in

في اعتلال الشبكيّة السّكري، الاعتلال العصبيّ يسبق الاعتلال الوعائي

Retinal diabetic neuropathy precedes microvasculopathy in diabetes

بدايةً ما هو السّكَري؟

السُّكّري Diabetes Mellitus: حالةٌ مزمنةٌ طويلةُ الأمد  تؤثّر على قُدرة جسمك على استخدام الطاقة المخزّنة في الطعام. إذ يقوم جسمك في الحالة الطبيعية بهدم السكريات المتناولةِ إلى سُكّر مميّزٍ هو سكر الغلوكوز Glucose. يُعتبر سكّر الغلوكوز هذا وقوداً لخلايا جسمك، ولكن لا تستطيع معظم الخلايا قبطهُ دون وجودِ هرمون الأنسولينInsulin ، ويصل إليها كلّ من الغلوكوز والأنسولين عبر مجرى الدم. في حالة السكري إمّا أنّ جسمك لا يُصنّع كميةً كافيةً من الأنسولين أو لا يستطيع استخدام الأنسولين المُصنَّع بسبب مقاومةِ الخلايا له نتيجة خلل في المستقبلات أو كلّاً منهما.
وبما أنّ الغلوكوز لم يدخل إلى الخلايا فسوف يتراكم في مجرى الدم وهذا ما يدعى بـhyperglycemia أو ارتفاع سكر الدم، مما يؤدّي إلى أذية في الأوعية الدموية الصغيرة نتيجة المستويات المرتفعة من سكر الدم.

للسكري نوعان:

نوع أول: المعتمد على الأنسولين أو الشبابيّ، غالباً ما يدعى juvenile-onset diabetes كونُه يبدأ منذ الطفولةِ غالباً. يُعالج عبر حقنِ الأنسولين خارجيّ المصدر لمدى الحياة تحت الجلد في النسيج الشحميّ.
نوع ثانٍ: غير المعتمد على الأنسولين أو السّكريّ الكهليّ، لا يحتاج في علاجه إلى الأنسولين ولكن يحتاج لمراقبةٍ دقيقةٍ لصحّة الجسم من تمارينٍ رياضيّةٍ إلى توازنٍ غذائيٍّ خاص.

يُفرز الأنسولين من الخلايا B (بيتا) داخلية الإفراز في جزر لانغرهانس في البنكرياس إلى مجرى الدم ليمارس تأثيره على خلايا الجسم الأخرى.

pancreas
تُظهر الصورة مقطعاً نسيجيّاً في غدة البنكرياس ملوّن بالهيماتوكسيلين-إيوزين، الجزء المركزيّ يُظهر جزيرة لانغرهانس والتي تحوي أنماطاً مختلفةً من الخلايا داخليّة الإفراز ومنها الخلايا B (بيتا)، وتُلقي بمفرزاتها في أوعيةٍ دمويّة مجاورة. أمّا الجزء المحيطيّ، يحوي عنباتٍ مصليةٍ صرفةً مُفرزة للأنظيمات الهاضمة وتُلقي بمفرزاتها ضمن قناةٍ مُفرغةٍ إلى السبيل الهضمي.

الآن نبدأ بهذا البحث الجديد:

تحمِلُ دراسةٌ عن الاعتلالات البصريّة المُرافقة للسّكّري من جامعة آيوا  Iowa أخباراً جيّدةً وبعض الأخبار السيّئة للمرضى الذين يملكون علاماتٍ لهذه الاعتلالات.

عَلِم العلماء لأمدٍ طويلٍ بأنّ مرضى السُّكري مُعرّضين بدرجةٍ أكبر لظهور اعتلال الشبكيّة السكري Diabetic Retinopathy، السببُ الأكثر شيوعاً لفقدان الرؤية غير العكوس لدى البالغين.

يحدُثُ فقدانُ الرؤية نتيجة تلف الأوعية الدموية الدقيقة في الشبكية. والأشخاص المصابون بالسكّري لا يعلمون عادةً أنّهم أكثر عُرضةً لخطرِ ظهور الاعتلال العصبيّ Neuropathy – تنكُّسُ الخلايا العصبيّة العقديّة في الشبكية والتي تشكّل أليافها العصبيّة العصب البصري المسؤول عن الرؤية.

