fbpx
الفضائيون

الأرض من المسطحة إلى الكروية (الجزء 1)

كان يعتقد الناس في العصور القديمة بأنّ الأرض مسطّحةٌ وذلك لسبب بسيط، فهي تبدو كذلك. فإذا كنت على قاربٍ في وسط البحر سيبدو الماء ممتداً (مسطّحاً في كافة الاتّجاهات)، وستبدو السماء كإناءٍ مقلوبٍ رأساً على عقب فوق ذلك المحيط. يسمى الخط البعيد الذي يلتقي عنده الماء مع السماء “الأفق”، هذا الأخير يبدو كدائرة وأنت في مركزها. وقد اعتقد بعض البشر حينها بأنّ الأرض مسطحة وتمتد إلى اللانهاية في كافة الاتّجاهات.

هذا النّموذج به بعض المشاكل، إحداها هي تفسير حركة الشمس. ففي العصور القديمة فسّر البعض حركة الشمس بولادة يومية لشمس جديدة في الشرق لتلقى حتفها بعد ذلك في الغرب، وظنّ آخرون بأنّ الشمس بعد غروبها تُنقل إلى الشرق بواسطة قاربٍ لتشرق مجدّداً في الصباح التالي كما القمر وباقي النّجوم. لم تبد هذه التفسيرات القديمة منطقية أبداً، لكنّ الإيمان بمركزية الأرض يعزز هذا الرأي الذي كان المعتقَد السّائد حينها قبل ظهور نظريات “كوبرنيكوس” وغيره.

وقد واجهت القدماءَ العديدُ من الأسئلة التي فسّروها أيضا متمسكين بسطحية الأرض: إذا كانت الأرض مسطحة وتمتد في كافة الاتجاهات، ماهو عمق تلك الأرض؟ إذا قمنا بالحفر في تلك الأرض، هل نصل للطرف الآخر؟ وإذا كانت مسطحة فما الذي يمنع تلك الأرض من السقوط؟
فسرّ القدامى في الهند عدم سقوط تلك الأرض المسطّحة بوجودها على ضهور فيلة تقف بدورها على ضهر سلحفاةٍ ضخمة جداً، وتلك السلحفاة تسبح في محيط ضخم.

ولكن هل يمتد ذلك المحيط للانهاية؟ وماذا عن عمقه؟ لم يكن لذلك جواب حينها.

بالفعل تبدو الأرض مسطحة، ولكنّ شكلها المسطح ليس آمناً وبه العديد من المشاكل.
إنّ أول من فكّر بتلك المشكلات هم بعض اليونانيين منذ أكثر من 2500 عام، وبالتحديد رجل يدعى “أناكسيمندر”. لم تكن تلك التفسيرات مقنعة له حينها، وأخذ ينظر للسماء ويبحث بنفسه عن جواب. ففي الليالي الصافية، كان “أناكسيمندر” يراقب النجوم ليلةً تلو الأخرى، بدت له النجوم متحركة في السماء خلال مراقباته إلا نجماً واحداً (نجم الشمال) لم يتحرك أبداً، ووجد بأنّ النجوم القريبة من ذلك النجم الثابت تتحرك بمسارات دائرية حوله، والنجوم الأبعد عن ذلك النجم تصنع مسارات أكبر من تلك القريبة منه. إنّ أكثر ما أثار اهتمام “أناكسيمندر” هو الطريقة التي تتحرك بها تلك النجوم، حيث لم تكن حركاتها مستقلة بل كانت متزامنة مع بعضها البعض. وكان نموذج “أناكسيمندر” للأرض كالتالي: الأرض مسطّحة والسماء كرة مفرغة تحيط بها، على سطحها الداخلي توجد النجوم. تدور تلك الكرة المفرغة حول محورٍ تخيّلي يمر من الأرض ليلتقي ب”نجم الشمال” في كرة السماء المفرغة، أمّا الطرف الآخر من المحور فلم يستطع أن يراه لوجوده في الطرف الآخر من الأرض. وتدور تلك الكرة حول المحور التخيلي، والأرض تبقى ثابتة.
بدت أفكار “أناكسيمندر” أكثر منطقية من تلك الأفكار السابقة، حيث لم تحو أيّ ولادةٍ وموت للشمس، ومع ذلك لم يكن “أناكسيمندر” راضياً واستمرّ بالتفكير. ولكن إذا كانت الأرض مسطحةً ونموذج “أناكسيمندر” صحيحاً، ما الذي يمنعنا من الوصول للأفق؟ ما الذي يمنعنا من الوصول لمكان شروق وغروب الشمس؟

