fbpx
الفضائيون

ما مدى خطورة رياضة الملاكمة؟

تُعدّ رياضة الملاكمة من أفضل الرياضات من أجل الحصول على اللياقة البدنية والحفاظ على الوزن المناسب؛ فهي تجمع بين التمارين المنشطة للقلب والتمارين القاسية للطرفين العلويين والسفليين. وحين تتعلم الملاكمة فإنك تتعلم أيضًا إحدى تقنيات الدفاع عن النفس التي يمكنك استخدامها على أرض الواقع. 

هنالك العديد من النتائج الإيجابية لممارسة رياضة الملاكمة، غير أنه يوجد سلبية واحدة بالغة الأهمية؛ إصابات الرأس.

ارتبطت الإصابات ارتباطًا وثيقًا مع الملاكمة منذ بداية نشأتها؛ ولكن مع تطور الرياضة تطورت القوانين والمعدات لتحسين مستوى الأمان وسلامة المُلاكم. وبشكل مشابه لمعظم الرياضات تنقسم الملاكمة إلى قسمين: ملاكمة الهواة (الملاكمة الأولمبية) والملاكمة الاحترافية (ملاكمي الجوائز).

ونتيجةً للاختلاف في الأهداف والقوانين ومعدات الأمان في كلتا الرياضتين نجد اختلافًا في عوامل الخطورة أيضًا؛ ففي ملاكمة الهواة يرتدي الملاكم – إضافة إلى القفازات وحامية الفم التي يرتديها الملاكم المحترف – حاميةً للرأس.

 بالإضافة إلى أن مدة المباريات في الملاكمة الاحترافية أطول بكثير؛ إذا قد يصل عدد الجولات في الملاكمة الاحترافية حتى اثنى عشرة جولة، بينما عدد الجولات في ملاكمة الهواة ثابت وهو ثلاث جولات دائمًا.  

وخلاقًا لما يحدث في ملاكمة الهواة؛ يُمنح الملاكم في الملاكمة الاحترافية نقاطًا إضافية للعدائية وأذية الخصم، ثم إن الضربة القاضية تُعد أحد الأهداف الأساسية فيها. وبسبب هذه الاختلافات بين الرياضتين سنذهب إلى الحديث عن قسمي المُلاكمة (ملاكمة الهواة والملاكمة الاحترافية) كلًا على حدة.

تقترح الدراسات الوبائية -التي قامت بتحليل معدل تواتر الإصابات العصبية في ملاكمة الهواة والمحترفين- أن الخلل الوظيفي الدائم وغير القابل للتراجع لا يحدث لمعظم المشاركين، بينما يقدر معدل الإصابات الحادة والعابرة في الملاكمة الاحترافية بنحو 0.8 إصابة دماغية لكل عشر جولات و 2.9 إصابة دماغية لكل عشر ملاكمين.

ووفقًأ للفحص العصبي الروتيني؛ نادرًا ما تتحول هذه الإصابات إلى إصابات دائمة؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن القياسات العصبية النفسية لم تكن مُتَضمَّنة في معظم الدراسات.

إن حالات الوفاة الناتجة عن ممارسة الملاكمة مضخمة إعلاميًا بشكل كبير؛ إذ إن معدل الوفاة في الواقع منخفض جدًا؛ فتشير إحدى التقديرات إلى أن معدل الوفاة هو 0.13 حالة من أجل كل 1000 مشارك في السنة، وهو أخفض (أو قريب) من معدلات وفاة الرياضات الأخرى ذات الخطر المرتفع، مثل: كرة القدم الأمريكية وسباق الدراجات النارية والغوص تحت الماء وتسلق الجبال والقفز المظلي ومسابقة الخيول. 

إن حالات الوفاة في ملاكمة الهواة أقل شيوعًا من الملاكمة الاحترافية بمعدل 3 وفيات في السنة للهواة و 9-10 وفيات للاحترافية. إن الإصابات العصبية في الملاكمة لها ثلاثة تظاهرات 1- الإصابات العصبية الحادة؛ 2- الاعتلال الدماغي المزمن (الخرف)؛ 3- متلازمة ما بعد الارتجاج الدماغي والحالة المستمرة من الرنح.

