fbpx
الفضائيون

ما العلاقة بين نشأة الصفيحات وتطور المشيمة؟

تمتلك الثدييات العديد من الصفات الفريدة؛ اثنان منها: منظومة الخلايا الكبيرة النواة/الصفيحات والمشيمة الغازية (المشيمة الدموية عندما تكون متصلة مع الأم).

لا تمتلك الطيور والزواحف -التي تشكل خطًّا تطوريًّا مُختلفًّا انفصل أسلافُه عن أسلاف الثدييات قبل نحو 300 مليون سنة- منظومةَ الخلايا الكبيرة النواة/الصفيحات، أما المشيمة الدموية فتوجد فقط عند الثدييات المشيمية (eutherian mammals)؛ إذا لا توجد عند الجرابيات (marsupials) مثل الكنغر ووحيدات المسلك (monotremes) مثل خلد الماء. نظن أن المشيمة الدموية تحتاج إلى جهاز الخلايا الكبيرة النوى/الصفيحات لكي تظهر وتعمل بكفاءة.

رسم يوضح تطور ظهور كل من منظومة الخلايا كبيرة النواة/ الصفيحات والمشيمة الغازية لدى الثدييات ويقارن فئاتها بعضها مع بعض ومع الزواحف. (نفس المصدر)

إن الولادة الطبيعية لوليد حي بدلًا من وضع البيوض أمرٌ واسعُ الانتشار، وقد تطورت الولادة عدة مرات لدى الأسماك والضفادع والسمندل والسحالي والثعابين والثدييات. بين الفقاريات؛ تغيب فقط عند دائريات الفم (cyclostomata) والعظائيات القوسية (archosaurs) التي تشمل الطيور والتماسيح. تطورت ولادة الأحياء أكثر من 100 مرة على الأرجح لدى السحالي والثعابين وحدها، تملك بعض اللافقاريات مشيمة والقدرة على ولادة وليد حي.

تطور تكاثر الثدييات

هناك أربعة أنواع من التكاثر في الثدييات: وضع البيوض عند وحيدات المسلك، وتعلق الجنين كما  في الجرابيات، والمشيمة العميقة في أغلب الثدييات المشيمية والرجوع إلى المشيمة غير الغازية كما هي الحال في الخيول والأبقار. 

إن أقدم نمط تكاثري معروف لدى الثدييات هو ذلك المميز لوحيدات المسلك؛ تلك الثدييات التي تضع البيض مثل خلد الماء التي لديها بالفعل آلية لتغذية الجنين من الأم؛ إذ تعبر المغذيات من خلال قشر البيض (oviparous matrotophy) (و هذا أمر غير شائع لدى الأنواع البيوضية الأخرى غير الثديية التي يعتمد الجنين فيها على صفار البيض مصدرًا وحيدًا للغذاء- lecithotrophic). 

بينما يتميز تكاثر الجرابيات بفترة طويلة نسبيًا من احتجاز البيض مع “الفقس” من البويضة داخل الرحم، ثم فترة وجيزة من الارتباط بالغشاء المخاطي الرحمي؛ إنها خطوة نحو الثدييات المشيمة. 

في الجرابيات غير الكنغرية (non macropod marsupials)، يحتجز الجنين فترةً وجيزًة للغاية؛ ما يتسبب في ولادته غير مكتمل النمو، في حين يكون الحمل أطول عند الجرابيات الكنغرية (macropod marsupials). 

خلد الماء – Ornithorhynchus anatinus .

تشير دراسات النسالة الجزيئية (molecular phylogeny) للثدييات إلى أن واجهة الجنين من جهة الأم كانت من المشيمة الدموية أو على الأقل في البطانة.

في الجرابيات، يشتمل الاتصال القصير للجنين بالرحم على التهاب الرحم يليه مخاض الولادة. وفي الثدييات المشيمية، ينطوي زرع الأجنة أيضًا على تنشيط الالتهابات، تليها استجابة مضادة للالتهابات. 

وبالتالي، كان الحدث الرئيس في تطور الحمل المشيمي هو القدرة على قمع الالتهاب المرتبط بالزرع؛ مما يسمح بالزرع العميق مع تدمير الأوعية الدموية للأمهات في موضع اتصالها بالجنين؛ مما يحميه من الاستجابات الالتهابية للأم. كان هذا التقدم نحو المشيمة الغازية لدى الثدييات المشيمية ممكنًا فقط في الحيوانات التي يمكن أن تتعامل مع عواقب الإرقاء الصعبة لزرع المشيمة الدموية.

