تحدثنا في مقالنا السابق عن معادلة شرودنجر، وكل ما يلزمنا معرفته حول النظام الكمومي. في هذا المقال سنستعرض مثالاً فيزيائياً لتوضيح عمل معادلة شرودنجر في الحركة. باستخدام الفيزياء البسيطة، سنقوم باستعراض حل لمشكلة وجود جُسيم يتحرك داخل صندوق. ثم سننتقل لشرح ظاهرة غريبة نوعاً ما تُسمى بـ”نفق الكم  Quantum Tunneling”.

لنفترض وجود جُسيم يتحرك ويقفز داخل صندوق مكوّن من حائطين. ثم افترض أنّ الجُسيم يتحرك باتجاه واحد فقط وليكُن المحور السيني X-axis. حَركة الجُسيم داخل الصندوق ستكون بين حائطين عموديين ومنيعين، أي أنّ الجُسيم لا يستطيع اختراق حدّيّ الصندوق. وللتوضيح سنستخدم الحد الأول للصندوق عند X=0 والثاني عند X=L.

[better-ads type=”banner” banner=”13615″ campaign=”none” count=”2″ columns=”1″ orderby=”rand” order=”ASC” align=”center” show-caption=”0″][/better-ads]

وبما أنّه لا توجد أي قوى تؤثّر على الجُسيم داخل الصندوق، ستكون إذاً طاقة الوضع له تساوي الصفر، في الفترة عند   وسيكون رمز طاقة الوضع هو V. كُل هذه الحالات تعني أنّ هُناك قوى لانهائية تدفع الجُسيم إلى داخل الصندوق عند اصطدامه بأحد الجدارين، فتكون طاقة الوضع خارج الصندوق لانهائية، أي عند   و  .

صورة توضيحية لطاقة وضع الجُسيم داخل الصندوق

وبما أنّ المثال يتضمنّ أنّ طاقة الوضع لا تعتمد على الزمن، يمكننا استخدام معادلة شرودنجر غير المعتمدة على الزمن في داخل الصندوق. وباعتبار V=0  كما ذكرنا سابقاً سينتج:

حيث أنّ m هي الكتلة، وE هي الطاقة الكلّية للجسيم، و hهو ثابت بلانك.

أضف على ذلك، إنّ حل المعادلة السابقة هو الاقتران  والذي سيحقق المعادلة عند اشتقاقه، وسيكون الحل بالصيغة التالية:

حيث يكون الحدّين Aو B ثابتان.

وعند الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي وضعنا الجُسيم فيها داخل الصندوق (حدود الصندوق)، ومن خلال عدّة عمليات رياضيّة مُعقدة نوعاً ما سينتُج لدينا الشكل التالي:

بمعنىً آخر، وعند أخذ صيغة أكثر شمولية لمعنى المعادلة السابقة:

حيث أنّ n هي عدد صحيح موجب. وهذا يُخبرنا أنّ طاقة الجُسيم لا يمكن أن تكون إلّا على شكل قيم مُنفصلة:

ولتوضيح معنى الرقم n أكثر: إنّ الرقم الكمّي n=0 يكوّن  En = 0 – ويُعطي اقتران موجي مساوٍ للصفر أيضاً في أي مكان داخل الصندوق، مما يعني أنّه لا يمكن للجُسيم أن يكون في كل الأماكن داخل الصندوق. ولتجنّب هذه النتيجة، تم استثناء الحد الصفري في المعادلة، لتصبح القيم: n = 1,2,3… .

الطبيعة المزدوجة للضوء هي الفكرة الأساسية في ميكانيكا الكم

 

إنّ حقيقة أنّ طيف الطاقة مُنفصل، وحقيقة وجود بعض قيم الطاقة الممنوعة في الطبيعة – مثل أن تكون الطاقة صفر مثلًا هي نتائج لا يمكنك الحصول عليها من خلال الميكانيكا الكلاسيكية. في الواقع، هي حقائق تحصل عليها من الحكمة المنطقية والتقليدية، والتي تعتبر أنّ الطاقة هي إحدى الكمّيات التي يجب أن تختلف وتتنوع بشكل مستمر، كما ذكرنا في مقالنا السابق أنّ “الطبيعة لا تقوم بقفزات”. إنّ الفيزياء الكلاسيكيّة تُخبرنا بأنّ أقل طاقة يمكن أن يمتلكها النظام هي صفر، وتُسمى بالحالة الأرضيّة أو الفراغ. لكنّ النتائج الكمومية الغربية تتوافق مع المُشاهدات التطبيقيّة للنظام الكمومي. ونأخذ طيف الطاقة المُنفصل لذرّة الهيدروجين كمثال على هذه الحالة.

