تشير عينات قديمة من الجينوم إلى انحدار أصول الفلسطينيين من أشخاص هاجروا عبر البحر المتوسط.

استعاد وحلل فريقٌ دوليٌّ، يقوده علماء من معهد ماكس بلانك لعلوم تاريخ البشرية Max Planck Institute for the Science of Human History وبعثة ليون ليفي Leon Levy Expedition، ولأول مرة، بيانات لجينوم أشخاص عاشوا في العصر البرونزي والحديدي (منذ نحو 3600 إلى 2800 سنة مضت) في مدينة عسقلان (أشكلون) Ashkelon القديمة، وهي إحدى المدن الفلسطينية الأساسية خلال العصر الحديدي. وجد الفريق أن أصلًا أوروبيًا قد دخل إلى عسقلان في نفس الوقت المُقدَّر لوصول الفلسطينيين Philistines، مما يدل على هجرة أسلاف الفلسطينيين عبر البحر المتوسط، ووصولهم إلى عسقلان في بدايات العصر الحديدي. لاحقًا امتزجت هذه السلالة الجينية أوروبية الأصل مع المجموعات الجينية المحلية المشرقية على مدى القرون التالية، مما يشير إلى اختلاط قوي بين السكان المحليين والأجانب. نُشِرت هذه النتائج الوراثية في مجلة Science Advances، وتُعَد خطوةً حاسمة نحو فهم أصول الفلسطينيين المُتنازع عليها منذ زمن طويل.

تنقيب في مقبرة الفلسطينيين بمدينة عسقلان. يشير الفحص الوراثي للأشخاص المذكورين في الكتاب المقدس إلى أصل أوروبي. © Melissa Aja. Courtesy Leon Levy Expedition to Ashkelon
تنقيب في مقبرة الفلسطينيين بمدينة عسقلان. يشير الفحص الوراثي للأشخاص المذكورين في الكتاب المقدس إلى أصل أوروبي. © Melissa Aja. Courtesy Leon Levy Expedition to Ashkelon

اشتهر الفلسطينيون بظهورهم في الكتاب المقدس العبري بكونهم الأعداء الرئيسيين للإسرائيليين Israelites. وعلى الرغم من ذلك، لا تخبرنا النصوص القديمة إلا قليلًا عن أصول الفلسطينيين بخلاف ذكرى متأخرة وردت في (عاموس 9: 7) تقول أن الفلسطينيين جاؤوا من كَفتور Caphtor (اسم كريت Crete خلال العصر البرونزي). اقترح علماء المصريات منذ ما يزيد عن قرن من الزمن أن مجموعةً تُسمى بيليسيت Peleset ذُكِرت في نصوص أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد كانت هي نفسها فلسطينيي الكتاب المقدس.

ذكر المصريون أن البيليسيت أو شعوب البحر سافروا من الجُزر، مهاجمين ما هو اليوم سواحل قبرص وتركيا وسوريا، وحاولوا غزو مصر في النهاية قبل أن يهزمهم الملك المصري رمسيس الثالث و يدون انتصاره على جدران معبده في مدينة هابو بالقرب من الأقصر حاليا بجنوب مصر. كانت هذه النقوش الهيروغليفية الإشارة الأولى إلى أن البحث عن أصول الفلسطينيين يجب أن يُركَّز في أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد. أكملت بعثة ليون ليفي إلى عسقلان في الفترة بين عامي 1985 و2016، وهي مشروع لمتحف هارفارد للسامية Harvard Semitic Museum،  البحثَ عن أصل الفلسطينيين في عسقلان، إحدى مدن الفلسطينيين الخمس وفقًا للكتاب المقدس العبري. قاد البعثة مؤسسها الراحل لورانس ستاغر Lawrence E. Stager، وتلاه دانييل م ماستر Daniel M. Master، وهو مؤلف الدراسة ومدير بعثة ليون ليفي إلى عسقلان، وَجد الفريق تغييراتٍ جوهرية في نمط الحياة خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد وربطوها بوصول الفلسطينيين. ولكن يرى العديد من الباحثين أن هذه التغييرات الثقافية كانت نتيجة التجارة أو محاكاة السكان المحليين للأنماط الأجنبية وليست نتيجة انتقال عدد كبير من الناس.

