شيء من لاشيء

“يمكنك أخذُها أو تركها” عبارة نستخدمها بشكلٍ بحتٍ للتأثير. وبشكلٍ واضح، فإنّ الشخص المُخاطب في هذه العبارة من الممكن أن يأخذُ أو يترك – هل هُناك خيارٌ آخر؟- إذًا من خلال شُروط المعلومات المُعطاة، فإنّ هذه العبارة غير مفيدة، وهذا مثال على التكرار المنطقي: شيء دائمًا ما يكون صحيحًا، بغض النظر عن الظروف. وهذ السبب الذي يجعل العبارة السابقة مُزعجة نوعاً ما.

بشكلٍ مُثير للفضول، استخدم الرياضيون معانٍ بشكل متكرر من هذه التكرارات الفارغة. يمكن تفسير العبارة أعلاه بالشكل التالي: لنفترض رمز P مُشيرًا إلى جزء من الجملة، وليكن “يمكنك تركها” ونفيها سيكون “لا يمكنك أخذها”. بالاعتماد على القواعد الكلاسيكية للمنطق، الجُملة السابقة ستكون دائمًا صحيحة –بالتفسير التالي: إنْ كانت P صحيحة، سيكون نفيها خاطئًا، والعكس صحيح.

هذا ما يُسمى بـ“قانون الوسط المستبعد – law of the excluded middle والذي يسمح للرياضيين بالوصول إلى السحر المنطقي. افترض أنّك تحاول إثبات صحّة عبارة مُعيّنة، إذا استطعت إثبات أنّ نفي العبارة خاطئ حتمًا، فإنّ العبارة نفسها ستكون صحيحة تمامًا. بكل بساطة، قُمت بإثبات العبارة دون الخوض في تفاصيلها نفسها، بل من خلال إثبات نفيها. وهذه الطريقة تُسمّى الإثبات من خلال التناقضProof by contradiction.

إن كُنت تظن أنّ هذا الإثبات مُذهل ومُربك، انظر لهذا المثال: العدد الأوليُّ هو عدد طبيعي لا يقبل القسمة إلا على نفسه وعلى 1، أول أعداد أوليّة هي: 2، 3، 4، 7. إنّ الأعداد الأوليّة تُعتبر هي حجر البناء لجميع الأعداد الطبيعية، لأنّ كُلّ عدد طبيعي غير أوّلي يمكن كتابته من خلال مجموعة من الأرقام الأوّلية بطريقة فريدة، مثل: 24=2×2×2×3.

سنقوم بإثبات أنّ الأعداد الأوّلية لا نهائية باستخدام إثبات التناقض. افترض أوّلاً وجود عدد مُعيّن من الأعداد الأولية، وأعطها أسماء مثل:  $p_1$$p_2$$p_3$, إلى أن تصل إلى $p_ n$  . والآن افترض الرقم التالي:

\[ p=p_1p_2...p_ n+1. \]

ولأنّ العدد السابق يختلف تمامًا عن جميع الأعداد الأوليّة التي افترضناها، ولأننا افترضنا عددًا مُحدّدًا من الأعداد الاوليّة، فلا يمكن أن يكون هذا الناتج عددًا أوليًا. لكن كما وضّحنا سابقًا، يجب أن يكون هذا العدد مضروبًا من الأعداد الأولية، لأنّه ليس أوليًّا، وهذا يعني أنّ واحدًا من الأعداد الأوليّة التي افترضناها يجب أن يقسمه. لكن بما أنّ هذه الأعداد ابتداءً $p_1$ من  انتهاءً بـ $p_ n$  تقسم العدد $p-1=p_1p_2...p_ n$، فلا يمكنها أن تقسم  كذلك. هذا مثلاً يُسمّى بالتناقض، وبالتالي: فإنّ عبارة “يوجد عدد محدود من الأعداد الأولية” تكون خاطئة، وبسبب ذلك، تكون نقيضتها “يوجد عدد لامحدود من الأعداد الأوليّة” تكون صحيحة، بسبب إثبات خطأ نفيها.

