fbpx
الفضائيون

ميكانيك الكمّ للمبتدئين – الجزء الثاني

رأينا في المقال السابق أنّ الذرات والجزيئات في المستوى المايكروسكوبي لا تتصرّف بشكل يمكن التنبؤ به حيث أنّ الإلكترون يتصرّف مثل موجِّه عندما لا تتم مراقبته، ويمثل هذا الموجِّه احتمالات وجوده في مكان ما، ولكن عند مراقبته سوف يتصرّف كجسيم والسؤال الذي قد يطرحه البعض هو: لماذا يتصرّف الإلكترون بهذه الغرابة ولا تتصرّف كرة التنس هكذا مثلاً؟

وبصيغةٍ أخرى، لماذا لا تدخل كرة التنس من الشقين بنفس الوقت عندما لا تتم مراقبتها؟ لماذا لا تتصرّف الأجسام الكبيرة مثل الصغيرة؟

في الواقع، تمتلك الأجسام الكبيرة خاصيّة موجيّة مثل الأجسام الصغيرة تماماً، ولكن الفرق هو أنها تمتلك طاقةً أكبر وترتبط الطاقة الكبيرة للأمواج مع التردّدات العالية والطول الموجيّ الصغير جداً، فسيكون لموجة كرة البيسبول طول موجي يساوي 33-^10 متر

E=h.f = h/ λ

(تتناسب طاقة الجسم عكسياً مع الطول الموجي وطردياً مع التردّد).

ويمكن ملاحظة أنّ تفاعل الأمواج ذات التردّدات العالية مع بعضها يختلف عن ذلك في التردّدات المنخفضة نسبياً “مثل الإلكترون مثلاً”

فعندما تمرّ الموجة عالية التردد لن يظهر نمط التداخل كما في حالة الموجة منخفضة التردد وسوف تكون النتيجة مشابهة للسلوك الجسيمي، ولذلك لا تظهر الخاصية الموجية في حالة الأجسام الكبيرة، بل تظهر في الصغيرة فقط. ولنعد إلى حالة الإلكترون. سوف نقوم بتجربة ذهنية، كما في الصورة، سوف نضع جسماً خلف كل فتحة.

نقوم بقذف الإلكترون باتجاه الحائط، ونراقب ذلك، سوف يسلك الإلكترون سلوك الجسيم، وسوف يدخل من إحدى الفتحتين ويقوم بصدم أحد الجسمين وإيقاعه أرضاً.

لكن ماذا لو قذفنا الإلكترون ولم نراقب النتيجة؟

في الواقع عندها سوف تدخل موجة الاحتمالات من كلا الفتحتين وسوف يصبح حدث صدم الإلكترون للجسمين أيضاً تابعاً لموجة الاحتمالات، ومهما انتظرنا قبل أن نراقب النتيجة فلن يكون للجسيمن أي وضع محدد، وتبعاً للرياضيات التي تشرح الدّالة الموجيّة، فإنّ أيّاً من الحالتين هو ليس أكيداً وفقط عندما نقوم بالمشاهدة، سوف نرى النتيجة وسوف يكون أحد الجسمين واقعاً بينما الآخر واقفاً. وفي الواقع الأمر ليس أنّنا نحن فقط لا نعرف النتيجة قبل أن ننظر، بل يبدو أنّ الكون نفسه لا يعرف أيّ جسم قد ظل واقفاً وأيّ جسم قد وقع حتى نقوم نحن بالمراقبة.

التشابك الكميّ “الفعل الشبحي عن بعد”

يحدث التشابك الكميّ عندما يرتبط جسيمين، بحيث إن حدث تغيّر في خصائص أحدهما فذلك سيؤدي لتغيّر خصائص الآخر مباشرةً، حتى لو فصلت بينهما مسافات هائلة، وأطلق آينشتاين على هذا الأمر “الفعل الشبحي عن بعد”، واعتبره مستحيل الحدوث لكون أن المعلومات يتوجب عليها الانتقال أسرع من الضوء، واتضح لاحقاً أنها لا تخرق فعلاً النسبية الخاصة، وأنّ آينشتاين كان مخطئاً. تمتلك الجسيمات الكميّة خاصية تسمى باللّف المغزلي spin وهي تعبّر عن العزم الزاوي للجسيم الأولي، سوف نتخيل هذه الخاصية بشكل كلاسيكي ونتخيل جسيماً يدور حول نفسه، وسوف يعبّر سهم تخيلي عن اتجاه دوران الجسيم. نحن نستطيع توليد أزواج من الجسيمات من جسيم لا يحتوي على دوران، إذاً الجسيمات الناتجة يجب أن تكون متعاكسة للحفاظ على كمية الحركة، ونعلم من ميكانيك الكم أنّ حالة هذه الجسيمات ليست محددة حتى تتم مراقبتها وعند مراقبتها سوف تمتلك إحدى الحالتين “أعلى أو أسفل” وقبل ذلك لن تكون لها حالة محددة، وأثبتت التجربة أنه في حال قمنا بمراقبة أحدها ومعرفة اتجاه دورانه فسوف يصبح اتجاه الآخر معاكساً مباشرةً حتى لو فصلت بينهما مسافات كبيرة وكأن هنالك رابط خفي يصل بين هذه الجسيمات.

