تقدم الأضواء الشمالية أو “الشفق القطبي- aurora borealis” عرضاً ساحراً يسلب الألباب ويبهرُ كل من يراه؛ ولكن هل تساءلت يوماً عن مسبب هذه الظاهرة الطبيعية الخلابة؟!

الشمس؛ ذلك النجم الأصفر الذي يحافظ على الحياة في كوكبنا ويتوسط نظامنا الشمسي؛ إن للشمس العديدُ من المجالات المغناطيسية التي تنثني وتلتف بينما تدور الشمس حول محورها، وعندما تصبح هذه الحقول المغناطيسية متشابكة معاً، فإنها تنفجر وتخلق ما يسمى البقع الشمسية أو “الكلف الشمسية- Sunspot”، وغالباً ما تحدث هذه البقع في شكل أزواج، يفوق قطر أكبرها قطر الأرض بعدة مرات.تبلغ درجة الحرارة في نواة الشمس 27 مليون فهرنهايت- F° (أي  15 مليون سيليزيوس C°)، وبما أن درجة الحرارة على سطحها في حالة ارتفاع وانخفاض، فإن الشمس  تغلي وتثور. تنفلت الجسيمات الموجودة في مناطق البقع الشمسية من النجم، فتندفع جسيمات البلازما (المعروفة أيضاُ باسم الرياح الشمسية- solar wind) بسرعة إلى الفضاء، لتستغرق نحو 40 ساعة للوصول إلى الأرض. وحين تصل جسيمات البلازما إلى سطح الأرض، فإنها تقدم عروضاً ساحرة هي التي نطلق عليها الشفق القطبي.

لا يحدث الشفق القطبي على الأرض فقط؛ بل يحدث أيضاً في كواكب أخرى من نظامنا الشمسي (وربما في كواكبَ خارج المجموعة الشمسية)؛ إذ يتمتع كل من عمالقة نظامنا الشمسي -المشتري وزحل وأورانوس ونبتون- بأجواء سميكة وحقول مغناطيسية قوية، ولكلٍ من هذه الكواكب الغازية شفق يكون مُختلفاً عن الذي يحدث في الأرض؛ نظراً إلى تكونه في ظروف مختلفة.

ولدى كوكب الزُهرة شفق ناتج عن المجال المغناطيسي المُمَدد “الحزام المغناطيسي- magnetotail”، أما المريخ، الذي يتميز بغلاف جوي رقيق جداً بالنسبة إلى ما يحتاجه تشكل الشفق، فيتعرض لشفق محلي ناجم عن المجالات المغناطيسية على سطحه. كما عثرت المركبة الفضائية مافن MAVEN (التابعة لوكالة ناسا والمُصممة لدراسة الغلاف الجوي للمريخ وتطوره المتقلب) على شفق واسع النطاق في نصف الكرة الشمالي ناتج عن جسيمات طاقية تضرب الغلاف الجوي للمريخ.

البقع الشمسية والدورات الشمسية

تحدث البقع الشمسية والعواصف الشمسية كل 11 سنة تقريياً وقد بلغت الدورة الشمسية ذروتها في عام 2013 ميلادية؛ ولكنها كانت الطاقة الشمسية الأضعف على الإطلاق في خلال القرن.

قال “رون تيرنر- Ron Turner” من شركة Analytic Services, Inc الذي يعمل مُستشارًا علميًا لأقدم برنامج للمفاهيم التابعة لوكالة ناسا في بيانٍ قد أدلاه: “لا تزال هذه الدورة الشمسية تحتل المرتبة الأولى بين الدورات المُسجلة على أنها الأكثر ضعفاً حتى الآن”.

ومُذ بدأت عملية حفظ سجلات انحسار نشاط الشمس وتدفقه في عام  1949 ميلادية، كانت هناك 22 دورة كاملة، ويراقب الباحثون أحداث الطقس الفضائي من خلال قدرتهم على التأثير في المركبة الفضائية في المدار، وضرب شبكات الطاقة والبنية الأساسية للاتصالات على الأرض، وإعداد العروض الطبيعية للأضواء الشمالية والجنوبية، كما يدرسون كيف تؤثر التقلبات في نشاط الشمس على الطقس في كوكبنا.

الجسيمات والجذب القُطبي

تتعرض الأرض باستمرار لوابلٍ من الحطام والإشعاع وغيرها من الموجات المغناطيسية الآتية من الفضاء التي يمكن أن تهدد مستقبل الحياة كما نعرفها؛ فمُعظم الوقت، يقوم المجال المغناطيسي لكوكب الأرض بعملٍ ممتاز في تشتيت هذه الأشعة والجسيمات الضارة المحتملة بما في ذلك الأشعة الصادرة عن الشمس.

تنتقل الجسيمات التي تطلقها الشمس إلى 93 مليون ميل (أي نحو 150 مليون كيلو متراً) باتجاه الأرض قبل أن تُسحب بشكلٍ لا يمكن مقاومته نحو القطبين الشمالي والجنوبي المغناطيسي. وبينما تمر الجزيئات عبر الدرع المغناطيسي للأرض، فإنها تمتزج مع ذرات وجزيئات الأوكسجين والنيتروجين وعناصر أخرى تؤدي الى عرضٍ مُذهل للأضواء الشمالية.

يُعرف الشفق القطبي باسم “أورورا- auroras” نسبةً إلى الآلهة الإغريقية أورورا ويطلقُ عليه في النصف الكرة الشمالي اسم  “أورورا بورياليس- Aurora borealis” أي شفق الريح الشمالية، أما نظيرتها الجنوبية التي تضيء سماء القطب الجنوبي تُعرف باسم “أورورا أوستراليس- Aurora Australis”.

