أدوار الكيمياء في السينما

0 212

للفنّ السّابع معجبون ومتابعون في شتّى أصقاع الأرض، وذلك يرجع للقدرة الفائقة التي تتمتع بها الأفلام السّينمائيّة في إيصال المعلومات ورواية القصص باستعمال الصّورة. ويعود نجاح هذا المجال إلى حرفيّة الفرق التّقنيّة وبراعة الممثّلين، لكنّ أغلبنا يجهل أنّ للجزيئات الكيميائيّة أيضًا “أدوارًا تؤدّيها” بكلّ براعةٍ. فلنتعرّف عليها في هذا المقال …

  • الشّرارات والألعاب النّاريّة: تعتمد هذه التّأثيرات على القيام بالتّفاعلات الكيميائيّة المنتجة لكمّياتٍ ضخمةٍ من الحرارة (exothermic)، وذلك لاستخدامها في المشاهد التي تحتاج إلى الأضواء السّاطعة والأصوات العالية، كمشاهد الانفجارات على سبيل المثال. تُحدَث هذه التّفاعلات عادةً في أنابيب خاصّةٍ، تنتهي بخزّانٍ مُعدٍّ لاحتواء الغازات القابلة للاشتعال كالبروبان (C3H8) والأوكسجين (O2)، التي سرعان ما تقوم بالتّأثير المطلوب حال ظهور شرارةٍ كهربائيّةٍ في الخزّان، لتقوم بالتّفاعل التّالي:
    C3H8 + 5 O2 –> 3 CO2 + 4 H2O.
  • بقع الدّم: أكثر ما يميّز الدّم البشريّ هو لونه القاني. ولذا، يكتفي خبراء الخدع السّينمائيّة باستعمال سائلٍ لزجٍ يُلوَّن ببعض الملوّنات الغذائيّة المضافة إلى نوعيّةٍ خاصّةٍ من الأمزجة للحصول على هذا اللّون. على سبيل المثال، يعتبر مزيج ثيوسيانات البوتاسيوم الذي يوضع على جلد الlمثل مع نترات الحديد والذي يوضع بدوره على حافة الأداة المستخدمة كالسكين أكثرها انتشارًا، وهو ما يؤدّي إلى التّفاعل التّالي:
    Fe(NO3)3 + 3KSCN –> Fe(SCN)3 + 3KNO3
    وبهذه الطّريقة، يمكّننا ثالث ثيوسينات الحديد (Fe(SCN)3) من رؤية اللون الأحمر على جلد الممثّل، أو أريكة مسرح الجريمة.
  • الزّجاج المتكسّر: تتميّز أفلام المخاطرة عادةً ببعض الحركات المبهرة والمشاهد البهلوانيّة التي تحبس الأنفاس، والتي تنتهي عادةً بكمّياتٍ هائلةٍ من الزّجاج المحطّم والمتناثر في كلّ مكانٍ. وبسبب كون ذلك مصدر خطرٍ عظيمٍ على الممثّلين وكلّ فريق العمل، وجب تعويض هذه المادّة بأخرى أكثر أمانًا. ولهذا السّبب، يتكوّن الزّجاج الذي نراه على شاشاتنا من مزيجٍ عجيبٍ يجمع بين مسحوق الذّرّة والسّكّر والبوتاسيوم. ولتكوين هذا الخليط، تتمّ إذابة السّكّر في الماء وإيصال المحلول إلى 100 درجةٍ مئويّةٍ، لتتمّ إضافة