وبعد سلسلة طويلة من المُعادلات والاشتقاق، نستنتج التالي: كلّما زادت كتلة الجسم المحصور وكلّما زاد حجم الصندوق، فإنّ الفرق في الطاقة يؤول إلى الصفر. بمعنى أنّ مستويات الطاقة للجسيمات الكبيرة متقاربة جدّاً، لدرجة أنّه لا يمكن الفصل ومعرفة مستويات الطاقة غير المسموح بها – أي أنّ الطاقة تبدو مُستمرة في تلك الحالة.

النفق الكمومي

[better-ads type=”banner” banner=”13615″ campaign=”none” count=”2″ columns=”1″ orderby=”rand” order=”ASC” align=”center” show-caption=”0″][/better-ads]

والآن سنقوم بتغيير مثالنا السابق بشكل بسيط، لنفترض أنّ الجُسيم لا زال يتحرك على المحور السيني، لكن افترض أيضاً أنّ طاقة وضعه صفر عندما تكون $-\infty < x \leq 0$  و عند$L \leq x < +\infty $، وتكون لا تساوي صفراً عند$0 < x < L.$.

العلاقة بين طاقة الوضع للجسيم والمسافة التي يقطعها.

هذا هو الحاجز الاحتمالي، حيث تُخبرنا الفيزياء الكلاسيكيّة أنّه اذا كانت حركة الجُسيم باتجاه المحور السيني السالب، أي باتجاه الصفر، يمكنها أن تخترق المنطقة بين L و 0 إذا وفقط إذا كانت طاقته أعلى من $V_0$ وهي الموضّحة في الرسم السابق.

نُشبّه المثال السابق بمثال أكثر وضوحاً، وهو امتلاكك لكرة ذات كُتلة مُعيّنة تمت دحرجتها على تلّة من الأسفل إلى الأعلى، إذا امتلكت الطاقة الكافية ستصل إلى قمّة التلّة، وبالتالي تكتسب طاقة وضع مساوية لحاصل ضرب كتلتها مع تسارع الجاذبية الأرضية مع الارتفاع العمودي للتلّة $V_0 = mgH,$

مثالُنا مشابه للكُرة، إذا لم تمتلك الكُرة الطاقة الكافية للوصول للقمّة، لن تمتلك طاقة وضع، والفرق في مثالنا أنّ المُنحدر هُنا يُصبح عموديّاً، وذلك بسبب قفزة طاقة الوضع غير المتصلة بين 0 و$V_0$، وتمتلك سطحاً مستوياً بسبب ثبات طاقة الوضع في تلك الفترة.

في ميكانيكا الكم، عرِفنا أنّه يمكن للجُسيم الوصول إلى قمّة المُنحدر هذا، بل والوصول إلى الطرف الآخر من “التلّة الاحتمالية” حتى لو كانت طاقته أقل من . لن نخوض في تفاصيل حلّ مُعادلة شرودنجر بهذه الحالة، لكن يتّضح أنّ الجُسيم حتى لو جاء من اليسار في المحور السيني، لديه احتمالية لتخطّي الحاجز والتواجد داخل المنطقة المذكورة، حتى لو لم يمتلك الطاقة الكافية لذلك، ويُعزى هذا بسبب الطبيعة الموجيّة وحلّ الاقتران الموجي للجسم. مع أنّه في الميكانيكا الكلاسيكيّة لا يستطيع ذلك، بل إنّ اعتبار ذلك ضربٌ من الخيال في الكلاسيك، لكنّه مُمكن وبشدّة في حالة ميكانيكا الكم.

بشكلٍ عام، فإنّ النفق الكُمومي يعني أيّ حالة يستطيع فيها جُسيم تخطّي حاجز ليس من المفترض تخطّيه في الفيزياء الكلاسيكية. إنّ النفق الكمومي لا يحدث في الطبيعة، على سبيل المثال عندما يتحول اليورانيوم إلى ثوريوم بما يُسمى بعملية الاضمحلال الإشعاعي، حيث أنّ نوى الذّرات تُشع جُسيمات ألفا (التي تتكون من بروتونين ونيوترونين وتُشابه في بنائها نوى الهيليوم). بالاعتماد على الفيزياء الكلاسيكية، فإنّ عملية الإشعاع للجُسيم هذا يجب أن تكون مُستحيلة، حيث تتطلب كمّيّةً من الطاقة أعلى مما تمتلكه النواة. لذا، فإن التفسير الوحيد لها هو النفق الكمومي، حيث تُنجز النوى هذه العملية.

اقرأ أيضا: معادلة شرودنجر
  • إعداد: محمد يامين
  • مراجعة: رأفت فياض