in

أبجدية جينات جديدة تعيد كتابة الحياة!

حتى وقتٍ ليس ببعيد كانت الحياة على الأرض محكومةٌ بسلاسلَ طويلةٍ من الحمض النوويّ الريبيّ منقوص الأُوكسجين الــDNA، والمكوَّن من تتالي 4 أحرف فقط تمثل الأسس الآزوتية وهي الـG,T,A,C ، هذا التتالي يحدد كل ما نراه بدءًا من شكل بيضة الدّجاج انتهاءً بلون بشرتنا.

أعطى فكُّ شِفرة هذه اللغة العلماءَ رؤيةً جديدة غيرَ مسبوقةٍ للطريقة التي يقوم بها الـDNA بترميز الحياة، إلّا أنّهم عندما أصبحوا طليقين بهذه اللغة أدركوا مدى تقييد مصطلحاتِها لقدراتِها، فأرادوا توسيع قدرات الطبيعة لتُلائم حاجات الجنس البشري، فقاموا بالخطوة البديهيّة التالية ألا وهي إضافة المزيد من الأحرف.

أضافَ الدكتور “فلويد رومزبرغ” وفريقه أساسين آزوتيين جديدين وقاموا بدمجهما بنجاح وبشكل دائم في الحمض النووي لجراثيم الإيشيرشيا القولونية وأطلقوا عليهما الأحرف X,Y، مما قرّب العالِم فلويد خطوة من تحقيق هدفه بالتلاعب بـDNA  العضيّات لتنتج بروتينات لم تراها الطبيعة من قبل.

يقول د.روزمبيرغ: “عندما تأخذ بعين الاعتبار الخصائص التي يمكن أن يمتلكها البروتين والأمراض التي يمكن أن يعالجها، والمحددة بالأحماض الأمينيّة المكونة لسلاسل الحمض النووي المرمّز لهذه البروتينات” مشيرًا بهذه المقولة بشكل عكسي إلى الوحدات البنائية التي تصنع البروتين من الـDNA  المعروفة بالأسس الآزوتية G,A,T,C.

يعطي تتالي هذه الأحرف في جيناتنا بشكل محدد للغاية أحماضًا أمينيّة محددة للغاية والتي بدورها تتجمع لتعطي بروتيناتٍ محددة، حيث أنّه يوجد في البيولوجيا 20 حمض أميني يرتبطون مع بعضهم بأنماط مختلفة لتشكيل البروتينات. أمّا بالنسبة للكيميائيين فالعديد من هذه الأحماض الأمينية هو “زائد” و”غير مهم بتاتًا” وفقًا لقول رومزبرغ.

لذلك ستتيح إعادة كتابة “شيِفرة الحياة” فرصة إنتاج أحماض أمينية “غير طبيعية” والتي تستطيع الارتباط مع بعضها لتشكيل بروتينات تمتلك وظائفَ غيرَ مسبوقةٍ. الاحتمالات مفتوحة إلّا أنّ تعديل البروتينات من أجل استخدامات دوائية هو أولوية رومزبرغ.

تنفق شركات الأدوية سنويًّا مليارات الدولارات لاختبار العلاج المبنيّ على البروتينات والتي تستطيع علاج الأمراض التي لا يمكن للأدوية العاديّة المكوَّنة من جزيئات صغيرة علاجُها، كبعض أمراض المناعة والسرطان.

يضيف رومزبرغ: “قدّمت الأدوية المكوَّنة من البروتين أول تأثير ملحوظ على تقدم الأمراض، مطيلةً بذلك فترة الحياة للمرضى“.

بالتالي فلا عجبَ من كون غالبيّة الأدوية التي يتم اختبارها من قبل منظمة الغذاء والدواء الأمريكية هي بروتينات، ويقدَّر بأن قيمة صناعة بروتينات البلازما ستساوي 31 مليارَ دولارٍ بحلول عام 2024.

