in ,

اكتشاف مضادات حيوية قوية باستخدام الذكاء الصّنعي AI

اكتُشِفت جزيئات دوائية باستخدام تقنيات تعلم الآلة (machine learning) تعمل حتى ضد سلالات البكتيريا المعندة على العلاج.

حددت مقاربةٌ رائدة باستخدام التعلّم الآلي أنواعًا قويةً جديدةً من المضادات الحيوية من أصل أكثر من 100 مليون جزيء، تتضمن نوعًا يعمل ضد طيفٍ واسعٍ من البكتيريا من ضمنها الجرثومة المسببة لداء السُّل tuberculosis وسلالات تُعتبر معندة على العلاج.

يعتبر الباحثون الصّاد الذي يُدعى هاليسين halisin،المضاد الحيوي الأول الذي اكتُشِف باستخدام الذكاء الصُّنعي artificial intelligence (AI).

على الرغم من استخدام الذكاء الصنعي في أجزاء من عملية اكتشاف المضادات الحيوية من قبل؛ يقول الباحثون إن هذه هي المرة الأولى التي تُحدَّدُ فيها أنواعٌ جديدةٌ بالكامل من الصفر، دون استخدام أيّ افتراضاتٍ بشريةٍ مسبقةٍ.

نُشر هذا العمل الذي قاده جيم كولينز (Jim Collins)، عالم البيولوجيا التركيبية synthetic biologist، في مجلة Cell.

يقول جايكوب دورانت (Jacob Durrant)، عالم البيولوجيا الحاسوبية computational biologist: “الدراسة مبهرة”. ويضيف: “لم يحدد الفريق مرشحين فقط هذه الجزيئات المكتشفة، إنما أتاح أيضًا التحقق منها في دراسات على حيوانات التجربة. ماذا أيضًا؟ يمكن تطبيق هذه المقاربة على أنواعٍ أخرى من الأدوية؛ مثل الأدوية المُستخدَمة في علاج السرطان أو الأمراض العصبية التّنكّسية neurodegenerative diseases”.

تزداد مقاومة البكتيريا للصادات بمعدلٍ كبيرٍ في أنحاء العالم، ويتوقع الباحثون أنه إذا ما تطوَّرت أدوية جديدة بسرعة، ستقتل العدوى المقاوِمة 10 ملايين إنسان كلّ عامٍ بحلول عام 2050.

لكن؛ خلال العقود الأخيرة الماضية أصبح اكتشاف الصادات الجديدة ونظام قبولها أبطأ، ويقول كولينز: “يستمر الباحثون في إيجاد جزيئاتٍ متقاربةٍ مرةً تلو الأخرى؛ نحن بحاجة إلى استخدام موادَّ كيميائيةٍ جديدةٍ وآليات عملٍ جديدة”.

انسَ افتراضاتك 

طوّر كولينز وفريقه شبكة عصبونية صنعية artificial neural network لتتعلم خصائصَ الجزيئات ذرةً ذرةً؛ إذ دُرّبَت على تحديد الجزيئات التي تثبط نمو بكتيريا الإيشيريشيا القولونية باستخدام مجموعة من 2,335 جزيئة والتي تعمل الصادات عليها، كما أن E.coli هو نوعٌ من الجراثيم التي توجَد عادةً في أمعاء الإنسان؛ أغلب أنواعها غير ممرضة وتُربَط غالبًا مع التسمم الغذائي، لكنها قد تسبب التهابًا رئويًا، كما تسبب ما تتراوح نسبته بين 75% و95% من حالات إنتانات المسالك البولية (1).

يتضمن هذا مكتبةً تتألف من نحو 300 صادٍّ مُوافَق عليه، إضافة إلى 800 منتجٍ طبيعي من النبات والحيوان والجراثيم.

تقول ريجينا بارزيلاي (Regina Barzilay)، باحثة في مجال الذكاء الصنعي وكاتبة مشاركة في الدراسة: “تقوم الخوارزميةُ على التنبؤ بوظيفة الجزيء دون أي افتراضات بخصوص كيفية عمل الأدوية ودون تصنيف المجموعات الكيميائية، ونتيجةً لذلك؛ يمكن للأنموذج أن يتعلم أنماطًا جديدةً غير معروفةٍ لدى الخبراء البشريين”.

استخدم الباحثون الأنموذج بعد برمجته لمسح screen مكتبةٍ تُدعى مركز إعادة تحديد غاية الدواء the Drug Repurposing Hub والتي تحوي نحو 6000 جزيءٍ قيد التحقيق لمعرفة ما إذا كانت مسببةً للأمراض البشرية.