اعتقد العلماء لسنواتٍ عديدةٍ أنّ اعتلال الشبكية -والذي يحدث نتيجة تضرر الأوعية الدموية- يحدث أولاً لدى الأشخاص المُصابين بالسكري ثم يتبعه الاعتلال العصبي، حيث كان الأطباء يركّزون على الكشف المُبكر ومعالجةِ اعتلال الشبكيّة لتجنّب فقدانِ الرؤية، واعتقدوا بذلك أنّهم يمنعون الأضرار الناجمة عن الاعتلال العصبي.

في هذه الدراسة الجديدة، اكتشف الباحثون أن تسلسل الأحداث التي تحدُث في الشبكية بسبب السكري هو عكسُ تلك المُعتقدات طويلةِ الأمد تماماً.

يقول مايكل أبراموف Michael Abramoff طبيبٌ ودكتور وأُستاذ في جامعة آيوا في طبّ العين والعلوم البصريّة في معهد ستيفن وين Stephen A. Wynn  للأبحاث البصريّة وكبيرُ مؤلّفي هذه الدراسة: “ما اكتشفناه هنا، لسوءِ الحظّ، أنّ الأذيّة العصبيّة في الحقيقة تحدُثُ أولاً قبل الأذيّة الوعائيّة.”، وأضاف أيضاً: “وحتى الأشخاص المصابين بالسكري والذين لم يحصل لديهم اعتلال الشبكية بعد؛ مازالوا معرّضين للإصابة بهذا الضرر، وقد يكون ذلك الضرر شديداً بعد سنواتٍ عديدةٍ، مثل مرض الزّرق1 Glaucoma.”

يقول إيليوت سون Elliott Sohn، طبيب وأستاذٌ مساعدٌ في جامعة آيوا في طب العين والعلوم البصرية وأوّل مؤلّفي الدراسة: “بشكل أساسيٍّ، تسلسل الضرر المُحَدث في الشبكيّة والناتج عن السكري مُختلِفٌ عمّا كنّا نعتقده بالأصل، ووقْفُ تأثيراتِ الاعتلال الشبكيّ بمفرده غيرُ كافٍ لحمايةِ الألياف العصبيّة في الشبكية”.

درس كلّ من سون وأبراموف مع زملائهم من جامعتي آيوا وأمستردام 45 شخصاً مصاباً بالسكري وليس لديهم اعتلالٌ شبكيّ سكري بعدُ أو لا يزال بمراحلهِ البدئيّة، ووجدوا فُقداناً مستمرّاً وخطيراً للألياف العصبيّة قبل أن تظهر الأذيّة الوعائية في الشبكية بسبب السكري.

في الوقت ذاته أجرى الباحثون مُقارنةً لـ6 متطوعين مصابين بالسكري وليس لديهم اعتلالٌ شبكيّ سكري بعد أو لا يزال بمراحله البدئية من جهة، و6 متطوعين غير مصابين بالسكري من جهة أخرى، ووجدوا ترققاً متناظراً لطبقة الألياف العصبيّة في أعيُنهم، حيث كانت تلك الطبقة أرق بشكل ملحوظٍ مما هي عليه لدى الأشخاص السليمين.

يقول أبراموف بأنّ الأخبار الجيّدة تكمن في الفهم الأفضل لتسلسل الأذيّة قد يقود إلى علاجاتٍ جديدةٍ تُركّز على منعِ تضرّر الألياف العصبيّة وبذلك نأمل ردع اعتلال الشبكيّة الوعائي.

نُشِر البَحثُ في مجلة  PNAS.

