إضاءاتٌ جديدةٌ على الكربون الأسود

إنّ حرائق الغابات، وما يُدفن في نهاية المطاف في قاع المحيط  هو مصدر معظم الكربون الأسود في الأنهار كما أظهرت دراساتٌ على 18 نهرٍ حول العالم. تَنقل الأنهارُ ما يقارب الجيجا طن (مليار طن) من الكربون إلى المحيطات في كلِّ عام.

تُولِّدُ حرائقُ الغابات كميةً كبيرةً من الكربون الأسود عن طريق الاحتراق غير الكامل. ويدخل الكربونُ الأسود بعد ذلك إلى الأنهار عبر حَتِّ التّربة، ويُنقَل إلى المحيطات ليُشكِّلَ مصرفًا طويل الأمد للكربون.

إنَّ مناطق الأرضِ مُعظمها مغطاةٌ بالنباتات الخضراء، و لكن بالنّسبة للكتلة فإنَّ كتلة المادة العضويّة الميْتة تفوق الكتلة الحيويّة. وبالإضافة إلى المواد الميْتة المتراكمة في التّربة، و الخُثّ، والرّواسب على الأرض توجدُ كمياتٌ كبيرة من الجزيئات المنحلّة من المادّة العضويّة التي تُحمَل من البيئات البريّة إلى المياه الدّاخلية (الأنهار، والمياه الجوفيّة).

إنَّ الكربونَ الجاري في المياه يُشكِّل جزءًا مهمًّا من دورة الكربون؛ إذ يُصبح بعد طمره مصدرًا لثنائي أُكسيد الكربون النّاتج عن تحلُّلهِ إلى الغلاف الجويّ. ويُظهر بحث كوبولا وزملائه في Nature Geoscience  أنّ قسمًا كبيرًا من الجزيئات العضويّة في الأنهار هي كربونٌ أسودٌ بطيء التّفاعل، وهو نتاجُ الاحتراق غير التّام للمواد العضويّة.

فالمادّة العضويّة الميْتة في التّربة والماء شديدةُ التّعقيد، ويمكن أن تحتوي مئات الآلاف من المكوّنات. على الرغم من أنّ مقاومَتها للتّحلّل تتعلّق بشكلٍ كبيرٍ بالظّروف البيئيّة فإنَّ خواصَّها الكيميائيّة تؤثِّر على سرعة تحلُّلها.

ولقد ظهرَ صنفٌ من المواد العضويّة مقاومٌ للتّحلُّل السّريع تحت معظم  الظروف وهو الكربون الأسود، والذي يكون مصدره الأساسيّ ناتجًا من حرائق الغابات، وحرْق الكتلةِ الحيويّة، والوقودِ الأحفوريّ.

إنّ تركيب الكربون الأسود  يَتنوّع و لكنّه يتميّز ببنيته الأروماتيّة Aromatic. وبما أنّه بطيء التّحلُّل يبقى جزءٌ من الكربون الأسود في التربة آلاف السّنين. وتُعدُّ مقاومَته للتّحلُّل حلًّا لزيادة تركيز ثنائي أُكسيد الكربون في الجوّ: تكمُن الفكرةُ في توليدِ فحمٍ نباتيٍّ من خلال التّحلُّل الحراريّ للكتلة الحيويّة، ويمكن عندها استخدام الفحم النباتيّ على التّربة حيثُ لن يزيد خصوبتها فحسب بل سيكوّن مخزنًا طويل الأمد للكربون. الأمرُ الذي يساعد على تخفيف التّغيّر المناخيّ.

يمكن أن يُطلَق الكربون الأسود من الأنظمة البيئيّة البريّة إلى الأنهار والجداول عن طريق الحَتّ.

وكما أظهرنا سابقًا فالكربون الأسود المنحلّ يتميّز بمقاومَته للتّحلّل أوالتّحوّل إلى موادٍ أخرى عند نقله من التّربة إلى المحيطات.