اعتقد الناس حينها بأنّ القيام بذلك ممكن، إلّا أن المفكرين الإغريق كان لهم رأيٌ آخر حيث وجدواْ بأنّه مهما اتّجهنا لجهة الشرق لا نقترب أبداً من الشمس، فقالواْ حينها بأنّ الأرض لم تكن ممتدّة لدرجة الوصول إلى كرة السماء، هي مسطحة، كبيرة وممتدة في كافة الاتجاهات، غير أنّها لا تصل إلى تلك الكرة المحيطة بها أبداً، ورؤيتنا للأفق ماهو إلا وهمٌ نقع فيه نتيجة البعد الكبير لكرة السماء عن الأرض.

إذن ما الذي يمنعنا من الوصول لحافة الأرض؟
فسّر القدماء بأنّ السبب في ذلك هو وجود المياه، فكافّة محاولات الوصول لحافة الأرض تواجهها نقطة الوصول للمياه. فقالواْ عندها بأنّ المياه تحيط بالأرض من كافة الجهات.

وما يمنع انسكاب تلك المياه من الحواف؟
فسّر القدماء ذلك أيضاً بأنّه قد لا تكون الأرض مسطحةً تماماً، ربما تكون أقرب لوعاء ضحل، أطرافه هي ما تمنع تلك المياه من الانسكاب خارجه.

وفي هذه الحالة، ما الذي يمنع الأرض من السقوط؟
كان من الصعب جداً اعتبار الأرض مسطحة، فهذا النموذج يحتوي العديد من المشاكل. وإن لم تكن الأرض مسطحة، فما هو شكل الأرض؟

هناك الكثير من الأجسام المضيئة في كرة السماء، الكثير من البقع المضيئة تملؤها، إلّا أن المفكرين حينها اهتمواْ اهتماماً كبيراً بالشمس والقمر، جسمان كرويان هما الأوضح. فالشمس جسمٌ مضيء، دائري الشكل دوماً، أو في أغلب الأوقات (قد تأخذ شكل نصف دائري وفي بعض الأحيان تأخذ شكل بين دائري ونصف دائري، أو تأخذ شكل قوس صغير من الضوء يسمى “هلال”). كما راقب الإغريق القدامى القمر ليلةً تلو الأخرى ولاحظواْ بأنّ القمر يغيّر من موضعه بالنّسبة للشمس، ويتغير شكله أيضاً تبعاً لذلك. إضافةً إلى أنّه عندما تكون الشمس والقمر في جهتين متعاكستين بالنسبة للأرض، يأخذ القمر حينها شكل دائرةٍ مضيئة ومكتملة (لأنّ مدار القمر حول الأرض مائلٌ ب5.15° عن المستوى بين الشمس والأرض). وعندما تكون الشمس والقمر في نفس الجهة بالنّسبة للأرض لا نتمكّن من رؤية القمر أبداً، فالشمس تضيء الجهة الأخرى من القمر (الجهة غير المرئية بالنّسبة لنا)، والجهة التي نراها من القمر حينها لا تستقبل أي إشعاعٍ من الشمس وهي مظلمة تماماً.

استنتج العلماء حينها وبعد مراقبتهم للأطوار المختلفة للشمس والقمر بأنّ الشمس هي مصدر الضوء، وأنّ القمر ما هو إلا مِرآة تضيء بسبب انعكاس ضوء الشمس على سطحه فقط. وببساطة استنتجواْ أيضاً بأنّه حتى تأخذ الشمس والقمر تلك الأشكال المختلفة لابدّ للشمس والقمر أن يكونا كرويا الشكل.

ولكن، هل أكّد ذلك حينها بأنّ الأرض كروية أيضاً؟
ليس بالضرورة، فقد تكون القواعد في السماء مختلفةً عن تلك التي في الأرض، فلا يكفي كون السماء وبعض الأجسام بداخلها كروية، لتكون الأرض كرويةً أيضاً. وحتى نعرف شكل الأرض كان على الناس أن ينظرواْ ويراقبواْ الأرض نفسها، وليس أي جسم آخر.

