جائزة نوبل في الطب لعام 2018 وعلم وظائف الأعضاء

يُعدُّ السرطان بأنواعه المختلفة وأنماطه النسيجية المتنوعة من أشد الأمراض فَتكًا بالإنسان، حيث يحتل المرتبة الثانية كمسبب للوفيات فوق عمر الـ40 في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أمراض القلب والشرايين التي تحتل المرتبة الأولى، وكذلك تُقدِّر منظمة الصحة العالمية بأن يتم تشخيص 18 مليون حالة سرطان جديدة خلال العام الجاري 2018 في مختلف أنحاء العالم، كما وتتنبأ بأنّ شخصًا من بين كل 3 أشخاص في البلدان المتقدّمة سيصاب بالسرطان، ومن المتوقع أن تزداد هذه النسبة إلى نسبة شخص من بين كل اثنين خلال 20 عام فقط؛ يعود السبب في ذلك إلى طول العمر الافتراضي المتوقَّع للأشخاص في هذه البلدان؛ حيث أنّ خطر الإصابة بالسرطان يزداد بشكل ملحوظ مع التقدُّم في السن؛ نظرًا لزيادة فترة التعرُّض للعوامل المُسرطنة المختلفة من جهة، ولسهولة تشكل الطفرات في الخلايا الشائخة من جهة أخرى.

استنادًا على ما سبق، لا عجب أنْ يُشكّل السرطان أولوية ضخمة للأبحاث التي سَعَت ولا تزال تسعى لفهم المزيد عنه وإيجاد طرق لعلاجه، ومن أبرزها بحثان في مجال العلاج المناعي للسرطان، قام بهما العالمان جيمس أليسون من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية وتاسوكو هونجو من جامعة كيوتو في اليابان، وذلك عبر طريقة مبسّطة؛  بتحفيز جهاز المناعة من الجسم نفسه ليحارب الخلايا السرطانية. إنّه علاج قديم متبعٌ بطرائق مختلفة وغالبًا ما تتم مشاركته مع أنواع العلاج الأخرى للسرطان كالعلاج الكيماوي و الشعاعي و الهرموني و المُوَجَّه و الجراحي؛ لشفاء ثلّة قليلة من السرطانات وإطالة البقيا و/ أو تحسينها في السواد الأعظم من أنماط الأورام الخبيثة، وهما بحثان نال العالمان عليهما جائزة نوبل للطب وعلم وظائف الأعضاء للعام 2018.

الجديدُ في بحث أليسون هو أنّه وبعد اكتشافه بأنّ المستضد الخاص بالخلايا التائية القاتلة رقم 4 والمعروف باسم CTLA-4 (Cytotoxic T lymphocytes Antigen ) ، وكذلك بـاسم CD152  (Clusters of differentiation )  يعمل ككابح لمناعة الجسم، وبالتالي بتعطيله ستنطلق مناعة الجسم لمواجهة السرطان وقد تقضي عليه؛ حيث يكون هذا المستقبل ضمن سيتوبلازم (هيولى) الخلية التائية في حالة الخمول، وفور تفعيلها سيتوجه إلى الغشاء ويعبر عن ذاته، و يحدث ذلك بشكل رئيسي في الخلايا التائية المنظّمة T-Regulatory cells. لقد ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأنّ هذا المستضد له دورٌ تحفيزيّ للمناعة، واستمر حتى وجد د. أليسون بمساعدة باحثين آخرين بأنّ له دور مثبط للمناعة في عام 1994، ودعمه بحث آخر قام به كلّ من العالمين تاك ماك و آرلين شارب، حيث وجدوا بأنّ تعطيل هذا المُستَقبِل عند الفئران أدى لإصابتهم بأمراض مناعة ذاتية شديدة (يقوم فيها جهاز المناعة بمهاجمة خلايا الجسم السليمة)، وذلك نتيجة التكاثر المستمر للخلايا التائية. بينما تم استخدام هذا المستضد كهدف في أمراض المناعة الذاتية سلك الباحث جيمس مسلكًا مختلفًا في رؤيته لتطبيقاته، حيث هدف إلى تعطيل الفعل الناجم عن تفعيل هذا المستقبل مما أدى إلى تحفيز جهاز المناعة وإطلاق عنانه بشكل واسع. في البدايات عندما لم تكن معرفة المستضدات التي ستهاجمها الخلايا التائية ممكنةً، أجرى تجربة هذا الأمر على الفئران التي تم زرع السرطان فيها، وذلك في مختبره الخاص بجامعة كاليفورنيا، وقد كانت النتائج مبشّرة جدًا حيث قام -ومن خلال عدة تجارب- بدراسة هذا التأثير على عدة أنواع للسرطان (الجلد و البروستاتا والقولون)، ووجد بأنّ هذه السرطانات استجابت لنفس الاستراتيجية العلاجية؛ الأمر الذي دفعه إلى إمضاء الـ 17 سنة التالية لاكتشافه المخبري في محاولة نقله للتطبيق السريري، حيث حاول كثيرًا مع شركات الأدوية والمؤسسات الصحية حتى نال الموافقة على دوائه Yervoy  في عام 2011، الذي أعطى نتائج أقرب للمعجزات عند مصابين بنوع فتّاك من سرطان الجلد.

