تقرير: زيارة الفضائيون الثانية لمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية

منذ بضعة أشهر قمنا بزيارةٍ إلى هذا المكان العظيم وكتبنا عنها في مقال ” زيارة الفضائيون لمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ” وها نحن ذا نعود إليه مرة أخرى. تغير الوضع بعض الشيء، فقد ازدحم المكان بشكلٍ ملحوظ بعدد من المتدربين يقومون بفحص عينات تحت المجاهر، وكمية العينات نفسها زادت، المركز يكبر والحلم يتحول إلى واقع.

ما الجديد؟

واحة-سوكس Wahasuchusegyptensis وهو نوع اكتُشِف حديثًا من أسلاف التماسيح، كان محور رسالة الماجستير للباحثة سارة صابر من جامعة أسيوط، وقد عملت عليه بالمركز، اكتُشِف بالتكوينات الصخرية التي تعود للعصر الطباشيري المتأخر (72-83 مليون سنة) في الواحة الداخلة بالصحراء الغربية المصرية على بعد نحو 800 كيلومتر جنوب غرب القاهرة، أي أنه كان معاصرًا لديناصور منصوراصورس Mansourasaurusshahinae الذي تحدثنا عنه في الزيارة الماضية، عُثِر هنا على أجزاء من الجمجمة وأجزاء من الفك السفلي وفقرة ظهرية، كانت هذة البقايا كافية لتعلمنا أننا أمام نوعٍ جديد، إذ كانت لا تشبه أي عينة أخرى عُثِر عليها من قبل، حيث تتميز بصفات لا توجد في أي جنس أخر من التمساحيات، منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • الحافة الخارجية لعظم الفك العلوي متموجة ممّا يسمح بوجود أسنان أكبر حجمًا في تلك التموجات.
  • فتحة عميقة في قاعدة العظم خلف-المحجري postorbital bar والذي يربط العظم الجبهي frontal bone بالقوس الوجني zygomatic arch.
  • العظم الوجني jugal bone ذو بروز أمامي أعرض بثلاث مرات من بروزه الخلفي.
  • محجر العين يتقاطع من الخلف مع الفتحة الصدغية temporal fenestra

وغيرها من الصفات التي توضح بجلاء أننا أمام نوع جديد. ويمكن الاطلاع على البحث المنشور هنا.

طبعة بلاستيكية طبق الأصل لجزء من الفك السفلي لواحة-سوكس محفوظ بالمركز. (الأصلي محفوظ بجامعة أسيوط)
نفس الطبعة السابقة من الداخل median view.
طبعة بلاستيكية طبق الأصل لفقرة ظهرية لواحة-سوكس محفوظة بالمركز.

هل كان هذا النوع معاصرًا لستوماتوسوكس Stomatosuchusinermis الذي اكتشفه العالم الألماني إرنست سترومر في الواحات البحرية المصرية عام 1925، والذي كان يعيش في العصر الطباشيري هو الأخر؟

تجيبنا د.سناء السيد: “لا، لأن التكوينات الصخرية الموجودة بالواحات البحرية أقدم بنحو 20 مليون عام من تلك الموجودة بالواحة الداخلة التي اكتُشِف فيها واحة-سوكس”، ثم ترينا مخطط زمني للعصر الطباشيري المتأخر لتوضح لنا مدى طول هذا العصر واشتمال تلك الفترة التي تعود لـ 100- 65 مليون عام أي تقدر بنحو 35 مليون عام على ست مراحل stages جيولوجية متتالية، أي ستة أنواع من التكوينات الصخرية، سيشير كل نوع منها إلى مرحلة بعينها، وبالتالي من المستبعد أن يكون النوعان معاصرَين لبعضهما البعض.

رسم لستوماتوسوكس بالمقارنة مع إنسان.
مخطط للعصور الجيولوجية المتتالية, العصر الطباشيري Cretaceous يظهر باللون الأخضر، ويوضح المراحل الستة المكونة للفترة المتأخرة منه.