الذّرّة والبوتاسيوم بعدها إليه، وهو ما يعطيه قوام الزّجاج البلّوريّ الشّفّاف. ورغم فاعليّة هذا البديل، إلاّ أنّه قد تمّ تعويضه حاليًّا ببعض اللّدائن الحراريّة كالبيكولاستيك (PiccolasticTM) والبيكوتاكس (PiccotexTM) المشتقة من السّتايرين Styrene)). إذ تلعب الخصائص الفيزيائيّة لهذه الموادّ دورًا فعّالًا في سهولة تشكيلها على الشّكل الذي يحتاجه المشهد المصوَّر، وذلك من خلال تعريضها إلى درجة حرارةٍ تساوي 300 درجةٍ مئويّةٍ. إضافةً إلى ذلك، تمثّل سهولة إعادة استخدام هذه الموادّ بعد تكسيرها حافزًا كبيرًا من النّاحية الاقتصاديّة.
  • أصوات إطلاق النّار: تأتي أصوات الطّلقات النّاريّة في الأفلام من المفرقعات، حيث تُحرَق بعض المساحيق المتفجّرة في أنابيب ضيّقةٍ، وذلك إثر تفعيل شرارةٍ كهربائيّةٍ فيه. ويعود سبب هذا الصّوت إلى الكمّيّة الكبيرة من الطّاقة الحراريّة التي تصاحب عمليّة الاحتراق، بالإضافة إلى ظهور العديد من الجزيئات الغازيّة التي تُنتجها. يتكوّن هذا المسحوق من 75% من نترات البوتاسيوم، %10 من الكبريت و%15 من الفحم، ممّا يجعل عمليّة الاحتراق كالآتي:
    4KNO3 + C7H4O + 2S –> 2K2S + 4CO2 + 3CO +2H2O +2N2
  • الدّخان: يعمد خبراء السّينما إلى العديد من الحيل العتيقة التي تمكّنهم من تصوير الدخان والضّباب المصطنعَين، وذلك عن طريق سكب المياه المغليّة على الثّلج الصّناعي الجافّ (وهو عبارةٌ عن ثاني أكسيد الكربون الصلب)، أو فتح قارورةٍ مليئةٍ بالنّيتروجين السّائل، والذي لا يلبث أن يصل إلى مرحلة الغليان عند تواجده في درجة حرارةٍ طبيعيّةٍ ممّا يجعله يطلق غازًا كثيفاً أبيض اللّون. إلاّ أنّ بعض الطّرق الحديثة أثبتت نجاحها كـ “آلة دخان الجلايكول” (Atomized glycol smoke machine).
    تعتمد هذه الآلة على تسخين مادّة الجلايكول السّائلة، ثمّ ضغطها لتحويلها إلى غازٍ يماثل قوامه الضّباب كما نراه في الصّورة. لكن رغم فاعلية كلّ هذه الطّرق، تبقى آلة تكثيف الماء أكثرها استخدامًا في وقتنا الحاليّ، وذلك لسهولة استخدامها وعدم خطورة الماء المستعمل، بعكس مادّة الجلايكول التي يمثّل بعض أنواعها خطرًا حقيقيًّا على صحّة الإنسان، كإثلين الجلايكول. كما تكون نتيجة تكثيف الماء إلى بخارٍ أكثر فاعليّةً لتماثل قوامه مع الضّباب الحقيقيّ، وهو ما يعطي انطباعًا أفضل لدى المشاهد.

