زيارة الفضائيون لمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية

0 205

حصل د. هشام سلّام على الدكتوراه في علم الحفريات الفقارية من جامعة “أكسفورد” العريقة ببريطانيا عام 2010، ثم عاد إلى جامعة المنصورة يحرّكه الشغف والرغبة الحقيقية في نقل هذا العلم المثير إليها والذي يُعتبر جديدًا على منطقتنا.

تحقيقًا لتلك الرغبة؛ أنشأ د. هشام مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية بقسم الجيولوجيا في كلية العلوم في الجامعة، ليصبح المركز الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تستطيع أن تعمل وتتدرب الكوادر الجديدة التي تستطيع استيعاب هذا العلم وتطبيقه بشكلٍ مباشر داخل جدران هذا المركز العريق. ومن ضمن هذه الكوادر: المدرس المساعد سناء السيد، و طالبة الدكتوراه إيمان الداودي.

في حوارنا مع د. سناء السيد أوضحت لنا أنَّ هذا المركز الصغير قد نجح في خلق نواةٍ للعمل في علم الحفريات الفقارية عن طريق استقطاب الكوادر؛ إذ نجح في استقطاب جيلٍ جديد من المعيدين الراغبين في العمل به، كما نجح في مدّ جسور التعاون مع جامعاتٍ أخرى داخل مصر مثل جامعة أسيوط ودمياط والاسكندرية والقاهرة. وإلى جانب البحث العلمي، يقوم المركز بدورٍ توعويٍّ هامٍ للغاية، حيث يستقبل الزيارات بشكلٍ يومي من الباحثين والمهتمين بالحفريات وكل ما يتعلق بها، وبذلك فهو يساهم في خلق حالةٍ من الوعي والفهم للدور الهام الذي تلعبه أبحاثهم في فهم التاريخ الطبيعي للمنطقة، ومردود ذلك علينا من الناحية العلمية، وحتى من الناحية المادية من خلال تنشيط السياحة عن طريق الاهتمام بالمتاحف والمحميات التي يمكن للجميع الاستفادة منها، وأحد أهم الأمثلة على ذلك هو وادي الحيتان.

يقع وادي الحيتان في الصحراء المصرية الغربية في نطاق محافظة الفيوم على بعد حوالي 150 كيلومترًا جنوب غرب مدينة القاهرة, اُختير عام 2005 كمحميةٍ طبيعية ذات تراثٍ طبيعيٍ عالميّ، إذ يحوي مجموعةً مميزةً من الحفريات لا توجد في أيّ مكان آخر في العالم، عُثر فيه حتى الآن على حوالي 1000 هيكلٍ لأسلاف الحيتان الحالية والتي تحكي لنا قصةً مثيرة عن تطور تلك الكائنات.

بدأت القصة قبل حوالي 50 مليون عام بحيوانٍ ثدييٍّ صغير بحجم الكلب تقريبًا، يُعرف باسم باكيسيتس Pakicetus (عثر عليه لأول مرة في باكستان عام 1980) وكان يعيش بشكلٍ كاملٍ على اليابسة ويمشي على 4 أطراف، وقبل 40 مليون عام ظهر خلَفٌ له عرف باسم باسيلوصورس Basilosaurus وهو أضخم حجمًا بكثير إذ بلغ طوله حوالي 18 مترًا، لكن أطرافه الخلفية كانت ضعيفةً وشبه ضامرة، مما يكشف عن نمط حياةٍ بحريةٍ بامتياز. وقد عُثر على عددٍ كبيرٍ جدًا من حفريات الباسيلوصورس في وادي الحيتان، انتظرت ملايين الأعوام كي تكشف لنا عن جزءٍ ظلَّ غامضًا لسنواتٍ في تاريخ تطور هذه الثدييات البحرية.

عُثِر هناك كذلك على نوعٍ آخر من الحيتان عرف باسم دورودون Dorudon بلغ طوله حوالي 5 أمتار, كانت أطرافه الخلفية ضامرةً كقريبه الباسيلوصورس.