وسنأتي على ذكرها فيما يلي: 

الإصابات العصبية الحادة

تعد الضربة القاضية أو الـ (KO (Knock Out أوضح مثال على الإصابة العصبية الحادة في الملاكمة. يكون فقدانُ الوعي الناتج عن لكمة الـ KO سريعًا ومُفاجئًا، وفي معظم الأحيان يكون قصيرَ المدة. 

تنتج الضربة القاضية من لكمة موجهة إلى الوجه مباشرة؛ مُسببةً تسارعًا أو عزمَ دوران ينتقل إلى الدماغ مؤثرًا في المخيخ وجذع الدماغ؛ مما يؤدي إلى فقدان التوازن وحالة من عدم الثباتية تجعل الملاكم غير قادر على الوقوف. وبسبب عدم الشيوع النسبي لحالات الـ KO (نحو 6 لكل 100 مباراة) فإن هذا النوع من اللكمات لا يبدو المسبب الرئيس للأذية الدماغية المشاهَدة لدى بعض الملاكمين.

الاعتلال الدماغي المزمن

وقد يسمى أحيانًا بالخرف (dementia pugilistica) أو حالة الثمالة بعد اللكمة (punch drunk-state)؛ يتألف من سلسلة من الاضطرابات العصبية الناتجة من تعرض المخ المزمن للصدمات. تتميز بـ اضطرابات في الكلام والمشي والإدراك والسلوك وتغيرات في الشخصية، بالإضافة إلى اعتلالات حركية. 

وبشكل عام تُشاهَد هذه الحالات لدى الملاكمين المحترفيين بينما في ملاكمة الهواة لا يتعرض الملاكم لهذا الكم من الصدمات؛ بسبب الاستخدام الدائم لحامية الرأس؛ بالإضافة إلى عدد الجولات الأقل عددًا والأقصر مدة مقارنة مع الملاكمة المحترفة.

مع ذلك، عُثر على علاقة عكسية بين الدرجات المحصلة في الاختبارات العصبية النفسية لبعض الملاكمين الهواة وعدد المباريات التي خاضها هؤلاء الملاكمين في الماضي، وقد اقترح العلماء وجود فترة كمون لا تظهر عليها أعراض الأذيات العصبية؛ ولكن تجعل الملاكم ذا استعداد أكبر للاعتلالات العصبية في المستقبل. وبشكل عام تشير أغلبية الدراسات إلى أن ملاكمة الهواة لا تؤدي إلى نفس درجة العجز المُشاهد في الملاكمة المحترفة.

الدراسات العصبية-النفسية للملاكمين

عدد قليل من الدراسات المنشورة فحص الجانب النفسي-العصبي للملاكمين المحترفين، وفي إحدى الدراسات كانت اختبارات التخطيط والانتباه والتركيز والذاكرة هي الأكثر حساسية لاضطراب وظيفة الدماغ عند الملاكمين المحترفين. وفي بدراسة أخرى، أحرز الملاكمون المشاركون في التجربة درجات أعلى في الاختبارات المعرفية العصبية بعد شهر من خوضهم المباراة مقارنةً بالدرجات التي أحرزها الملاكمون قبل المباراة! 

اقترح الباحثون المسؤولون عن التجربة أن درجات الملاكمين قبل المباراة قد تكون متأثرة بعوامل أخرى مثل: المناوشة أو السجال sparring – (أداء حركات الملاكمة بمثابة شكل من أشكال التدريب) أو فقدان الوزن السريع والقلق وبالتالي لم تكن قياسات دقيقة للمقارنة بها. وقد وجد دليل على وجود ضعف في الأداء المعرفي العصبي لدى الملاكمين ذوي الخبرة الاحترافية الأكبر (أكثر من 12 مباراة) في أثناء فترة التعافي. 

