fbpx
الفضائيون

نشأة الزراعة وقُدرة البَشر على التحدثِ

تجد إلى اليمين فكًّا لجمجمةِ ذكرٍ بالغٍ من الحضارةِ الإغريقية، عمرُها 2500 سنة تُظهر تداخلاً بين الفكِّ العُلوي والسُّفلي، أمّا على اليسارِ فكٌّ لجمجمةِ أنثى صائدة قديمة من رومانيا، بدون ظاهرة التداخل بين الفكّين. 

فصاحة الإنسان اللغوية لمْ تكن خاصيّة جامدة غير قابلة للتغير، ونشوء الزراعة هو ما يثبت ذلك!  

على مدارِ 6000 عام وما نحوها، استبدلت المجتمعات الزراعية النّباتات ولحوم الحيوانات البريّة صعبة المضغ (الحمية الغذائية لمجتمع الصيد وجمع الثمار*) بمنتجات الألبان والحبوب الزراعية، وتسبّبَ هذا الانتقال للأطعمة المُعالَجة واللّيّنة في تعديل بنية الفك عند الإنسان على مدار الوقت، مما سهّل نطقَ حروفٍ مثل “f” و”v” وتسبّب في تغيّرِ اللغات عالميّـًا كما يزعم العلماء.  

فالنّاس الّذين يمضغون الطّعامَ الأكثر صلابة، مثلَ لحوم الطرائد عند نشأتِهمْ يفقدون التداخل بين الفكّين العُلوي والسُّفلي مع الوقت، على عكس الأفراد الّذين يمضغون الطعام الليّن منذ الصِغر؛ فهم يحتفظون بذلك التداخل كما صرّح عالم اللّغويات المقارنة Damián Blasi وزملاؤه من جامعة زيورخ، وأوضحت المُحاكاة الحاسوبيّة أنّ البالغين أصحاب التداخل بين الفكّين المذكور آنفـًا لديهم قدرة أفضل على نطق بعض الأصوات التي تتطلب المُلامسة بين الشِفّة السُّفليّة وأسنان الفكّ العلوي.  

ويُصنّف اللّغويون تلك الأصوات تحت اسم الأصوات الشفوية الأسنانية – Labiodentals  وهي متواجدة في نصف لغات العالم، وعندما تبيّن “Blasi” وفريقه التغير في اللغات الهندو- أوروبية- تلك المستخدمة امتدادًا من آيسلندا حتى الهند- وجدوا أنّ احتمالية ظهور الأصوات الشفوية الأسنانية قوية جدًا خلال الـ 6000 – 7000 سنة الماضية وهذا صحيح؛ لأنّه خلال تلك الفترة حمية الطعام التي تعتمد على منتجات الألبان والحبوب الزراعية المطحونة أخذت في الظهور، وتلك الأصوات ظهرت مؤخرًا في فصيلتنا البشرية خصوصـًا في تلك المجموعات الّتي يكون فيها أكل الطّعام اللّيّن جزء من عادتها الغذائية.  

تتفق معهم عالمة اللغويات من جامعة ييل Claire Bowern الّتي لم تشارك في الدراسة؛ حيثُ أنّه إذا أصبحت بعض الأصوات أسهل في النطق، فإنّ احتمالات تواجد تلك الأصوات في اللغات تكون مرتفعة، ولكن لا يُشترط حدوث تغيّر في كيفية نطق الكلمات، لذا الاندماج السريع للأصوات الشفوية الأسنانية في اللغات يُعد مفاجأة.  