إلى جانب الحيتان عٌثِر على حفريات لأسلاف الفقمات وأسلاف سمك القرموط البحري, تكشف هذه الحفريات عن ماضٍ غنيٍّ للغاية لهذه المنطقة. وبمقارنة تلك النتائج مع نتائج المسح الجيولوجي؛ وُجد أنَّ هذه المنطقة كانت ساحلًا للبحر قبل حوالي 40 مليون عام.

هيكل (باكيسيتس).
هيكل (باسيلوصورس) محفوظ بمتحف وادي الحيتان.
عظام الطرفين الخلفيين للباسيلوصورس محفوظة بالمركز، تُظهر الصورة الضمور وصغر الحجم والذين لا يتناسبان مع عملاقٍ طوله 18 مترًا، مما يعني أنه لم يكن يستخدمهما للمشي على الأرض لأنه كان حيوانًا بحريًا. وبجانبها إلى الأعلى على اليمين جزء من الفك السفلي له.
الفقرات العنقية لـ (الباسيلوصورس) محفوظة بالمركز.
فقرة قطنية لـ (الباسيلوصورس) محفوظة بالمركز.
فقرة صدرية لـ (الباسيلوصورس) محفوظة بالمركز.

بالقرب من وادي الحيتان تقع منطقة جبل قطراني، والتي كانت قبل حوالي 30 مليون عام قريبةً من ساحل البحر، كما كانت تتكون من غاباتٍ كثيفةٍ تنبض بالحياة تتخللها أنهارٌ عدّة. جديرٌ بالذكر أنه في هذه المنطقة وحدها عُثر على حفريات لـ 14 رتبةً من الثدييات، تتضمن أسلاف وحيد القرن وحيوان موريثيريوم Moeritherium وهو أقدم أسلاف الفيلة، مما يعكس تنوعًا بيئيًا مذهلًا ووفرةً هائلةً في الموارد خلال تلك الحقبة. في الواقع، لم تُستكشف هذه المنطقة حتى الآن بالشكل الكافي، بيد أنه من المؤكد أنها تحوي كنوزًا أحفوريةً نادرةً تنتظر الكشف عنها.

هيكل (موريثيريوم).
مجسم موجود بالمركز لـ (حيوان الموريثيريوم) وبجواره مجسم لأحد أسلاف وحيد القرن.

عن المنصوراصورس:

قدّمت لنا د. إيمان الداودي ديناصورها الأثير منصوراصورس  Mansourasaurus shahinae إذ كان موضوع رسالة الماجستير الخاصة بها، وكما يتضح لنا فقد اُتفق على تسميته بهذا الاسم تيمنًا بجامعة المنصورة. عُثر على الديناصور الجديد في منطقة الواحات الداخلة بالصحراء الغربية المصرية على بعد حوالي 800 كيلومتر جنوب غرب القاهرة، يبلغ طوله حوالي 10 أمتار ووزنه حوالي 5 أطنان، وينتمي إلى عائلة الديناصورات العملاقة Titanosaurus، وإن كان حجمه أصغر من معظم أقاربه المنتمين إليها. وتضم هذه العائلة دبلودوكس Diplodocus الذي وصل طول إلى 26 مترًا وبتاجوتيتان Patagotitan mayorum الذي وصل طوله إلى 37 مترًا، وهما أضخم ديناصورين تمَّ اكتشافهما على الإطلاق، بالإضافة إلى أنواع أخرى كثيرة. وتعدُّ هذه العائلة إحدى تفرعات طائفة سحليات الأقدام Sauropods, وتتميز بعظام حوضٍ تشبه تلك الموجودة لدى الزواحف، وبرأسٍ  صغيرٍ وعنقٍ وذيلٍ طويلين, كانت كل الطائفة عاشبةً وكان يسير جميع أفرادها على 4 أقدام.

في الواقع لم يكن المنصوراصورس أول ديناصور يُكتشف في مصر، فقد سبقه خمسةٌ آخرون، لكن المميز فيه عدة أمور سنوضحها كما يلي:

أولًا : هو الديناصور الأول الذي يُكتشف على يد فريقٍ مصري بالكامل وفي جامعة مصرية.