وقد أظهرتْ دراساتُ كوبولا وزملائه أنَّ جزيئات الكربون الأسود تُشكِّل 16% من الجزيئات العضويّة الكربونيّة في الأنهار. فبعد دراستهم ل 18 نهرٍ صغير، وكبيرٍ حول العالم دراسةً تُمثِّلُ حوالي ثُلث الأنهار الجارية في العالم استنتجوا أنًّ حَتّ التّربة مصدرٌ أساسيّ لجزيئات الكربون الأسود هذه، ويعتقدون أنَّ حرائق الغابات هي المصدرُ الأساسيّ لجزيئات الكربون الأسود وليس استهلاك الوقود الأحفوريّ.

لقد درس كوبولا  وزملاؤه عمرَ الكربون الأسود باستخدام  نظير الكربون المشع  C14 و قدرّوا متوسّط عُمرِ جزيئات الكربون الأسود في الأنهار بحوالي 3,700 عام. أي أنّه يوجد تأخيرٌ زمنيٌّ كبير بين تكَوّن الكربون الأسود من حرائق الغابات وإطلاقه في المحيط. ومن جهةٍ أخرى يوجدُ مجالٌ واسع بين الأعمار في الأنهار المدروسة: فالكربون الأسود في نهر الكونغو حديثٌ جداً بينما وُجد  في  نهر كولفيل في القطب الشمالي أقدمُ جزيئاتِ كربون أسود بعمر 17,000 عام، ومازال من غير الواضح سببُ هذا التّراوح في العمر.

ولكن جزيئات الكربون الأسود أقدم من الكربون العضوي في التّربة عمومًا، ولقد اكتشفَ أيضًا أنّ بعض المواد العضويّة تظلّ مُحتفظةً بشكلها لفتراتٍ طويلة بعد التَّحلُّل الحراريّ في حرائق الغابات.

ففي الغالب تَنزع المادة العضوية إلى التّحلُّل بسرعةٍ أكبر في المياه الدّاخلية منها في التّربة إلا أنَّ الحالَ مختلفٌ بالنّسبة لجزيئات الكربون الأسود؛ حيثُ أظهرت أبحاثُ كوبولا و زملائه أنّها تظلّ محتفظةً بشكلها طوال انتقالها مع مياه النّهر.

إنَّ ثبات جزيئات الكربون الأسود عند نقْلها في النّهر يشير إلى أنّه مصرفٌ هامٌّ لثاني أوكسيد الكربون.

وقد أشار كوبولا و زملاؤه إلى أنّ التّغيّر المناخيّ الحاليّ يمكن أن يؤدّي إلى عدّة تأثيراتٍ على شكل مصرفِ الكربون من خلال الكربون الأسود.

ويمكن أن تؤدّي زيادة حدوث حرائق الغابات إلى زيادةٍ في إنتاج وحجز الكربون الأسود الذي يمكن أن يُحسِّنَ من وضْع مصارف الكربون، ويعطي طريقةً جيّدةً للتّعاطي مع تغيّر المناخ.

فعندما تنشط دورة المياه،  ويحدث المزيدُ من الفيضانات، فإنّ الحَتّ يمكن أن يَنقلَ المزيدَ من الكربون الأسود من التّربة إلى الرّواسب في قاع المحيط، و هذه العمليّة يمكن أنْ تُعيد توزيعَ مصارفِ الكربون العالميّ جزئيًّا.

و إلى جانب هذا فالحَتّ الذي سبّبته إزالةُ الغابات، والتّغيّرات الأخرى في استخدام الأرض يمكن أن يزيدَ التأثير.

لا يزال يوجدُ نقصٌ في الأدلّة المباشرة على تفاعليّة الكربون الأسود في البيئات الطبيعيّة، والتّقديراتُ الحاليّة لا تزال بعيدةً عن إجراء قياسٍ دقيق لكميّات الكربون الأسود التي تنجح في شقِّ طريقها إلى قاع المحيط.

أعطى كوبولا و فريقُه نظرةً عميقةً عن دور الكربون الأسود في دورة الكربون من خلال تسليط الضوء على الطّبيعة العنيدة لجزيئات الكربون الأسود في الأنهار بالإضافة الى الاكتشافات السّابقة عن انحلال الكربون الأسود.

يبدو واضحًا أنّ الحَتّ الحاليّ للتّربة، و النّقل النّهريّ بعد ذلك يؤدّيان إلى إعادة التّوزيع بدون تحلّلٍ أساسيٍّ للكربون الأسود خلال عدّة آلاف من السنين.

المصادر:

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • ترجمة: شهد مكانسي
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More