ما سبب ظهور الألوان؟

الألوان المرتبطة بالشفق القطبي هي الورديّ والأخضر والأزرق والبنفسجي وأحياناُ البرتقالي والأبيض، عادةً؛ عندما تصطدم الجسيمات بالأوكسجين، تنتج اللون الأصفر والأخضر، بينما تنتج التفاعلات مع النيتروجين ألواناً حمراء وبنفسجية، وزرقاء أحياناً.

كما يُحدِث نوعٌ من التصادم اختلافاً في الألوان التي تظهر في السماء؛ فالنتروجين الذري يسبب تكوُّن الأضواء الزرقاء، بينما يُنتج النيتروجين الجزيئي اللونَ الأرجواني، كما تتأثر الألوان أيضاً بالارتفاع؛ فتظهر الأضواء الخضراء عادةً في المناطق التي تصل ارتفاعها إلى 150 ميلاً (96.5 كم)، والأرجواني والبنفسجي في المناطق التي يزيد ارتفاعها عن 60  ميلاً.

وقد تظهر هذه الأضواء في شكل شريط ساكن من الضوء، أو عندما تكون التوجهات الشمسية قوية بشكلٍ خاص، مثل ستارة راقصة ألوانها دائمة التغير.

تاريخ أضواء الشفق القطبي

منذ آلاف السنين، كانت الأضواء الشمالية مصدراً للتخمين والمعتقدات الخرافية والهلع، فتحتوي لوحات الكهف في فرنسا، التي يُظن أنها تعود إلى 30 ألف سنة، على رسوم توضيحية لهذه الظاهرة الطبيعية.

وفي زمن الأساطير، كان يُعتقد أن الأضواء الشمالية كانت بمثابة نذير حرب أو دمار، قبل أن يدرك الناس حقاً أسباب ظهورها، ويشيرُ العديد من الفلاسفة والكُتّاب والفلكيين الكلاسيكيين، ومن بينهم أرسطو وديكارت وغوته وهالي إلى الأضواء الشمالية في كتاباتهم.

وفي أوائل عام 1616 ميلادية، استخدم غاليليو غاليلي اسم Aurora borealis لوصف هذه الأضواء، وأخذ اسم آلهة الفجر الإغريقية الأسطورية ” أورورا”، وأيضاً الاسم الإغريقي للرياح الشمالية “بوراليس”.

فالأضواء الجنوبية تتشكل حول المنطقة القطبية الجنوبية؛ ولكن من الصعب رؤيتها نظراً لأن القطب الجنوبي أقل زيارةً من القطب الشمالي.

 أفضل الأماكن لرؤية الأضواء القطبية

أفضل الأماكن لرؤية الأضواء الشمالية هي ألاسكا وشمال كندا، إلا أن الوصول إلى هذه المساحات الشاسعة المفتوحة ليس سهلاً دائماً. كما تقدم النرويج والسويد وفنلندا أيضاً نقاطاً ممتازة لرؤية الأضواء، في أثناء فترات التوجهات الشمسية المنخفضة بشكلٍ خاص، ويمكن رؤية الأضواء في أقصى الجنوب مثل قمة إسكتلندا وحتى شمال إنجلترا.

وفي فرص نادرة الحدوث، تُرى الأضواء جنوباً، فقد شاهدها المستوطنون الأوروبيون أول مرة في نيو إنجلاند، وكما دون “سيدني بيرلي-Sidney Perely” في كتاب “العواصف التاريخية في نيو إنجلاند” الذي نُشر في عام 1891، في 15 أيار/مايو 1719، ولوحظ أول مرة أجمل وأبهر ظاهرة أورورا بورياليس بقدر ما يخبرنا أي سجل أو تقليد لتلك الفترة، ويُقال أيضاً إنه في إنجلترا لوحظ أول مرة قبل هذا التاريخ بثلاث سنوات فقط، وفي شهر كانون الأول/ديسمبر من نفس العام ظهر الشفق مرةً أخرى، وبدأ الناس بأخذ احتياطاتهم الشديدة، ليس خشيةً منه إلى حدٍ كبير على أنه وسيلة للدمار ولكن على أنه نذير للحرائق من اليوم الأخير العظيم ودلالة على مخاطر قادمة.

متى تُرى هذه الأضواء؟

الأضواء الشمالية موجودة دائماً، لكن فصل الشتاء عادةً ما يكون أفضل وقت لرؤيتها، بسبب انخفاض مستويات تلوث الضوء والهواء النقي، أيلول/أوغستس وتشرين الأول/أوكتوبر وآذار/مارس ونيسان/أبريل هي بعضاً من أفضل الأشهر لمشاهدة الشفق القطبي، ومن المعروف أن الأضواء الأكثر إشراقاً والأكثر نشاطاً لمدة تصل إلى يومين بعد نشاط البقع الشمسية والتي تكون في أعلى مستويات نشاطها وتقوم عدة وكالات مثل “ناسا- NASA” و”الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي- the National Oceanic and Atmospheric Administration “، بمراقبة النشاط الشمسي وإصدار تنبيهات الشفق القطبي عندما يُتوقع أن تقدم وبشكلٍ خاص عرضاً مثيراً للإعجاب.

المصدر

  • ترجمة: رغد المجبر
  • مراجعة: نور عبدو