إلّا أنّ المشكلة مع البروتينات –المشتقة من مصادر طبيعية– هي أنّها غير قابلة للتعديل كما الجزيئات الصّغيرة من أجل تطوير الأدوية، وهو علم يتضمن إدخال أوتاد صغيرة بشكل مريح في فتحات غريبة الشكل لتعديل خصائصها، الأمر الذي يعد أساسيًّا في هذا العلم. فما نفع الأدوية الرابطة للحمض النووي إن لم تحقق هذه الصفة؟

تأتي هنا أهمية الأبجدية الجينية الموسَّعة حيث أنّها ستمكّن رومزبرغ -نظريًّا- من تكوين تتالي الـ DNA متضمنًا X.Y  ليتلاعب بتتالي الأحماض الأمينية الطبيعية وغير الطبيعية في البروتين الذي يريد أن يُخَلّقه. سيساعده في ذلك النماذج المحوسبة التي تستطيع أن تخبره عن أيّ حمض أميني سينتج نتوءًا هنا وانخماصًا هناك، مما يمكنّه من تعديل البروتين ليلائم الموقع الهدف ومستقبلاته.

“نستطيع تطوير بروتينات لها خصائص جديدة تمامًا (قدرات جديدة لعلاج أنماط مختلفة من الأمراض بشكل أفضل) مستندين لامتلاك هذه الأحماض الأمينية الصنعيّة فيهم”

إلّا أنّه وقبل أن يتمكن رومزبرغ وفريقه من إنتاج البروتين النهائي الذي يرجونه يجب عليهم أن يتجاوزوا خطوة صعبة -يعملون عليها- ألا وهي أن يجعلوا تتالي الأُسس المُرمِّز لهذا البروتين مُدمجًا في الحمض النووي لهذه العضيّات مذكّرًا إيّانا بأن البيولوجيا الصنعية هي علم وليد وأن جعل عضيّة تحافظ على الأسس الجديدة (X,Y) في حمضها النووي لعدة أجيال هو أمر صعب للغاية. فبعد أن اكتشفوا ذلك أصبحوا يتطلعون لتعديل البروتين وتغيير الكيمياء الأساسية في العضوية بأنفسهم.

يتصور رومزبرغ مستقبلًا ليس ببعيد يستطيع فيه الإنسان التلاعب بالحمض النووي لعضيات أخرى مما يخلق علاقة تكافلية معها. “عوضًا أن تخدعهم ليصنعوا بروتينًا وتسرقه منهم، تستطيع أن تجعل خلاياهم تصنع بروتينًا ستستخدمه بنفسها“.

على سبيل المثال في حال أعطى الأساسين  XوY بروتينًا سيسمح للبكتيريا بأكل النفط الخام فنكون بذلك قد وفرنا على أنفسنا عناء حصد هذا البروتين حيث نلقي بالبكتيريا في التسريبات النفطية والجميع سيكون سعيدًا عندها، ولا يوجد احتمالية لخروجها عن السيطرة حيث أن هذه الجراثيم لا تستطيع تخليق الأساسين بنفسها، وبالتالي إذا لم يزودها الإنسان بها فلن تستطيع التضاعف وبالتالي سيكون الموت المحتّم مصيرَها”.

إنّ ما يقوم به رومزبرغ للأبجدية الجينية يشابه بطريقة أو بأخرى ما قدّمه شكسبير وجيمس جويس للغة الإنكليزية إذ خلقوا كلماتٍ جديدة من أساس موجود سابقًا. فقد صنع رومزبرغ الأساسين الجديدين طوالَ 12عامًا مستخدمًا فيهما بنية الطبيعة، وقد شاهد أبجديّتَه خلال السنين الأربع المنصرمة تجد أماكنَ دائمة في معجم الطبيعة.

  • ترجمة: يزن الحريري.
  • مراجعة: لونا حامد.
  • تدقيق لغوي: لانا محمد حسن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إلى أي مدى يبلغ ذكاء الطيور؟

داء كرون

ما هو داء كرون؟