fbpx
الفضائيون

إلى أي مدى يبلغ ذكاء الطيور؟

كان الاعتقاد الشائع لوقت طويل بأن حجم المخ هو المتحكم الأساسي في مقدار ذكاء الحيوان, وكان هو المعيار الأساسي عند المقارنة بين القدرات العقلية لحيوانين مختلفين, ولكن في العقدين الأخيرين ظهر ما يؤكد أنه ليس العامل الوحيد.

ظهر أن أدمغة الثدييات تختلف فيما بينها في كثافة الخلايا العصبية الموجودة, وأن أدمغة الطيور لها خواص مختلفة بشكل كبير فرضها عليها حجمها الصغير, وفي الواقع كانت قابلية الطيور للقيام بالكثير من العمليات العقلية المعقدة نسبيًّا مع حجم الرأس الصغير هذا محيرة وغير مفهومة, فبعض أنواع الطيور كالغربان والببغاوات يمكنها استخدام المنطق في حل الألغاز البسيطة واستخدام الأدوات والتخطيط لبعض الأحداث المستقبلية, بل وتستطيع الغربان تمييز صورتها في المرآة, إلى جانب ذكاءٍ اجتماعي ملفت وقدرة على ربط الأمور ببعضها, وكان من الأمور الأكثر أثارة للدهشة أن تلك الطيور لا تملك قشرة مخية والتي من المفترض أنها ضرورية للقيام بهذه العمليات لدى الثدييات، وسنستعرض معًا في هذا المقال نتائج مذهلة للدراسات التي أجريت حول هذه النقطة.

في دراسة مشتركة بين جامعات براغ وفيينا وريو دي جانيرو وساو باولو أجريت على 28 نوع مختلف من الطيور حسب الباحثون عدد الخلايا العصبية Neurons  الموجودة في أمخاخ الطيور وذلك عن طريق تقسيمها إلى قطاعات وتعليق الخلايا الموجودة في كل قطاع في محلول مخصص لذلك وصبغ أنوية الخلايا, ثم تقسيم كل معلق إلى عينات أصغر ليسهل عدها مما يقلل نسبة الخطأ ويختصر الكثير من الوقت والمجهود مقارنة بالطرق التقليدية, وكانت النتائج مدهشة، فقد لوحظ بأن كثافة الخلايا العصبية داخل أدمغة الطيور عالية جدًّا وتصل أحيانًا إلى ضعف كثافتها في أدمغة الرئيسات, لدرجة أن طائر مثل الببغاء لديه تقريبًا نفس عدد الخلايا العصبية الموجودة لدى بعض أنواع القردة بالرغم من الفارق الكبير فى حجم المخ.

وكانت بعض الدراسات على الطيور التي تتمتع بقدرة على إصدار أنواع مختلفة من الأصوات مثل الببغاء وبعض أنواع الطيور المغردة قد أظهرت أن أدمغة هذه الطيور تحوي مسارات شاملة لملايين الخلايا العصبية لتمكن الطائر من تشكيل الوعي المركب الذي يمكّنه من التحكم فى تلك الأصوات, وكان من الصعب تصديق ذلك مع هذه الأدمغة الصغيرة, ولكن تلك الدراسة أكدت أن أدمغة الطيور أكثر تعقيدًا مما كنا نتخيل, لقد كدست أعدادًا كبيرة من الخلايا العصبية في مساحة صغيرة للغاية.

ولكن ماذا عن القشرة المخية غير الموجودة؟

تجيب دراسة بجامعة شيكاجو عن هذا السؤال, حيث اكتشف (كليفتون راجسدال) وفريقه أن هناك جزءًا من أدمغة الطيور يقوم بنفس الوظيفة التي تقوم بها القشرة المخية الحديثة neocortex لدى الثدييات ويُعرف باسم النتوء الظهري البطيني Dorsal Ventricular Ridge.