طُلب من الأنموذج التنبؤ بما سيكون فعّالًا ضد جرثومة الـ E.coli، وإظهار الجزيئات التي تبدو مختلفةً عن الصادات التقليدية فقط.

اختار الباحثون من النتائج 100 مرشحٍ تقريبًا للتجربة على الجسم؛ أحد هذه الجزيئات هو جزيءٌ جاري البحث بشأنه على أنه علاجٌ للسكري، و تبيّن أنّه مضادٌّ حيوي فعّال يُسمّى هاليسين، وهو مستوحًى من HAL؛ الحاسوب الذكي في فيلم 2001: رحلة فضاء طويلة (2001: A Space Odyssey).

كان هذا الجزيء فعّالًا ضد طيفٍ واسعٍ من المُمْرِضات pathogens في الاختبارات على الفئران، من ضمنها سلالة من المطثيات العسيرة Clostridioides difficile، توجد هذه الجرثومة في الهواء والماء والتراب وبراز الإنسان والحيوان، ويملك العديد من الناس الجرثومة دون أن تظهر عليهم أعراض، تنتشر عادةً في المنشآت الصحية مثل المشافي، وتسبب التهاب الكولون، وأحد مظاهر العدوى بها الإسهال الشديد الذي ينتهي بالتجفاف (2)، والراكدة البومانية Acinetobacter baumannii وهي نوع من الجراثيم التي تملك مقاومة عامة لكل الصادات pan-resistant وتحتاج لصاداتٍ جديدةٍ بسرعة؛ تُعزل غالبًا في المشافي وتتركّز في الإفرازات التنفسية وتفضِّل الأوساط المائية، ويمكن أن تسبب التهاب رئوي وإنتانات المسالك بولية (3).

إحصار البروتون proton block

تعمل الصادات بآليات متعددة، مثل إحصار الإنزيمات التي تتدخل في التخليق البيولوجي لجدار الخلية أو إصلاح الحمض النووي أو تخليق البروتين، لكنّ آلية عمل الهاليسين غير تقليدية: إذ يقوم بتعطيل جريان البروتونات عبر غشاء الخلية، تكمن أهمية البروتونات في مدروج البروتونات الذي يُبنى عبر الغشاء الداخلي للميتاكوندريا والذي يمثل شكل مخزون للطاقة (4).

أظهرت الاختبارات الأولية على الحيوانات أيضًا أن سمّيته منخفضة، وأنه قوي ضد المقاومة.

يقول كولينز: “تُظهر التجارب المقاومة لمركبات الصادات الأخرى خلال يوم أو يومين، لكن حتى بعد مرور 30 يوم  على نفس الاختبار لم نجد أي مقاومة ضد الهاليسين”.

بعدها مسح الفريق أكثر من 107 مليون بنية جزيئية ضمن قاعدة بيانات تدعى ZINC15. من قائمة قصيرة تتألف من 23، حددت الاختبارات الفسيولوجية 8 جزئيات تمتلك فعاليّة ضد البكتيريا، امتلكت اثنان منها فعاليةً قويةً ضد طيفٍ واسعٍ من المُمرضات، وتمكّنت من القضاء حتى على سلالات ال E.coli المقاومة للصادات.

يقول بوب مورفي (Bob Murphy)، عالم بيولوجيا حاسوبية: “هذه الدراسة مثالٌ عظيم عن النمو المتزايد في العمل باستخدام الطرائق الحاسوبية لاكتشاف خصائص الأدوية المحتملة والتنبؤ بها”، كما يشير إلى تطوير أنظمة الذكاء الصنعي بغرض إيجاد قواعد بيانات ضخمة من الجينات والمُستقْلَبات لتحديد أنماط جزيئية قد تتضمن مضادات حيوية جديدة. 

ولكن يقول كولينز وفريقه أن مقاربتهم مختلفة؛ إذ بدلًا من البحث عن بِنية محددة أو تصنيفات جزيئية، فإنّهم يدربون شبكتهم للبحث عن جزيئات تملك نشاطًا محددًا.

يأمل الفريق الآن أن يتعاون مع مجموعةٍ خارجيةٍ أو شركةٍ لإدخال الهاليسين في التجارب السريرية، ويريد أيضًا توسيع نطاق المقاربة لإيجاد المزيد من المضادات الحيوية الجديدة وتصميم جزيئات من الصفر؛ إذ تجمع هذه الدراسة كل شيء، وتُظهِر بوضوح ما يمكن فعله. 

المصادر والمراجع:

  • إعداد: ريتا ترشحاني.
  • مراجعة: نور عبدو - مرح مسعود.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

ماتقييمك للموضوع؟

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

كيف تبدو الإصابة ببكتيريا MRSA؟

الرياضيات في دقيقة: التباعد الاجتماعي