تطور ووظيفة الخلايا الكبيرة النواة والصفائح الدموية

الصفائحُ الدموية خلايا إفرازيةٌ صغيرة مُستخلصة من الخلايا النخاعية؛ تتجمع الصفيحات في موقع النزيف لبدء تكوين الخثرة وإفراز عوامل النمو لإصلاح الأوعية الدموية. للصفائح الدموية وظيفة وهيكل مماثل في جميع الثدييات بما في ذلك وحيدات المسلك. 

وبالنسبة إلى تخثر الدم، تعتمد الزواحف والطيور على تجميع خلايا منواة منتشرة تسمى بالخلايا الصفيحية، والتي تكون أقل كفاءة من الصفيحات الدموية، بينما تعمل الخلايا الشبيهة بالخثرات -الموجودة في المفصليات- على تجلط الدم في الحشرات والخلايا الدموية في سرطان حدوة الحصان.
تدعم الظروف الفيزيائية والبيولوجية للدورة الدموية إنتاج الصفائح الدموية من الخلايا الكبيرة التي انتقلت في الدورة الدموية الوريدية من نقي العظم. 

تُنتَج الصفائح الدموية عن طريق التهشم الفيزيائي لسيتوبلازم الخلايا المنواة في الدورة الدموية الرئوية؛ إذ تخضع الخلايا المنواة لتفتل داخلي حقيقي؛ أي زيادة في محتوى الحمض النووي داخل غشاء نووي سليم. 

إن الخطوة الفريدة في التغيير من خلية نانوية ذات محتوى نووي متضاعف 2N إلى خلية منواة كبيرة متعددة الصبغيات كانت قد فشلت في وقت متأخر من الانقسام الخلوي؛ مما أدى إلى انقسام خلوي غير مكتمل في طور الصعود، ثم تكراره حتى 128N.

إن تجزئة الخلية المنواة متعددة الصبغيات إلى صفائح دموية كان من شأنه أن يعطي ميزة إنجابية بسبب تخثر الدم المحسن بعد الهجوم أو الإصابة. ثُم إن نسبة الخلايا المنواة إلى الصفيحات  Mk/P كانت قد أعطت تقدمًا في تخثر الدم الكمي؛ إذا أعطى الحجم الصغير زيادة كبيرة في مساحة السطح الخلوية وسرعة إفراز البروتينات المسؤولة عن التخثر. 

ميزة أخرى نوعية ه أكثر من 2N هي استجابة لخلايا الدم المكروية النزفية يمكن أن تزيد من محتوى الحمض النووي بسرعة، تصل إلى 128N، وتنتج صفائح دموية أكثر نشاطًا مع زيادة في كثافة المستقبلات، و المزيد من العضيات لكل وحدة حجم خلوية وسعة متزايدة في إنتاج بروتينات تخثر الدم ولتقليل مدة النزيف. 

تحتوي حبيبات الصفائح الدموية على نحو مائة من بروتينات الشحن التي تنتجها الخلية المنواة. ثم إن البروتينات المفرزة من الصفائح الدموية -والمعروفة أنها تعزز نمو الورم (مماثلة لنمو الجنين)- هي: EGF وPDGF وVEGF وTGF β.

سيناريو تطوري

واجه تطور المشيمة الدموية عائقين على الأقل: الالتهاب الناجم عن ارتباط الجنين ببطانة الرحم، وبعد ذلك تخثر الدم. في الجرابيات غير الكنغرية، يتبع ارتباط الجنين ببطانة الرحم بسرعة علامات مختلفة من الالتهابات، بما في ذلك ارتشاح الخلايا الحبيبية المتعادلة (neutrophils) ومخاض الولادة. 

على النقيض من ذلك؛ في الثدييات المشيمية، يتبع الارتباط / زرع الجنين مرحلة مضادة للالتهابات التي سمحت بتمديد الحمل لما يتجاوز طول دورة البويضة. 

إن حقيقة أن العمليات الالتهابية موجودة في كل من الثدييات الجرابية والمشيمية -على الرغم من وجود نتائج مختلفة- ترتبط بالعدوانية “العامة” للكيسات الأريمية (therian blastocytes)؛ فإنه يؤدي في المشيميات  إلى زرع، بينما في الجرابيات يكون الجنين -على الرغم من عدم حدوث الزرع- عدوانيًا تمامًا في مهاجمة الظهارة اللمعية للرحم (luminal epithelium of uterus). إن الاختلافات بين الثدييات الجرابية والمشيمية هنا ليست في الأجنة نفسها بل في استجابة الأم لوجودها.

حالما طورت الأم طريقة لقمع الالتهاب الناجم عن الجنين، نشأت مشكلة أخرى: تخثر الدم. تؤدي عملية تكوين المشيمة إلى التدمير الجزئي للأوعية الدموية للأم في بطانة الرحم، وبالتالي هذا يطرح السؤال عن كيفية اقتصار النزيف على منطقة المشيمة. 