هل استطعنا رسم شجرة عائلة التماسيح بشكل كامل؟

يجيب د.هشام سلام على هذا السؤال بأن: “التماسيح لم تنل ما تستحقه من الاهتمام والبحث حتى الآن، نحن نعرف بالفعل مسار أسلافها في العصرين الترياسي والجوراسي، لكن لدينا فجوة في المعلومات في العصر الطباشيري المتأخر، وحتى الآن لا توجد لدينا معلومات كاملة عنها، لكن أظن ذلك الغموض في طريقه إلى الحل مع الوقت والاكتشافات الجديدة”.

أفيال الفيوم

يحتفظ المركز بمجسم لمورثيريوم Moeritherium، وهو من أقدم أسلاف الفيلة، كان يعيش في عصر اليوسين قبل نحو 40 مليون عام في المنطقة المعروفة حالياً بمنخفض الفيوم بالصحراء الغربية المصرية، تحديدًا في منطقة جبل قطراني، كانت هذة المنطقة وقتها عبارة عن غابات كثيفة، وتُعتبر اليوم كنزًا حقيقيًا لكلّ باحثٍ مهتم بتطور الثدييات الأفريقية، إذ عُثر فيها على حفريات لـ14 رتبة من الثدييات، ومن ضمنها عدة أنواع من أسلاف الفيلة تشمل مورثيريوم و باليوماستودون Palaeomastodon.

عاش “باليوماستودون” في زمن الأوليجوسين قبل نحو 30 مليون عام، ويُعد أقدم سلف معروف للفيلة تظهر لديه الأنياب العاجية المميزة لهذه العائلة الجميلة، كانا أقصر بكثير منهما لدى حفيده الفيل الأفريقي كما كانا مقوسين نحو الأسفل قليلًا وليس إلى الأمام، كان طوله يتراوح من متر إلى مترين ووزنه يبلغ 2 طن، وكان خرطومه قصير للغاية مقارنةً بأحفاده اليوم، مع بداية عصر الميوسين قبل نحو 20 مليون عام ظهر الجمفوثيريوم Gomphotherium الذي كان أضخم حجمًا من أسلافه، إذ بلغ ارتفاع كتفيه نحو 3 أمتار، كان ناباه العلويان مقوسَين نحو الأسفل كسلفه، وكانا مغطيَّين بالمينا على عكس الأفيال الحالية التي فقدت هذة الصفة في مرحلةٍ أحدث، وكان لديه نابان سفليان بارزان يبدو أنه كان يستخدمهما كمجرفة للأعشاب التي كان يتغذى عليها.

مع نهاية عصر الميوسين قبل نحو 5 مليون عام ظهر بريميليفاس Primelephas أو (الفيل الأول)، بخرطوم أطول من أسلافه ونابين علويين انعكس تقوسهما ليصبح نحو الأمام وليس الأسفل، مما يجعله أكثر شبهًا بالأفيال الحالية، وزاد عدد الحواف الخشنة الموجودة على سطوح أضراسه  molar ridges مما يعني قدرة أكبر على طحن والتهام الأعشاب الجافة والأجزاء النباتية الأكثر صلابةً، ولكن ظل النابان السفليان البارزان موجودَين. تمايز أحفاد البريميليفاس إلى ثلاثة تفرعات رئيسية، وهي: الأفيال الأفريقية Loxodonta، والأفيال الأسيوية Elephas، والماموث Mammuthus الذي عُثِر على أحافيره في سيبريا ووسط أسيا وأمريكا الشمالية. انقرض الماموث بشكل تام قبل نحو 4500 عام، أي أنه كان معاصرًا لبناء الأهرام.