كانت المشكلة الرئيسية هنا أن الشكل التشريحي مختلف تمامًا وعلى مدى عقود لم يتخيل أحد أن هذا الجزء يقوم بمهام القشرة المخية بالرغم من اختلاف الشكل والحجم والمكان بالنسبة لباقي أجزاء المخ.

كلًّا من القشرة المخية لدى الثدييات والنتوء الظهرى البطيني لدى الطيور ينشأ من منطقة واحدة في أمخاخ الأجنة في جميع الأنواع وفي كلتي الطبقتين تعرف باسم الدماغ الانتهائي (telencephalon) ولكنها تطورت فى كل طبقة بطريقة مختلفة, فقد تمايزت في الثدييات إلى قشرة مخية من 6 طبقات, وتمايزت في الطيور إلى نتوء ظهرى بطينى يتكون من تجمعات كبيرة من الخلايا العصبية تعرف باسم الأنوية.

كانت هناك فرضية منذ ستينيات القرن الماضي لعالم الأعصاب هارفي كارتن أن مسارات المداخل والمخارج للنتوء الظهري البطينى للطيور يشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في القشرة المخية للثدييات, وأن تلك التكوينات تحولت داخل أدمغة الطيور إلى أنوية بدلًا من طبقات كما في الثدييات, ولاقت تلك الفرضية اعتراضات بالجملة وقتها, حتى قام راجسدال وفريقه في هذه الدراسة باختبار هذه الفرضية باستخدام وسوم جزيئية تمكن من التعرف على الجينات المسؤولة عن نشاط وتكون المداخل للطبقة الرابعة والمخارج من الطبقة الخامسة للقشرة المخية لدى الثدييات, ثم دراسة تأثير تلك الجينات لدى كل من الطيور والزواحف, استخدم الباحثون هنا الفئران كممثل للثدييات والدجاج والعصفور الدوري المخطط كممثلين للطيور والسلاحف كممثل للزواحف, وكانت النتيجة تطابقًا مدهشًا, الجينات ذاتها المسؤولة عن نشاط وتكوين القشرة المخية لدى الثدييات هى المسؤولة عن نشاط وتكوين النتوء الظهري البطيني لدى الطيور وتكوينات تعرف بالمناطق القشرية لدى الزواحف, وأن هذه الجينات قد عبّرت عن نفسها بطرق مختلفة عندما انفصلت أسلاف هذه المجموعات عن بعضها في الماضي السحيق, ولكنها أدت الوظائف ذاتها, مما أكد فرضية كارتن.

ويعتقد بأن تكوين النتوء الظهري البطيني لدى الطيور الذي يعتمد على أنوية كبيرة من الخلايا بدلًا من طبقات تتصل ببعضها بمسارات طويلة ومتداخلة قد يعطي لأدمغتها مميزات إضافية مقارنة بالثدييات, ويعلق راجسدال على ذلك بأنه إذا أردت أن يكون لديك دائرة عصبية مخصصة للتحكم باللغة فلن تستطيع أن تفعل ذلك بمخ حيوان ثديي, ولكن بمخ طائر لدية نواة مخصصة للتحكم بأحباله الصوتية لديك مميزات إضافية, سيكون لديك دوائر أقصر أو أطول أو أنوية مخصصة لمهام محددة.

تسلط هذة الدراسات الضوء على نقطة مهمة للغاية, وهي أن الحياة معقدة ومتشعبة ويمكنها تطوير أكثر من طريقة للتعاطي مع التحديات نفسها والنجاة منها, وأن كل كائن حي على قيد الحياة حاليًّا هو نتاج عملية رائعة استمرت لأكثر من 3.7 مليار سنة, وأنه لا يوجد كائن حي أكثر رقيًّا من الآخر, أنت فقط مختلف, ولكنك لست أكثر رقيًّا.

المصادر1 – 2 – 3 – 4

المُساهمون:
  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: داليا المتني

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.