كما توصل باحثون آخرون إلى وجود ارتباط بين عدد المباريات وعدد الخسارات والتعادلات وبين الاختلال المعرفي المشاهَد لدى الملاكمين المحترفين، أضف إلى أن التعرض الزائد للمناوشة يترافق مع أداء أسوأ في الاختبارات العصبية النفسية، خصوصًا في الاختبارات التي تتضمن الانتباه والتركيز والذاكرة؛ وبهذا يكون للمناوشة دون الخوض في المنافسات الحقيقة تأثير أكبر في الوظيفة المعرفية عند بعض الملاكمين. 

أما الدراسات التي تناولت التأثيرات العصبية النفسية لملاكمة الهواة فقد كشفت عن حالات قليلة – إن وجدت أصلًا – من الاختلال المعرفي. فحص الباحثون بعض الملاكمين الهواة المشاركين في عدة مباريات ضمن مسابقة من سبعة أيام، ووجدوا أن باستثناء الملاكمين الذين أوقفت مباراياتهم من قبل الحكم، لم يوجد دليل على وجود اختلال معرفي في فترة ما بعد المباراة.

وفي الواقع أحرز الملاكمون أداءً أفضل بشكل ملحوظ مع مرور الزمن في هذه الاختبارات مقارنًة مع عينة حيادية من نفس العمر(عينة شاهد control group)، لم يجد الباحثون دليلًا على الاعتلال العصبي النفسي مقارنة بالأشخاص غير الممارسين لملاكمة الهواة. وقد اختبر باحثون آخرون مدى سلامة الملاكم وتوصلوا إلى أن الإصابات الخطيرة لا تحدث إلا نادرًا، وأن ملاكمة الهواة تعد آمنة بشكل عام.

أما في الحالات التي شوهد فيها الاختلال المعرفي العصبي لدى الملاكمين الهواة، فإن هذا الاختلال وجد في الاختبارات المتعلقة بالانتباه والتركيز والذاكرة والسرعة الحركية. بالإضافة إلى أن الملاكمين الهواة ذوي الخبرة الأكبر في الحلبة أظهروا نتائج سلبية واضحة في الاختبار؛ ولكن اعتبرت درجة الاختلال المعرفي لديهم متوسطة. 

دفعت هذه الأبحاث العلماءَ إلى نتيجة مفادها أن الفترات المضبوطة من ممارسة ملاكمة الهواة قد تكون بالفعل آمنة من الناحية العصبية النفسية؛ ولكن على الرغم من غياب الاعتلال العصبي النفسي لدى الملاكمين الهواة وجدت تجربة أخرى على المستوى الكيميائي الحيوي أن الأمر مختلف؛ إذ قامت التجربة بقياس تركيز بعض بروتينات السائل الدماغي الشوكي التي لها علاقة بالأذية العصبية عند مجموعة من الملاكمين الهواة : 

عديد الببتيد الليفي العصبي الخفيف (NFL) والحمض البروتيني الدبقي الليفي (GFAP) وبروتين تاو بالإضافة إلى عدة بروتينات أخرى. 

قيسَت تراكيز هذه البروتينات بعد خوض الملاكمين الهواة إحدى المباريات بمدة 7-10 أيام، ثم قيست مجددًا بعد ثلاثة أشهر. كما قيست تراكيز البروتينات نفسها لدى مجموعة من الأشخاص غير الممارسين للرياضة من أجل المقارنة، ووجد ارتفاع ملحوظ في تركيز كل من NFL و GFAP وبروتين تاو بعد المباراة مقارنة مع قيمة تراكيزها بعد ثلاثة أشهر من الراحة عند الملاكمين أنفسهم. 

خلُصت الدراسة إلى أن ملاكمة الهواة مترافقة مع أذية حادة (غير مزمنة) لمحاور العصبونات والخلايا الدبقية النجمية على المستوى الكيميائي الحيوي، وذلك بغض النظر عن عدم ظهور أية أعراض سريرية حين فحص الملاكمين الهواة الخاضعين للتجربة فيزيائيًا وعصبيًا قبل التحليل. 

المصادر:

المُساهمون:
  • إعداد: مهند طباخ
  • مراجعة: عبدالفتاح حسن
  • تدقيق لغوي: نور عبدو

مهند طباخ

طالب جامعي في كلية الطب البشري بحلب.

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!