ثانيًا: أول ديناصور يُكتشف في أفريقيا يعود للعصر الطباشيري المتأخر (80 – 65 مليون عام)، وهذه الحقبة تحديدًا كانت مجهولة تمامًا أثناء دراسة التاريخ الطبيعي للمنطقة.

ثالثًا: بمقارنه العينات التي عُثر عليها، وُجد أنَّ ديناصورنا أقرب للديناصورات التي كانت تعيش في أوروبا في نفس الحقبة وتحديدًا امبيلوصورس Ampelosaurus الذي عُثِر على حفرياته في فرنسا، والذي بلغ طوله حوالي 15 مترًا، وهذا يعني أنه حدث اتصالٌ  جغرافيّ بين أفريقيا وأوروبا في تلك الحقبة سمح بوجود سلفٍ مشترك تفرّع منه كلا الديناصورين.

اكتشف الفريق بقايا منصوراصورس لأول مرة عام 2013 وتطلّب الأمرُ شهورًا طويلةً من دراستها وربطها مع بعضها البعض كقطع البازل، قبل أن يعرف أعضاء الفريق أنّ بحوزتهم نوعًا جديدًا ويقارنوه مع أقربائه، ومن ثمَّ يعتمدوا على العينات الموجودة لديهم في تصنيفه ودراسة خصائصه التي تشي لنا بها تلك البقايا.

من ضمن ما عُثِر عليه كان عظمة القص، لوحيّ الكتف، عظمتي العضد للطرفين الأماميين، عظمة الكعبرة للطرف الأمامي الأيسر، بالإضافة إلى بعض الفقرات العنقية والصدرية والفك السفلي، وأجزاء من الضلوع وجزء من مشط القدم الخلفية اليمنى.

في الصورة يظهر (المنصوراصورس)، الأجزاء الملونة هي الأجزاء التي عُثِر عليها، وفي الأعلى خريطة بأماكن اكتشاف تلك الأجزاء، وعلى اليسار موقع الواحات الداخلة حيث تمّ الاكتشاف.
هيكل (امبيلوصورس)، أقرب أقرباء (منصوراصورس).
جزء من عظمة الفك السفلي لـ (منصوراصورس) محفوظ بالمركز.
عظمة الكعبرة لـ (منصوراصورس) محفوظة بالمركز.
فقرة عنقية لـ (منصوراصورس) محفوظة بالمركز.
عظمة العضد لـ (منصوراصورس) محفوظة بالمركز.
عظمة القص محفوظة بالمركز.

كيف نتمكن بالاستعانة ببضع عظامٍ فقط وليس بهيكلٍ كامل من معرفة أنّ لدينا نوعًا جديدًا واستنتاج خواصه وتصنيفه أيضًا؟

تجيبنا د. سناء فتقول:

“لكل مجموعةٍ من الكائنات خصائص مميزة، ونحن نمتلك بالفعل قاعدةَ بياناتٍ ضخمةً جدًا خاصةً بكل نوع عثرنا عليه، وانطلاقًا من علم النسالة Phylogeny  نستطيع عن طريق المقارنة تصنيف أي حفريةٍ نعثر عليها مهما بلغ صغر حجمها، وتختلف تلك الخصائص بين مجموعة وأخرى”.

وتشرح د. إيمان أنه في الديناصورات مثلًا  تُعدّ الفقرات وعظام الحوض وسيلةً ممتازةً لذلك، بينما في الثدييات تكون الأسنان هي الأداة الأقوى للتمييز بين الرتب وبعضها وحتى داخل الرتبة الواحدة، وبدقةٍ كبيرةٍ جدًا تصل إلى درجة الاستعانة بسنٍ واحدةٍ في بعض الأحيان، ولعل أبرز مثالٍ على ذلك هو الدينوسوفان Homo Sapiens altai الذي نجحنا عن طريقه في استنتاج أننا أمام نوعٍ جديد، فقط بمساعدة سنٍ واحدة وجزء من مشط القدم عُثِر عليهما في سيبريا. ويرينا د. هشام سنًا لـ Shazurus minutus  وهو أحد أنواع القوارض، عُثِر على بقاياه بالقرب من بحيرة قارون بمنطقة الفيوم في الصحراء الغربية المصرية, وعاش في هذه المنطقة قبل حوالي 37 مليون عام، نجحنا باستخدام بضعة أسنان عثرنا عليها في تصنيفه ووضعه بمكانه الصحيح في شجرة عائلة القوارض. نُشر عن هذا القارض بحثٌ يمكن الاطلاع عليه من هنا