نقش على جدار معبد الملك رمسيس الثالث بمدينة هابو يخلد انتصاره على شعوب البحر.
نقش على جدار معبد الملك رمسيس الثالث بمدينة هابو يخلد انتصاره على شعوب البحر.

تمثل هذه الدراسة الجديدة تتويجًا لأكثر من ثلاثين عامًا من الأعمال الأثرية والبحث الجيني باستخدام أحدث التقنيات، التي تستنتج أن ظهور الفلسطينيين في بلاد الشام الجنوبية كان بسبب انتقال الناس من الغرب خلال التحول من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي.

الفجوة الوراثية بين شعبي عسقلان في العصرين البرونزي والحديدي

استعاد الباحثون بنجاح البيانات الجينية لبقايا 10 أشخاص عاشوا في عسقلان خلال العصرين البرونزي والحديدي؛ سمحت هذه البيانات للفريق بمقارنة الحمض النووي لأهل عسقلان بين العصر البرونزي والعصر الحديدي لتحديد مدى ارتباطهم ببعضهم. وجد الباحثون أنه وخلال الفترات الزمنية كلها أتت معظم سلالات الأفراد من مجموعة الجينات المشرقية المحلية، ولكن كان لدى الأفراد الذين عاشوا في بداية العصر الحديدي في عسقلان مكوّن وراثي أوروبي لم يوجد في أسلافهم من العصر البرونزي.

يشرح ميشيل فيلدمان Michal Feldman من معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشرية، وهو المؤلف الرئيس للدراسة:

“يعود هذا الاختلاف الجيني إلى دخول الجينات الأوروبية إلى عسقلان إما خلال نهاية العصر البرونزي أو بداية العصر الحديدي. ويتوافق هذا التوقيت مع تقديرات وصول الفلسطينيين إلى الساحل الشرقي للمتوسط، استنادًا إلى السجلات الأثرية والكتابية. في حين تقترح محاكاتنا وجود تجمع جيني من جنوب أوروبا كمصدر معقول، فإنه من الممكن لاختبار العينات مستقبلًا أن يحدد وبشكلٍ أكثر دقةً التجمع السكاني الذي جاء بالجين الأوروبي إلى عسقلان”.

التأثير المؤقت لتدفق الجين الأوروبي

وجد الباحثون عند تحليل أفراد العصر الحديدي المتأخر في عسقلان أنه لم يعد من الممكن تتبع الجين الأوروبي. يقول تشونجوون جيونج Choongwon Jeong، أحد المشاركين في الدراسة من معهد ماكس بلانك لعلوم تاريخ البشرية:

“خلال أقل من قرنين من الزمن، لم يعد من الممكن كشف هذه البصمة الوراثية التي دخلت خلال بدايات العصر الحديدي، ويبدو أنها اختلطت مع المجموعات الجينية المحلية المشرقية”.

يشير ماستر:

“وفقًا للنصوص القديمة، ظل سكان عسقلان في الألفية الأولى قبل الميلاد يُعتبَرون فلسطينيين بالنسبة لجيرانهم، ولكن تَميُّز تركيبهم الوراثي لم يعد واضحًا، وربما يرجع ذلك إلى التزاوج مع المجموعات المشرقية من حولهم”.

يوضح يوهانس كراوس Johannes Krause، مشارك رئيسي في الدراسة من معهد ماكس بلانك لعلوم تاريخ البشرية:

“بدأت هذه البيانات في سد الفجوة الزمنية في الخريطة الوراثية للمنطقة الجنوبية من ساحل المتوسط الشرقي. في الوقت نفسه، من خلال التحليل المقارن للتركيب الوراثي لسكان عسقلان، نجد أن الميزات الثقافية الفريدة في العصر الحديدي المبكر تتوافق مع تركيبة وراثية مميزة للأشخاص في بدايات العصر الحديدي”.

المصدر

  • ترجمة: رأفت فياض
  • مراجعة: ريتا ترشحاني & محمد علي