لنعد للأرض الآن ونسأل أنفسنا هذا السؤال: هل سنرى النجوم بشكل مختلف عند مراقبتها من مواضع مختلفة على الأرض؟

لو كانت الأرض مسطحةً لبدت النجوم ذات وضعٍ موحدٍ من كافة الأماكن على سطح الأرض، ولكن هذا لا يحصل بالفعل. فقد لاحظ القدامى خلال سفرهم نحو الشمال بأنّ نجوماً جديدةً تظهر في السماء، وكلما ابتعدواْ أكثر عن الجنوب استحال عليهم رؤية النجوم التي اعتادواْ على رؤيتها سابقاً في الأفق الغربي، وكذلك الأمر بالنسبة لمن كان يسافر جنوباً، نجومٌ جديدةٌ تظهر في الأفق لم يعتد على رؤيتها سابقاً في وطنه. إذن لا تبدُ النّجوم بموضعٍ موحدٍ من كافة الأماكن على سطح الأرض، ممّا يرجح أنّ الأرض لا يمكن أن تكون مسطحة.

ربما تكون الأرض أسطوانية الشكل، وهذا تماماً ما اعتقده “أناكسيمندر” حينها، بأنّ هذه الأسطوانة تتوضّع في مركز كرة السماء، وعندما نسافر شمالاً أو جنوباً فإنّنا نتحرك على انحناء الأرض الأسطوانية فتظهر نجومٌ وتختفي أخرى من ورائنا، وهذه النّظرية ل”أناكسيمندر” فسّرت سبب اختلاف مواضع النجوم من مكانٍ لآخر. لكنّها أثارت بعض التساؤلات، فلماذا لا نشعر بأننا نسقط من على منحدرٍ عندما نسافر شمالاً أو جنوباً على الطريق المنحني للأرض الأسطوانية؟

قد يكون الجواب هو خشونة الأرض العالية، والاحتكاك سيمنعنا من الانزلاق على سطحها. ولكن ماذا بشأن السفن المسافرة شمالاً أو جنوباً في البحر؟ لماذا لا تنزلق تلك السفن من على السطح الأملس للماء؟ لماذا لا ينسكب ذلك الماء باتّجاه الاِنحناء في المقام الأول؟
في الحقيقة لم يتمكّن “أناكسيمندر” من تقديم تفسيرٍ حينها، وكان لديه شعورٌ بأنّه لا يمكن تفسير اختفاء النجوم إلّا بالشكل الأسطواني للأرض.

ولماذا تنحني الأرض في جهة الشمال والجنوب فقط؟ ألا تختفي نجومٌ وتظهر أخرى إذا تحرّكنا شرقاً أوغرباً؟
كان من الصّعب الإجابة عن هذا السؤال، وذلك لأنّ السماء تتحرك والنجوم تظهر في الأفق الشرقي لتغرب بعدها في الأفق الغربي، والسفر شرقاً أو غرباً لن يغيّر من الأمر شيئاً.

ربما نتمكن من الحصول على بعض المعلومات حول شكل الأرض من الأرض نفسها، دون الحاجة لمراقبة السماء، وتحديداً المياه على الأرض. حيث لو كانت الأرض مسطّحة، فإنّ السفن التي تبحر بعيداً يجب أن تصغر شيئاً فشيئاً إلى أن تختفي وذلك بالنسبة لمراقبٍ على شاطئ البحر، أمّا إذا كانت الأرض أسطوانية الشكل ستبدو السفن المسافرة شرقاً أو غرباً كما هو الحال في الأرض المسطحة، ولكن هذا لا يحصل. فالسفن التي تبحر مبتعدةً عن الشاطئ (مهما كانت وجهتها) ستختفي تدريجياً بدءاً من قاعها وانتهاءاً بقمّة أشرعتها، ومهما كانت وجهة السفن فإنّها تختفي تدريجياً بقيمةٍ واحدة وذلك تبعاً للمسافة التي تبعد بها السفن عن الشاطئ.
من الواضح بأنّ الأرض منحنيةٌ في كافة الاِتّجاهات، ولا يمكن للنّموذج المسطح أو الأسطواني للأرض أن يفسر هذه الظواهر، والشكل الكروي هو الوحيد الذي يمكنه أن يفسرها.

في مقالنا القادم سنعرض عليكم مجموعةً من النقاشات العلمية حول كروية الأرض.

المُساهمون:
  • إعداد: عبدالعزيز كلش
  • مراجعة: شادي القصاص
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي

تعليق واحد

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.

Become a Patron!