أسنان Shazurus minutus محفوظة بالمركز.
موقع Shazurus minutus في شجرة عائلة القوارض في المخطط B وسط الصف الأيمن.
سن (دينوسوفان).

يضيف د.هشام سلّام أنَّ علم الحفريات الفقارية هو التاريخ الذي لم يشهده البشر من قبل، وهذا هو الجزء الأكثر متعةً وتشويقًا فيه، فالباحث يأتي بأشياء غير مألوفةٍ بالنسبة لمعظم الناس تحرضهم على التفكير والبحث والاستقصاء واستخدام المنطق، وتوقظ فيهم الشغف نحو المعرفة والابتكار، إنه وسيلتنا للإجابة على السؤال الأكثر أهمية: من نحن كبشر؟ ومن أين أتينا؟

ويرى مؤسس المركز أنّ مستقبل علم الحفريات الفقارية في مصر والمنطقة سيحظى بالعديد من الاكتشافات والمزيد من التطبيق في المستقبل، وقد بدا متفائلًا  للغاية وفخورًا بتلاميذه الذين تعلموا منه شغفه وحبه لهذا العلم. ويضيف أنه عندما عاد إلى مصر قبل 7 سنوات كانت لديه خطةٌ طموحةً لنقل هذا العلم ارتكزت على 5 محاور رئيسية:

أولها وأهمها: تدريب وتربية كوادر قادرةً على استيعاب هذا العلم والاستمرار والإبداع فيه، إلى جانب بناء خبراتٍ تراكميةٍ يمكن نقلها لمن سيأتي بعدهم، وهذا هو ما نجح د. هشام في تحقيقه اليوم بالفعل.

ثانيًا: إنشاء هذا المركز الذي يعمل كحجر أساسٍ للتدريب وإجراء الأبحاث اللازمة.

ثالثاً: تحقيق المزيد من الاكتشافات على أيدي الباحثين في المركز لكي تصبح لدينا الخبرات التراكمية المطلوبة وتكون بحوزتنا عيناتنا الخاصة والتي يمكننا الاعتماد عليها، ويشكّل المنصوراصورس نقطة البداية في هذا الأمر والتي تَعِدُنا بالمزيد.

رابعًا: تدريسه في الجامعة كعلمٍ له أسس، وهو الأمر الذي يتحقق بالفعل في كلية العلوم بجامعة المنصورة، بل وبدأت جامعاتٌ أخرى تبحث عن التعاون في هذا المجال مثل جامعتي أسيوط وكفر الشيخ.

خامسًا: إنشاء متحفٍ للتاريخ الطبيعي على غرار المتاحف المماثلة في أمريكا وأوروبا والتي تُعدّ مؤسساتٍ علميةً في حدّ ذاتها، تشارك في مئات الأبحاث والاكتشافات كل عام، وهذا أمرٌ يتطلب تمويلًا ضخمًا وإمكانياتٍ كبيرةً جدًا واهتمامًا خاصًا من الحكومة.

في الختام، لا يُمهّد د. هشام سلّام الطريق فقط، وإنما يصنعه من العدم، ومن أجل ذلك يقوم بعملٍ رائع يُسطّر تاريخًا جديدًا للعلوم في منطقتنا التي تحتاج إلى كل خطوةٍ جادةٍ في هذا الاتجاه.

 

  • إعداد: محمد علي - سارة تركي
  • تدقيق لغوي: مروى بوسطه جي
تعليقات
Loading...