولتٍ إلكترونيٍّ.

وبهذا يكون قد صدق تنبؤ آينشتاين الذي ذكرناه سابقًا. وبعد عامٍ من هذا الاكتشاف وبالتحديد في مارس (آذار) من عام 1939، اكتشف العالمان إنريكو فيرمي وفريدريك جوليو أن ذرة اليورانيوم ستطلق نيوترونين عند انشطارها.

وإذا نجح هذان النيوترونان في شطر ذرتي يورانيوم أُخرتين، فسينتج عن هذا أربعة نيوتروناتٍ فثمانيةٍ فستة عشر إلى ما لانهاية، مصدرةً طاقةً هائلةً وعظيمةً، وهكذا ينتج التفاعل المتسلسل الذي تنبأ به آينشتاين قبل عقود. وما لبث على هذا الاكتشاف عامان، حتى بدأ العمل على مشروع مانهاتن السري في عام 1941، والذي يضم مئاتٍ من أفضل العلماء بقيادة أوبنهايمر، ونجحوا في صنع القنبلة النووية وألقيت منها اثنتان على اليابان، وهكذا بدأ للعالم عصرٌ جديدٌ يسمى بعصر اليورانيوم والطاقة النووية.

خلال سلسلة من المقالات سوف نأخذكم في رحلة للتعرف على الطاقة النووية واستخداماتها المختلفة وكيفية عملها ومساهمتها في تقليل الاحتباس الحراري وكيف يمكن أن تساهم في إنقاذ البشرية عندما تُستنفد مصادر الطاقة الأحفورية.

المصادر:

  • إعداد: مصطفى رفاعي
  • مراجعة: حكم الزعبي
  • تدقيق لغوي: خالد زكي