وقد تمّ إجراء الكثير من التجارب لإثبات ذلك وكانت توقعات ميكانيك الكم صحيحة، وفي عام 2015 تمّ إجراؤها على زوج من الفوتونات تفصل بينهما مسافة 100 كم.

ظاهرة النفق الكمي

لكي نستطيع فهم النفق الكمي علينا أن نتذكر أنّ الجسيمات لا تمتلك مكاناً محدداً، وبالمقابل فإنّ جميع الجسيمات يتم وصفها بما نسميه “دالة الموجة” حيث احتمال تواجد الجسيم في مكان معين يعطى بأخذ مربع مطال الموجة في هذا المكان.

فمثلاً في تجربة الشقّ المزدوج تعبّر الموجة عن احتمالية تواجد الإلكترون في مكان ما، والجسم باللون الأحمر هو المكان ذو أكبر احتمال أن نجد به الإلكترون عند المراقبة.

لنفترض مثلاً أننا نتجاوز بهذه الكرة جبلاً، فسوف نحتاج لتحريك الكرة من فوق الجبل، أي أننا سوف نعطي الجسم طاقةً حركية والتي بدورها سوف تتحول في قمة الجبل إلى طاقة كامنه .Ea

في ظاهرة النفق الكمي، سيستطيع الجسيم تجاوز هذا الجبل من دون أن يصعد فوقه. فهنالك احتمال -تبعاً لدالة الموجة- أن يتجاوز جسيم يحمل الطاقة E حاجزاً يحمل طاقة U، حيث ستُظهر دالة الموجة انخفاضاً متزايداً ضمن هذا الحاجز إلا أنها سوف تستمر بعد تجاوزه.

في النهاية سوف يكون احتمال تواجد الجسيم بعد الحاجز ضئيلاً إلا أنه ليس صفراً، تم التحقق من هذه الظاهرة من خلال التجارب وتستخدم هذه الظاهرة في العديد من مكونات الأجهزة الإلكترونية.

مبدأ الريبة

يعتبر مبدأ الريبة أو مبدأ هايزنبرغ أحد نتائج الطبيعة الموجية للمادة، حيث يضع حدوداً لمدى دقة قياسنا لزوج من الخواص المتكاملة “مثل المكان وكمية الحركة” أو “الطاقه والزمن” حيث أنّه كلما زادت دقة قياسنا لمكان جسيم ما، كلما قلّت معرفتنا عن كمية حركته، وبالعكس، حيث يأخذ المبدأ الشكل الرياضي:

Δx عدم التعيين بمكان الجسيم.
Δp عدم التعيين بكمية حركة الجسيم.
h ثابت بلانك المصغر.

فكلما قلّ عدم التعيين بخاصية، كلما ازداد في الأخرى، لكن لماذا؟

الجسيمات عموماً تمتلك مكاناً محدداً، بينما الموجات من الناحية الأخرى هي مجرد تموجات متوزعة في الفضاء، ويمكننا أن نعرف خصائص هذه الموجة مثل الطول الموجي الذي يعبّر عن كمية الحركة، فطول موجي أكثر يعبّر عن كمية حركة أقل، ولكن لا يمكن أن نعطي الموجة مكاناً محدداً، فإنّ جسيماً ما ذو كمية حركة معروفة، سوف نعرف طول موجته تماماً، لكن لا يمكن معرفة مكانه حيث أنّ لموجته نفس المطال “احتمال التواجد” في كل نقطة من الموجة، يمكننا أن نمتلك بعض المعرفة عن مكان الإلكترون في حال قمنا بجمع العديد من الموجات سويةً.

يمكن اعتبار احتمالية تواجد الإلكترون وكمية حركته عدوّين لدودين، حين يوجد أحد منهما في مكان يتعذر وجود الأخر، بما أنه هناك مناطق ذات مطال أكبر. إذن لقد ازدادت معرفتنا باحتمالية تواجد الإلكترون في مكان ما، ولكن في الوقت نفسه قل تعييننا بكمية حركته، بما أنّ الموجة تشكلت من موجات عديدة ذات أطوال موجية مختلفة، وإذا قمنا بقياس كمية حركة الجسيم فسوف تنهار الأمواج المضافة إلى إحدى الأمواج التي قمنا بإضافتها، ومجدداً فلن نمتلك أية معرفة بخصوص مكان الجسيم. إذا أردنا حصر مكان الجسيم بمكان أضيق أكثر، فسوف نضيف المزيد من الموجات مما سيعني المزيد من عدم التعيين في كمية حركة الجسيم. مبدأ الشك ليس مجرد وضع حدود على “دقة قياسنا” بل هو وضع حدود على الخواص الفعلية التي يمتلكها الجسم.

في هذه التجربة تضييق الفتحة التي تمر منها الفوتونات سوف يؤدي لزيادة التعيين في مكان مرورها في الفتحة، مما سيؤدي إلى توسّع في الضوء لتخفيض التعيين في كمية حركة الفوتونات “اتجاهها” بشكل مشابهه، إذا قمت بحصر إلكترون بصندوق وقمت بتضييق هذا الصندوق تدريجياً لحصر الإلكترون بمكان محدد فسوف يخترق هذا الجدار.

المُساهمون:
  • إعداد: حكم الزعبي
  • مراجعة: شادي القصاص
  • تدقيق لغوي: هيفاء السليمان

تعليقات

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!