Atomized glycol smoke machine 

  • الثّلج: كثيرا ما تمّت محاكاة الثّلج عن طريق استعمال الجليد الصّناعيّ أو حتّى قطع الورق المجعّد، ناهيك عن الوسائل التّقليديّة التي تشمل نثر الأرزّ وحبّات البطاطا المقطوعة. إلاّ أنّ الوسائل الكيميائيّة التي لا تمثّل خطرًا على البيئة لا تُعدم في هذه الحالة أيضًا، ومنها بوليمير بولي أكريلات الصّوديوم (Sodium Polyacrylate)، والذي يتكوّن إثر ربط أحاديّات الـ [(CH2-CH(COONa]. حيث يحصل هذا المركّب على قوام الثّلج المعروف إثر اختلاطه بالماء بفضل قدرته العالية على امتصاصه، إذ يمكن لهذا البوليمير أن يمتصّ كمّيةً منه تفوق أضعاف كمّية المسحوق نفسه.
  • الجلد الصّناعي: تُعتبر عمليّة محاكاة الجلد من أصعب ما يعترض مخرجي السّينما، وذلك بسبب معرفة المتفرّج التّامّة لهذا العضو واعتياده عليه. فإذا ما كان الجلد الصّناعيّ المستعمل غير متقن الصّنع، تسبّب ذلك في إفساد المشهد وإضاعة معانيه. لذلك، يعمد خبراء الخدع السّينمائيّة إلى إحداث قطع الجلد الصّناعيّ لكلّ ممثّلٍ على حدة، وذلك ضمانًا لتطابقه مع جلده الحقيقي. فعلى سبيل المثال، يُصنع وجه الممثل وأجزاءٌ من جسده باستخدام مجسّمٍ من الطّين يكون في هيئة ملامح الممثّل، يُغلّف فيما بعد بمادّةٍ لها قوام الجلد البشريّ، كاللاّتكس أو الجيلاتين أو السّيليكون، والتي تُلصق على وجه الممثل لتأخذ شكل مظهره الحقيقيّ. وبهذه الطّريقة، يصبح من السّهل تغيير ملامح الممثّل من دون أن يضرّ ذلك بمصداقيّة المشهد المراد تصويره.
    يتكوّن اللاّتكس من سلسلة بوليمراتٍ تُستخرج من شجرة المطّاط، تُمزج فيما بعد لمدّةٍ معيّنةٍ تتفاوت حسب الحاجة. بعدئذ، تُضاف إليه بعض المحفّزات الكيميائيّة التي تساهم في الإسراع في عمليّة تبلوره، وذلك قبل وضعه في الفرن ببضع ساعاتٍ ليكون جاهزًا بعدها. حيث تكون الحرارة بمساعدة العوامل المبلورة المضافة قد ساهمت في ربط جزيئات اللاّتكس ببعضها البعض إلى الحدّ الكافي، الذي يصير معه الإستعمال ممكنًا.
  • الأسلحة النّاريّة: تتوقّف أهمّيّة هذا النّوع من الخدع السّينمائيّة على التّأثير الذي تقوم به على المتفرّج من خلال قدرتها على إصدار الشّرارات النّاريّة بطريقةٍ  تبدو طبيعيّةً. إلاّ أنّ ما يخفيه العاملون في هذا المضمار كفيلٌ بجعل أكثر المغرمين بأفلام الحركة والخيال العلمي يصابون بالإحباط، حيث يعمد منتجو هذا النّوع من الأفلام على الاستعانة بنفس مبادئ تشغيل مصابيح الغاز التّقليديّة. حسنًا، فلنكن أكثر واقعيّةً. تُملأ خزّانات هذا النّوع من الأسلحة المزيّفة بكربيد الكالسيوم (CaC2) والماء. فإذا ما ضغط الممثّل على الزّناد، تكوّن في الحال غاز الأستيلين (C2H2) حسب التّفاعل التّالي:
    CaC2 + 2H2O –> C2H2 + Ca(OH)2.
    وحال تكوّنه، يتعرّض هذا الغاز إلى عمليّة احتراقٍ عن طريق جهازٍ شبيهٍ بشموع إنارة السّيّارات، يُثبَّت في مقدّمة المسدّس: C2H2 + 5/2 O2 –> 2CO2 + H20.
    وبما أنّ هذا التّفاعل الأخير طاردٌ للحرارة، ينتج عنه حدوث الشّرارة الشّهيرة المصاحبة لآخر مشاهد جيمس بوند الخرافيّة.


    المصادر: 
    الأول 
    الثاني 
    الثالث 
    الرابع 

 

  • إعداد: طه ياسين بن إبراهيم
  • مراجعة: سارة تركي
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
Loading...