Ophthalmoscope01
تُظهر الصورة قعراً سليماً لعينٍ يُمنى ، مفحوصاً بمنظار قعر العين Ophthalmoscope، نرى الأوعية الدموية تتشعّع من القرص البصري ذي اللون الأبيض الصدفي. يحوي القرص البصري على الألياف العصبية الواردة من الشبكية والمشكلّة للعصب البصري، والأوعية الدموية من شريان ووريد عيني. لايحوي مستقبلات للضوء. تظهر الشُرينات المتشعّبة من الشريان العيني بحجمٍ أصغر من الوريدات، ولونِ كُلّ منهما أحمر لكن الشُرينات لونها أفتح بقليل من الوريدات. إلى جانب القرص البصري توجد اللّطخة الصفراء- المنطقةُ المسؤولة عن الرؤية الأكثر دقّةً في الشبكية والتي تحوي مستقبلاتٍ ضوئيّةٍ مخروطيّةِ الشكلِ فقط.
Ophthalmoscope02
تُظهر الصورة اعتلالَ شبكيةٍ سكريٍّ تكاثريٍّ2 ومُتقدّمٍ مترافقاً باعتلالٍ إقفاريّ في اللطخة الصفراء Ischemic Maculopathy . لاحظ الندب الليزريّة المُشكّلة من ليزرِ التخثير الضوئي تشغل كامل الشبكية بما فيها مناطق الشبكة البؤرية المُعالجة بالليزر ضمن اللطخة الصفراء. التنكّسُ الواسعُ في الأوعية الدموية الشعريّة تمثّلُ المرحلةُ الأخيرةُ في اعتلال الشبكية الوعائيّ السكريّ. على الرَّغم من أنّ كميّة إضافيّة من الليزر قد تُوقف التغيّرات ِالتكاثريّةِ، تبقى رؤية قليلة جداً ثانوية لانسداد الطبقة الداخلية من الجملة الوعائية للشبكية.
Ophthalmoscope03
تُظهرُ الصورةُ توسعاً مركزياً للقرص البصريّ بسبب الزرق.

الزرق1 Glaucoma: مجموعةُ أمراض في العين تتصفُ عادةً بازدياد الضغط داخلِ العين Intraocular pressure المُسببّ لتغيّراتٍ مرضيّة في القُرص البصريّOptic Disc  وبالتالي أذية العصب البصري، كما ويؤثّر على حقل الرؤية.

والمُصطلح المتداول بين الناس “الماء الزرقاء” يُقصد به مرض الساد والذي هو تخثّر للألياف البروتينيّة في الجسم البلوري في العين مع التقدم في السن ويُصحّح باستبداله بعدسةٍ صنعيّة، وهو مُختلف كُلّياً عن الزرق Glaucoma.

اعتلال الشبكية التكاثري2 Proliferative Retinopathy: يَتّصفُ بتشكُّل أوعيةٍ دمويّة جديدةٍ      Neovascularization في الشبكية والقرص البصري ، والتي من الممكن أن تبرُز في الخِلط الزجاجي Vitreous، كما ويتّصِف أيضاً بتكاثر نسيجٍ ليفيّ ونزف الخِلط الزّجاجيّ Vitreous Haemorrhage، وأخيرأ انفصال الشبكيّة مؤدّياً لفقدانٍ في الرؤية، يحدُث في العديد من الحالات الإلتهابيّة وفي السكري Diabetes Mellitus.

R
تُظهر الصورةُ رسماً تخطيطاً لشُرين وخلية هامشية Pericyte تُحيط به في شبكية العين. في حالة السكري تزدادُ نسبة الغلوكوز في الدم مما يؤدي إلى دخوله إلى الخلايا الهامشية مؤدياً لتوذّمها وزيادة حجمها فتضغط على الوعاء الدموي مسببة تضيقاً به ونقصاً في التروية “إقفار” فيتحرض تكاثر شاذّ لأوعيةٍ جديدةٍ لتأمين ترويةٍ للشبكيّة كما وتحدُث نزوفٌ في الشبكية.
  • إعداد: نسيم الخوري.
  • مراجعة: مصطفى بجود.

بواسطة مصطفى بجود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

كيف يتشكل كل من النفط والغاز الطبيعي؟

الاستجابةُ المناعيّةُ ضدّ الإنفلونزا هي مُسبِّبةُ الوفاة لدى المسنين وليس الفيروس ذاته