يقول د.سلام: “أن عصر البليستوسين الذي كان قبل نحو 2 مليون عام قد أنتج لنا كمياتٍ ضخمةً جدًا من الرمال، ولأننا اليوم نستخدم هذه الرمال بكثافة في عمل الخرسانة لأغراض البناء، ففي أحيان كثيرة نجد حفريات تعود لعصر البليستوسين داخل تلك الرمال، ومن ضمنها بالطبع حفريات لأفيال”، ويذكر لنا واقعة اتصال أحد الأشخاص به لأنه كان قد عثر على عظمة كبيرة داخل شحنة رمال، وبعد فحصها تبين أنها جزء من عظمة فخذ لفيل.

مخطط مختصر لشجرة عائلة الأفيال.
رسم لمورثيريوم.
مورثيريوم بالمقارنة مع إنسان.
رسم لباليوماستودون.
رسم لجمفوثيريوم بالمقارنة مع إنسان.
رسم لبريميليفاس، واضح هنا كيف انعكس تقوس النابين العلويين للأمام بدلًا من الأسفل لدى أسلافه.
فيل أفريقي Loxodonta Africana.
فيل أسيوي Elephas maximus
رسم لماموث صوفي Mammuthusprimigenius

يفتح لنا د.سلام مرجعًا عن الثدييات الأفريقية في حقبة السينوزويك (Cenozoic mammals of Africa) ليرينا الفصل الخاص بالأفيال، ويعدد لنا نصيب مصر من الاكتشافات، أكثر من ستة اكتشافات حدثت هنا في هذة الرتبة وحدها، ثلاثة منها في الفيوم، والمنطقة لم تستوفِ ما تستحقه من الاهتمام بعد، وتَعِدُ بالمزيد. أمرٌ مذهلٌ! تخيل كيف أن هذة المنطقة الصحراوية القاحلة اليوم كانت قبل عشرات الملايين من السنوات غابة استوائية تنبض بالحياة وتعج بألاف الأنواع التي تتفاعل مع بعضها مشكلةً نظمًا بيئيةً معقدةً.

بدأ المركز هذا الصيف استقبال متدربين من طلبة وخريجي جامعات مصرية مختلفة ليحضروا محاضرات عن علم الحفريات الفقارية، ويتعاملوا بشكلٍ مباشرٍ مع العينات، وينزلوا حصص عملية في وادي الحيتان والفيوم وغيرها ليتعاملوا مع الحفريات على الطبيعة، لا يدخر د.سلام وفريقه جهدًا في التعاطي مع المتدربين، ويعملون على أن يحظى كلٌّ منهم بالمعرفة الكافية التي تعينه على الاستمرار في هذا المجال.

هل يتلقى المركز تمويلًا كافيًا؟

يجيب د.سلام: “نعم، من الجامعة ومن خارجها، من مؤسسات مثل National Geographic، ولكنّي شخصيًا أفضل الجامعة، لأنه دعم مستمر وغير متذبذب. يسهّل التمويل علينا الكثير من العمل فيما يتعلق بتجهيز الرحلات الاستكشافية وتدريب الكوادر، ولكنه من ناحية أخرى يفرض علينا مسؤولياتٍ ضخمة، وأثق تمامًا أننا نستطيع تحملها، فنحن ملزمون بأن نقدم وننشر أبحاثًا جديدة باستمرار”.

هل يعني هذا أننا سنرى شيئًا جديدًا قريبًا؟

نعم، العمل في المركز لا يتوقف، ولدينا عدد من الأبحاث التي نعمل عليها، وسترى النور قريبًا.

يشكّل هذا المكان قصة نجاح حقيقية قوامها الشغف والإصرار والرغبة الحقيقية في دفع الإمكانات إلى حدودها القصوى، ومدرسة حقيقية لتقديم علمٍ جديدٍ تمامًا على منطقتنا تضع نقطة مضيئة ورائعة في واقع البحث العلمي لدينا الذي يحتاج إلى الكثير من إعادة النظر.

صورة منقوله من حساب د.هشام سلام الشخصي على facebook لإحدى المحاضرات داخل المركز
مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: محمد علي - سارة تركي
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More