باعتمادك على ميولك، قد ترى هذه الطريقة مُناسبة وجيّدة، وقد تراها خدّاعة بعض الشيء. حسنًا، يوجد عدد لا نهائي من الأعداد الأوّليّة، لكن ما هي؟ كيف يمكننا إيجادها؟ إثباتنا هو مثال على الإثبات دون التشييد Non-constructive proof، والذي يُوضّح أنّ الشيء موجود دون الحاجة إلى تشييده أو بنائه.

الرياضيات، والتي يقبلها مُعظم الناس، تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على نوعي الإثبات السابق ذكرهما. وكما تحدّث عالم الرياضيات الشهير ديفيد هيلبيرت- David Hilbert في عام 1928:

“إنّ تجريد عالم الرياضيات من قانون الوسط المُستبعد يُشبه أخذ التيليسكوب من عالم فضاء، أو حرمان الملاكم من استخدام قبضته”.

على الرغم من ذلك، يعتبر بعض الناس أنّ المنطقيات مثل الإثباتات كالرجل الذي يقف على سطحٍ جليديّ هش. إنّ الإثباتات تُبيّن أنّ شيئاً ما موجود، أو جملة ما صحيحة، من خلال إظهار أنّه من المستحيل ألّا توجد، أو أن تكون الجملة خاطئة. هل هذه الطريقة حقًّا مُقنعةً كإثبات وجود الشيء من خلال بنائه أو إظهاره؟ إحدى مدارس الفكر تُسمّى بالمدرسة البنائية – Constructivism تؤمن أنّ هذه الطُّرق غير مقنعة، أو أقل إقناعًا من بناء الشيء واثبات وجوده، بل يجب علينا التعامل فقط مع الجُسيمات الرياضيّة التي يمكننا وضع يدينا عليها وتجربتها بطريقةٍ ملموسة. يجب أنْ يكون هُناك وصفة مُعيّنة، أو خوارزمية، لحساب جميع خصائص الجُسيم المعنيّ. ونذكر هُنا كلمة عالم الرياضيات الأمريكي إريت بيشوب – Errett Bishop:

“كل شيء في الرياضيّات يجب أن يمتلك معنىً عدديًّا”.

تابعو المدرسة البنائية يرفضون قانون الوسط المستبعد. بالنسبة لهم، فإنّ جُملة كالسابق ذكرها P أو نفيها، ستكون صحيحة إذا علمنا بالتأكيد أنّ إحداها خاطئة. وحتى يمكننا الإثبات، بشكلٍ بنائي، أنّ هُناك عددًا لانهائيًا من الأعداد الأوليّة أو أنّ هُناك عددًا مُحددًا من الأعداد الأوليّة، فإنّ العبارة: “ربما يكون هناك عدد لانهائي أو عدد نهائي من الأعداد الأوليّة” لا يمكن أن تُثبت شيئًا، وبالتأكيد، لا يُمكننا أخذها كقاعدة لإرساء إثباتٍ عليها.

ماذا يعني موقف البنائيون من الرياضيات ككل؟ إنّ إثباتنا للأعداد الأولية في السابق من السهولة إنقاذه: لأنّه يوجد فيه جزء لا يعتمد على التناقض.

بشكلٍ أوضح: فإنّ العدد الذي افترضناه، وهو حاصل ضرب الأعداد الأوليّة جميعها مُضافًا إليه 1، يحتاج إلى وجود عدد أوّلي جديد ليتكون منه. وإنّ جميع الأعداد الأوليّة التي افترضناها موجودة في مضروبه أصلاً، أي أنّ المضروب من العدد المُفترض p يحتاج إلى عدد أوّلي غير موجود في القائمة كلّها. وبهذه الطريقة، يُمكنك إنتاج عدد لا نهائي من الأعداد الأوليّة.

هل من الممكن أن تُكتب جميع الإثباتات الرياضية بطريقةٍ بنائيةٍ بسهولة؟

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه.لدعمنا إضغط هنا

  • ترجمة: محمد يامين
  • تدقيق لغوي: مروى بوسطه جي
مصدر Plus
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. AcceptRead More