مخطط يوضح تأثير تعطيل CTLA-4 على الفئران المصابة بالسرطان.
جيمس أليسون
جيمس أليسون.

في نفس الوقت كان النصف الأخر من الجائزة من نصيب د. تاسوكو هونجو، الذي عمل على كابح آخر للمناعة يُعرف باسم مُستَقبِل الموت المبرمج للخلايا رقم 1 PD-1 receptor  ‘Programmed Cell Death 1’))، وكذلك يعرف باسمCD279 ، حيث دفع اكتشافُ أليسون العالمَ الياباني هونجو إلى دراسة هذا الجزيء في محاولة منه للوصول إلى علاجٍ للسرطان، ووجد بأنّ علاجه المدعو (Nivolumab) كان أكثر أمانًا وأشد فعالية من علاج الطبيب جيمس أليسون في العديد من السرطانات ومن بينها؛ سرطان الرئة الذي يعد السرطان الأشد فتكًا بالذكور في أمريكا والسواد الأعظم من دول العالم، حيث يستخدم دواؤه بالمشاركة مع دواء أليسون لإعطاء نتائج أقل ما يقال عنها ممتازة في علاج الأنماط المختلفة من السرطان. ثم إنّه وبالمشاركة بين هذه الدوائين نحصل على استجابة مناعية أشدّ تجاه الورم من استخدام دواء واحد.

حيث قام عقار هونجو بتقليص حجم العديد من الأورام العدوانية بشدة في الجسم مثل؛ سرطان الرئة صغير الخلايا وسرطان الكلية لدى ما يقارب نسبة 20-25% من المرضى وهي نسبة لا يُستهان بها البتة؛ إذْ سجلت حالات تراجع كامل لهذه السرطانات في بعض الحالات وهي حالات تعاد الشفاء تقريبًا، ثمّ إن العقار الثاني المعتمِد على نفس الآلية والمدعو (pembrolizumab)، والذي طوره كل من جورجي كارفن وهانز فان إنينام و جون دولوز، قام بتسجيل استجابةٍ لدى ما يقارب نسبة 38% من المرضى المصابين بالميلانوما، وهو سرطان جلد عدواني خبيث، إذ أظهرت الدراسة المطبّقة على هؤلاء المرضى بأنّهم قضوا 18 شهرًا دون نكس الميلانوما من المرحلة الثالثة وهو أمرٌ جَلَل مقارنةً بكونه كان مرضًا يقتل المصاب خلال سنتين على أبعد تقدير.

تاسوكو هونجو مع مجموعة من طلبته و مساعديه.

 

أمّا من ناحية الآثار الجانبية فإنّ دواء د. أليسون يسبب آثارًا جانبية أشدّ من الآثار الجانبية التي يسببها دواء د. هونجو حيث يسبب التهاب القولون التقرحي (Ulcerative colitis) وقصور وطائي كظري (Secondary Adrenal Insufficiency) والتهاب الرئة (pneumonitis) وكذلك التهاب الغدة الدرقية (Thyroiditis)، الذي يسببه بنفس المعدل دواء د. هونجو. قد تهدد هذه الأمراضُ الحياةَ، وبخاصة القصور الكظري، لكنّ علاجها مُمكن مقارنةً بالسرطان.

يأمل أعضاء لجنة نوبل بأن توفِّر المشاركة بين هذين العقارين والأنماط الأخرى من العلاج فوائدًا علاجيةً عالية للمرضى مع آثار جانبية أقل، وهو أمر لا بدّ من أن يحسِّن نوعية حياةِ المصابين بالسرطان وأنّ يمنحهم أملًا جديدًا في الشفاء.

المصادر:

 

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه.لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: يزن الحريري
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: نور عبدو
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. AcceptRead More