كانت سنة 2015 مليئة بالذكريات السنوية، حيث احتفلنا بمرور قرن من الزمان علي نظرية اينشتاين للنسبية العامة، ومرور مائتي عام علي ميلاد جورج بول، الذي كانت أفكاره الرياضية الأساس الذي قامت عليه الحواسيب الآلية الحديثة، ولكن هناك حدث ثالث آخر هام يرتبط ارتباطا هاما بالتكنولوجيا الحديثة وأيضا بكيفية فهمنا للكون من حولنا.

منذ ما يقرب من 150 عاما عكف العالم الاسكتلندي الكبير جيمس كلارك ماكسويل على مسألة هامة وهي: ما علاقة الظواهر الكهربائية بالظواهر المغناطيسية ؟

في عام 1865 نشر ماكسويل مجموعة من المعادلات التي تصف الظواهر الكهربائية والمغناطيسية معا وقد أطلق عليها اسم الظواهر الكهرومغناطيسية، هذه الظواهر نلاحظها ونشاهدها يوميا. على سبيل المثال: استقبال قنوات التلفاز عبر القمر الصناعي و الراديو ونقاط اتصال الواي فاي واشارات الهاتف المحمول.

اصطياد الموجات

يقول البروفسور جون اليس إن تاريخ معرفة الإنسان بالظواهر الكهرومغناطيسية يعود الى عصور الاغريق.

“لاحظ الناس هذه الظواهر، ولكن بدأ أخذ هذه الظواهر علي محمل الجد في بدايات القرن التاسع عشر، حيث أحس العلماء أنه لابد من وجود رابط بين هذه الظواهر “.

وفي منتصف القرن التاسع عشر أثبت بعض العلماء التجريبيين أمثال مايكل فاراداي أن هناك صلة وترابط شديد بين الظواهر الكهربائية و المغناطيسية فعلى سبيل المثال يستطيع التيار الكهربائي عندما يمر في موصل أن يولد مجالا مغناطيسيا حول هذا الموصل، في حين أن حركة هذا المجال تستطيع أيضا أن تولد تيارا كهربائيا.

يستكمل اليس قائلاً: “كانت هناك العديد من النظريات و المحاولات التي تصف هذا الترابط ولكن جاء ماكسويل واستطاع ان يحل اللغز”

“استطاع ماكسويل أن يربط بين الكهربية و المغناطيسية بذكاء شديد، بين أيضا أن معظم المحاولات الأخرى كانت محاولات بائسة ، بل وتوصل إلى نتائج مذهلة”

توصل ماكسويل إلى أن كلا من المجال المغناطيسي و الكهربائي ليسوا ثابتين و إنما يتحركان معا بحيث يكونان موجة تسير في الفضاء في اتجاء معين وبسرعات عالية جدا.

ويستكمل اليس حديثه: “عندما يتحدث الناس عن الموجات غالبا ما يأتي في أذهانهم موجات البحر أو موجات الصوت، الموجات الكهرومغناطيسية أيضا تتبع نفس مبدأ أو تصرف موجات البحر أو الصوت ولكن فهمنا الجيد لتلك الموجات له نتائج هامة وكبيرة “

معادلات ماكسويل

ساعدت معادلات ماكسويل صاحبها على الإجابة على سؤال هام وهو: ما هي سرعة الضوء أو الموجات الكهرومغناطيسية عموما ، يقول اليس “كان من المعروف قبل معادلات ماكسويل أن الضوء يسير في الفراغ بسرعة كبيرة جدا جدا ولكن ماهو مقدار هذه السرعة بالتحديد؟ لم يعرف احد”

استطاعت معادلات ماكسويل أن تحسب سرعة الضوء في الفراغ بدقة كبيرة وهي تساوي 300000000 متر في الثانية تقريبا.

أخذت نتائج ماكسويل النظرية حوالي 25 عاما إلى أن تم اثباتها في تجارب عملية.  يستكمل اليس حديثه: ” استطاع هنرش هيرتز أن يولد هذه الموجات عمليا عن طريق توليد تيار كهربي متردد والذي بدوره يؤدي إلى توليد ما يعرف الان بموجات الراديو، ثم تبعه ماركوني وبين أنك تستطيع أن ترسل هذه الموجات عبر المحيط الاطلنطي، لاشك أنها كانت بداية ثورة جديدة في عالم الاتصالات وكل الفضل يعود إلى ماكسويل ومعادلاته”.

التوحيد

التطبيقات العملية لمعادلات ماكسويل رائعة ومثيرة للإعجاب، ولكن العديد من الفيزيائيين يحتفلون بالذكرى السنوية لسبب أكثر جوهرية: قربتنا المعادلات من فهم طبيعة العالم الذي نعيش فيه “إذا نظرنا حولنا في الكون كل يوم، نجد أن محاولة فهمه معقدة جدا “.

يقول إليس: “لكننا نحن علماء الفيزياء أخذنا علي عاتقنا محاولة فهم كيف يعمل وكيف يجب أن يكون على ما هو عليه اليوم. لذلك نحن نحاول أن ننظر لمدي الترابط  بين الظواهر المختلفة. وهذا ما نطلق عليه غالبا [توحيد] . نحن نحاول توحيد أوصاف من قطع مختلفة من الطبيعة. إنها مرضية فكريا لفهم العلاقات بين الأشياء المختلفة التي تحدث في الكون. ولكن، أيضا، كما في المثال من هذه الموجات الكهرومغناطيسية ، فإنه يتيح لك أن تفعل أشياء كان من الصعب جدا أن تحاول انجازها سابقا “.