تنشأ المشكلة الثانية عند المخاض إذ يُفصَل السطح الوسيط  بين الجنين – الأم، تاركة – في العديد من الأنواع- آفة عريضة مكشوفة في الرحم. إن تخثر الدم السريع والموثوق به عند الجرح ضروري لبقاء الأم. 

نشير إلى أن حقيقة أن الثدييات لديها نظام أكثر فاعلية بكثير لتخثر الدم من غيرها من الفقاريات (نظام MK / P) ربما كانت تمثّل مفتاحًا للتأسيس التطوري للمشيمة الدموية.

تختلف المشيميات اختلافًا كبيرًا في كيفية تنظيم السطح الوسيط للمشيمة الدموية؛ مما قد يؤدي إلى احتياجات مختلفة من تخثر الدم عند الولادة. ومن الأمثلة المتطرفة مثال ذلك حيوان المدرع ذي النطاقات التسعة (Dasypus novemcintus) الذي تكون مشيمته من الناحية التقنية هي مشيمة دموية؛ فزغب المشيمة (placental villi) على اتصال مباشر مع دم الأم.

 ومع ذلك، يتم تحقيق ذلك بأقل اختراق ممكن؛ إذ تخترق الزغابات المنفردة بطانة الرحم وتنمو نحو مساحات دم الأم المشكَّلة ولا تتوسع وتتشعب إلا بعد أن تصل إلى الدوالي. وبالتالي، فإن تخثر الدم في أثناء الزرع والحمل هو مصدر قلق ضئيل للغاية بالنسبة للمدرع، بالنظر إلى أن لديها مساحة محتواة جيدًا تكون فيها امتدادات المشيمة.

المدرع ذو النطاقات التسعة (Dasypus novemcintus).

إلى اليسار، نجد مشيمة المدرع ذا النطاقات التسعة في أثناء الحمل في الشهر الثالث، تشير الأسهم الصفراء إلى اتجاه توغل الزغابات المشيمية نحو جدار الرحم، وإلى اليمين رحم المدرع بعد الولادة، و يبدو الدم المتجلط واضحًا، تحتاج عملية الحمل والولادة لدى المدرع وجميع المشيميات الأخرى إلى آلية قوية وفعالة لتخثر الدم.

الخلاصة

تقتصر المشيمة الدموية العميقة الغازية على الثدييات المشيمية. و هذا أمر مفاجئ؛ نظرًا إلى العدد الكبير من الحيوانات غير الثديية التي طورت مشيمة ولودية. نؤكد على أن المشيمة الدموية تقتصر على فرع محدد من الثدييات؛ لأن الثدييات هي المجموعة الفقارية الوحيدة التي طورت نظامًا فعالًا وفريدًا للغاية من تخثر الدم: الصفائح الدموية. تُعد فعالية تخثر الدم ضرورية عند الولادة؛ إذ يمكن للحد الأدنى من الغزو المشيمي أن يؤدي إلى حدوث نزيف.

تعتمد جميع الثدييات حديثي الولادة -بغض النظر عن مدى تطورها عند الولادة- على الرضاعة الطبيعية لنموها الأولي وبقائها بعد الولادة، وبالتالي فإن بقاء الأم أمر بالغ الأهمية. 

وبالتالي، فإن تطور المشيمة الغازية من المرجح أن ينجح في سلالة لديها بالفعل نظام فعال للغاية من تخثر الدم قبل منشأ المشيمة العميقة. من وجهة نظر تطورية؛ تعد الصفائح الدموية عملية تمرد أدت إلى تطور المشيمة الدموية؛ أي سمة لها دور مهم ولكنها تطورت لغرض آخر قبل تولي هذا الدور. 

يمكن أن يطلق على الصفائح الدموية اسم “التفاؤل المتساهل”؛ لأنه قد سمح بتطور سمة جديدة هي المشيمة الدموية بدلًا من الحصول على وظيفة جديدة بحد ذاتها.

يعد إنتاج الصفيحات من الخلايا المنواة الكبيرة مجالًا مهمًا للبحث في الخثار الدموي. 

الأفكار المقدمة هنا قد تساعد في تحفيز الأبحاث الجديدة في القوى الخثارية القوية المرتبطة بتطور المشيمة؛ ولكنها تسبب أيضًا تخثر الشرايين البشرية.

المصدر

المُساهمون:
  • ترجمة: ميرا النحلاوي
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: نور عبدو

ميرا النحلاوي

طالبة طب بشري. لدي شغف بالكتابة و قمت بكتابة بعض المقالات الأدبية لعدة مجلات إلكترونية ثم قررت أن اجمع بين شغفي في دراسة الطب و الكتابة و وجدت أن الفضائيون هو المنبر المناسب لذلك.

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!