ظلّ عُلماء اللّغويات يعتقدونّ أنّ البشرَ لطالما كان عندهم القدرة على نطق جميع الأصوات المتواجدة في الـ 7000 لغة الحية حاليـًا، وأحد العناصر الهامة الخاصة بالقدرة على الحديث مثل الحنجرة- موقعها أسفل الرقبة- قد تطورت منذ 500,000 عام مضت في فصائل الهومو البشرية* المنقرضة حاليّـًا، وبالتالي أصبحت فصيلة Homo sapiens الإنسان العاقل مجهزة للقدرة على الحديث منذ ظهورها من 300,000 عام مضت، لكن في عام 1985 م صرّح عالم اللُغويات “Charles Hocket” أنّ لغات مجتمعات الصيد وجمع الثمار لم تحتوي على أصوات شفوية أسنانية؛ لأنّه بمجرد الوصول لبدايات سن الرُّشد تبدأ الأسنان في التآكل نتيجة مضغ أطعمة صلبة، ممّا ينتج عنه تغيّرات في بُنية الأسنان، فتتراكب الأسنان العُلوية مباشرةً فوق الأسنان السُّفلية ممّا يُشكّل صعوبة في نطق الأصوات الشفويّة الأسنانية، وبناءً عليه استنتج إذا كانت وجهة نظره صحيحة؛ فإنّ وجود الطعام الليّن في المجتمعات الزراعية عليه أنْ يحافظ على وجود ذلك التداخل بين الفكّين، ممّا يزيد من احتمال احتواء لغات تلك المجتمعات على أصواتٍ شفويّة أسنانية.  

وبالفعل، المحاكاة الحاسوبيّة الّتي أُجريت في الدراسة الجديدة أثبتت فكرة “Hocket”، فقد تبيّن أنّ الانتقال من فكّين متراكبين فوق بعضهما إلى فكين متداخلين، أدّى إلى سهولة ملحوظة في نطق الأصوات الشفوية الأسنانية، وبعد عمل تحليل إحصائي للغات ونمط حياة حوالي 2400 من سكان العالم، تبيّن أنّه بالمتوسط يوجد صوت شفوي أسناني واحد في حديث الصائدين (جامعي الثمار) بين كل أربعة أصوات، وذلك للّذين يقومون بإنتاج ومعالجة الطعام، ولُوحِظ وجود أصوات شفوية أسنانية في لغات مجتمعات الصيد (جمع الثمار) في جرينلاند وجنوب إفريقيا وأستراليا بعد فحصٍ دقيق، وتُشير السّجلّات التاريخية إلى استعارة بعض المجتمعات للأصوات الشّفوية الأسنانيّة من المجتمعات الصّناعية.  

ويُفسر انتشار المَيْل إلى النُطق الخاطئ للأصوات إلى سرعة انتشار الأصوات الشفوية الأسنانية السريع في اللغات، كما وضّح عالم الأحياء التطورية “Mark pagel” من جامعة ريدنج بإنجلترا؛ حيث إذا أصبحت الأصوات الشفوية الأسنانية أسهل في النطق نسبيـًا، سيجعل هذا احتمال نطقها بالصدفة عاليـًا وبالتّالي تنتشر سريعـًا في العديد من اللغات حسب تخمينه.  

كما لُوحِظ أنّ التداخل بين الفكّين قد زاد خصوصـًا بعد الثورة الصناعية في أوروبا في نهايات القرن الثامن عشر، بالإضافة إلى ازدياد الأطعمة المُعلّبة والمُعالَجة واستخدام أدوات الطعام مثل الشوكة في المجتمعات الغربية قد حافظ بصورة أكبر على ذلك التداخل.  

حاشية

  • مجتمعات الصيد- جمع الثمار: يُقصد بها مجتمعات الإنسان البدائي قبل الاستقرار قرب مصادر المياه وعمله بالزراعة وإقامة مجتمعات حضارية؛ حيث كانت حياته في تلك الفترة قائمة على التنقل والصيد وجمع ثمار النباتات.  
  • فصائل الهومو البشرية: حيث Homo باللاتينية تعني إنسان، هي العائلة الّتي يندرج تحتها العديد من الفصائل المُنقرضة آخرها هو الـHomo sapiens  فصيلة الإنسان العاقل. 

المصدر

المُساهمون:
  • ترجمة: عبد الفتاح حسن
  • مراجعة: فريز إبراهيم
  • تدقيق لغوي: عبود أكرم

فريز ابراهيم

أنا من سوريا، طبيب عام تخرجت عام 2017 ومقيم حالياً في السويد، أحب أن أساعد في نشر العلم الذي تفتقر له بيئتنا بشدة.

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!