بحلول أواخر الثلاثينات أدرك العلماء أن هناك قوى أساسية أخرى إلى جانب الكهرومغناطيسية وقوة الجاذبية (التي وصفت من قبل اسحق نيوتن في القرن ال17 و ألبرت أينشتاين في عام 1915). اكتشفوا القوى النووية، التي تتولى الحفاظ علي ثبات النواة واستقرارها داخل الذرة، والنوع الآخر تلك القوة الضعيفة، وهي المسؤولة عن بعض أشكال التحلل الإشعاعي. “وكان الشغل الشاغل لعلماء الفيزياء في القرن الـ 20 هو معرفة ما إذا كان يمكن فهم هذه القوى الأساسية الأخرى”، يقول إليس.

لمحاولة فهم القوى الضعيفة، حاول العلماء عمل نموذج موحد للقوى الكهرومغناطيسية، وبالتالي وجدوا أنفسهم يخطون خطوة أعلى علي درجات سلم التوحيد في نهاية المطاف. واقترحت أفكارهم أن القوتين كانت، في الواقع، وجهان لعملة واحدة . إنها فكرة غريبة لأن القوة الضعيفة لا تتصرف إما مثل الكهرباء، أو المغناطيسية. بالنسبة للمبتدئين، وكما يوحي اسمها، انها أضعف كثيرا. حيث يبدو تأثيرها واضحا فقط على نطاق صغير3 × 10-17 متر، وعلى الصعيد النووي القوة الضعيفة أضعف 10000 مرة من القوة الكهرومغناطيسية. وأضاف “اذا لم تكن هذه القوى بهذا الضعف، فإن الحياة ستكون مستحيلة”، ويقول إليس” إن الكون سيصبح مختلفا تماما إذا كانت تلك القوة الضعيفة غير ذلك.”

فكرة التوحيد تشير إلى أن التشابه بين القوتين، الكهرومغناطيسية والقوة الضعيفة، كان واضحا فقط مباشرة بعد الانفجار العظيم، عندما كان الكون في غاية السخونة. ولكن بمرور الوقت أخذت درجات الحرارة بالانخفاظ تدريجيا حتي أصبحت القوات مختلفة عن بعضها، قد تبدو هذه الأفكار غريبة بالفعل، ولكن المبدأ ليس غريبا تماما: حاول ان تفكر في التغيير الجذري الذي يحدث للماء عندما يتحول إلى جليد.

وفي ستينيات القرن الماضي توصل مجموعة من العلماء إلى نظرية موحدة تستطيع وصف كلا من القوة الكهرومغناطيسية و القوة الضعيفة في إطار رياضي موحد. يقول اليس: “إن هذه المعادلات على الرغم من أنها معقدة إلا أن مبدأ عملها يتشابه كثيرا مع طريقة عمل معادلات ماكسويل”.

إتضح أيضا أن كل قوة من هذه القوى الضعيفة يحمله رسول وهو عبارة عن جزيء صغير يدعى البوزون.

لحظة الانفجار العظيم كانت كل البوزونات -وغيرها من الجسيمات الصغيرة- تقريبا منعدمة الكتلة ولكن عندما بدأت درجة حرارة الكون في الانخفاض تدريجيا بدأت تلك الجسيمات الصغيرة بالتجمد وانقسمت إلى نوعين: الجزيئات التي تحمل طاقة القوة الضعيفة والجزيئات الأخرى التي لها كتلة محددة. وكلما زادت كتلة البوزون كلما أصبح من الصعب إنتاجها وهذا هو السبب في كون القوة الضعيفة ضعيفة.

يقول اليس: “ان لم تكن هذه الجزيئات ثقيلة بالقدر الكافي، لاحترقنا جميعا ! “

اكتشاف جسيمات جديدة

جذبت النظرية القليل من الاهتمام في البداية، ولكن مع مرور الوقت ظهرت الكثير من الأفكار النظرية و التجارب العملية التي جعلتها تجذب الأنظار. “دخلت هذا المجال في عام 1975، لأني قلت:” حسنا، من الواضح أن هذه [جسيمات القوة الضعيفة الثقيلة] لابد ان يكون لها وجود.

كانت بوزونات القوة الضعيفة الثقيلة (وتسمى Z وبوزونات دبليو) تم اكتشافها في CERN في عام 1983 وأضاف “ولكن كلمة السر ومفتاح حل الغز كان يكمن في جسيم يسمى بوزون هيغز.

أصبح هيغز بوزون في وقت لاحق الكأس المقدسة لفيزياء الجسيمات. وأخيرا، في عام 2012 تم اكتشاف هذا الجسيم مليا في المصادم الهادروني الكبير LHC.

كان توحيد القوى الضعيفة انتصارا حقيقيا للفيزياء النظرية. أسفر ذلك عن جائزة نوبل في الفيزياء لشيلدون Glashow، عبد السلام، وستيفن واينبرغ، وفرنسوا انغليرت وبيتر هيغز .

مطاردة التوحيد، التي ساهم فيها ماكسويل إلى حد كبير، لم تنته بعد. من الناحية المثالية، فإن الفيزيائيين يرغبون في إظهار أن جميع القوى، بما في ذلك القوة النووية القوية وقوة الجاذبية، كانت شيئا واحدا عند الانفجار الكبير وبدأ التنوع في الجسيمات ببرود الكون.

 المصدر