قدرات خارقة: الفهد الإفريقي الصياد – الشيتا

0 607

لنتعرّف على أسرع الحيوانات عَدْواً على وجه الأرض يمكنه مطاردة فريسته بسرعةٍ تصل إلى 103 كيلومتر/ ساعة، ويمكنه التسارع ليصل لتلك السرعة المذهلة في 3 ثوانٍ فقط، أي أنّ تسارعه يتفوق على تسارع سيارة لامبورجيني. فقد دفع الانتخاب الطبيعي عبر الأجيال جسد الشيتا Acinonyx jubatus ليصبح أكثر تناغماً مع بيئته، حيث يبدو كأعجوبةٍ صُنعت خصّيصاً للجري بأقصى سرعة. دعونا نلق نظرةً على ذلك الجسد المدهش.

يبلغ وزن الشيتا 30ـ45 كيلوجراماً ممّا يجعله أصغر حجماً وأخفّ وزناً بكثيرٍ من السنوريات الكبيرة الأخرى مثل الأسود والفهود، كما يبلغ طول جسده بدون الذيل 105ـ135 سم، وارتفاع كتفيه عن الأرض 60ـ90 سم، وتُعَدّ أقدامه الأطول من بين جميع السنوريات. عند دراسة عضلاته نجد أنّ العضلات المنشارية البطنية serratus ventralis (المناظِرة للعضلات المنشارية الأماميةserratus anterior لدى الإنسان) التي تربط لوح الكتف بالسطح العلوي الخارجي للضلوع أطول بشكلٍ ملحوظ من جميع الثدييات الأخرى، وهذا يعطي قوةً إضافية للطرفين الأماميين حيث يمكّنه من ضرب الأرض بقوّةٍ أكبر وبالتالي تصبح خطوته أوسع. وعند النظر للطرفين الأماميين نجد أنّ كلاً من العضلة المثنية العميقةdigital flexor muscles والعضلة الباسطة للأصابع extensor digitorum communis أثقل وزناً بشكلٍ ملحوظ عند مقارنتها بنظائرها لدى الثدييات من نفس الحجم كالكلب السلوقي مثلا، وهذا يعطيه ضربة مخالب أقوى، فعندما يغرز مخالبه في التربة أثناء الجري تصبح لديه قدرةٌ أكبر على التسارع، المناورة وتغيير الاتجاه. إضافةً إلى ذلك، عند دراسة العضلة القطنية الكبيرةMusculus psoas major التي تمتد من الفقرات القطنية إلى العظم المدور الصغيرLesser trochanter بأعلى عظمة الفخذ بطرفيه الخلفيين، نجد أنّ تلك العضلة قد تكون الأكبر من بين نُظرائها في كل الثدييات، وتعطيه عزماً أكبر عند التسارع يمكّنه من الوصول للسرعة المطلوبة في زمنٍ قياسي.

الهيكل العضلي للشيتا.
رسم يوضح مكان العضلات المنشارية البطنية لدى الحصان والمناظرة لمثيلتها في الشيتا.

تتجلّى الأعجوبة الثانية لدى الشيتا في عموده الفقري، بحيث يملك العمود الفقري الأكثر ليونةً بين السنوريات. أثناء الجري، ينكمش ويتمدد بشكلٍ مدهش تجاوباً مع حركات أقدامه بشكلٍ لا نراه عند أيّ حيوانٍ آخر، فيعطيه ذلك مرونةً لا مثيل لها عند الجري تمكّنه من تحريك مفاصله بحزاميه الصدري والحوضي بعزم دورانٍ أعلى بكثير من باقي السنوريات.

ربما تكون قد تساءلت من قبل عن سبب رسم لاعبي الرجبي (كرة القدم الأمريكية) لتلك الخطوط السوداء أسفل عيونهم، إنّها حيلةٌ مستلهَمة من الشيتا. لدى الشيتا خطوط طولية سوداء أسفل عينيه تبدو وكأنّها مسارات للدموع (في الواقع لدى قبائل الزولو قصة شعبية تدّعي أنّها كذلك) تجعل وجهه مميَّزاً عن باقي السنوريات، فقد ساهم الانتخاب الطبيعي على مدار ملايين السنوات في جعلها صفةً مميزة له لأنّها تعطي ميزةً تطورية هامّة لحامليها، فهي تقلل من تأثير وهج الشمس على عينيه بلونها الأسود الذي يمتص الضوء ممّا يمكّنه من رؤية فريسته بشكلٍ أفضل خلال النهار. تطورياً، كان الأفراد الحاملون لتلك الصفة أكثر كفاءة في الصيد، وبالتالي فرصتهم كانت أكبر في تمرير جيناتهم لأنسالهم.

يمكننا مشاهدة فيديو عن تلك الخطوط:

هل ترى ذلك الذيل الطويل؟ إنّه ضروري للغاية بالنسبة لحيوانٍ يجري بهذه السرعة ويطارد فرائساً مراوغة، فإضافةً إلى كون أغلب السنوريات التي تصيد بالمطاردة تدفع به عكس اتّجاه حركتها عند تغيير الاتّجاه ليعمل كثقلٍ موازن يمنعها من الانزلاق والسقوط أرضاً، فإنّ له دوراً كبيراً في الحركية الهوائية Aerodynamics للشيتا، حيث تجعله حركته المخروطية يعمل كالجنيحات في ذيل الطائرة فيساهم في إعطاء الشيتا دفعاً زاوياً angular impulse يساعده على المناورة بسهولة.

لكن الأكثر إثارةً لدى الشيتا هو رأسه، فلو راقبته أثناء الجري ستجده لا يكاد يتحرك. يعود السبب في حدوث ذلك إلى وجود نظامٍ دهليزي vestibular system معقّد في أذنه الداخلية. يساهم النظام الدهليزي لدى الثدييات في الشعور بقوة الحركة واتّجاهها ممّا يساعدها على ضبط اتّزانها بما يتلاءم مع وضعيات حركتها المختلفة عن طريق حركة سوائل وشعيرات دقيقة موجودة داخل القنوات شبه الدائرية بها، فعند التحرك بأيّ اتّجاه يتحرك السائل في الاتّجاه المعاكس بتأثير القصور الذاتي محركاً الشعيرات التي تغذي المخ باتّجاه الحركة وقوتها. النظام الدهليزي لدى الشيتا أكبر بكثير من نظرائه عند باقي السنوريات، حتى تلك الأقرب له مثل الشيتا العملاق المنقرض Acinonyx pardinensis الذي عُثر على أحافيره بأمريكا الشمالية ممّا يرجّح تمايز النوعين في مرحلة مبكرة. وحتى عند مقارنتها بالحفريات الأقدم التي تنتمي لنفس النوع سنجد تمايزاً تدريجياً حدث على مدار 2 مليون عاما ممّا يعني ظهور هذه الصفة لدى الشيتا في مرحلةٍ حديثة نسبيا. تمكنه هذه الأنابيب شبه الدائرية الأضخم من الشعور بحركته وتنظيمها بشكلٍ لا يستطيع أيّ ثديي آخر على وجه الأرض القيام به، ويمكنه ذلك من ضبط حركة رأسه لتصبح ثابتةً فتبقى عيناه مركزتين على الفريسة.

تظافرت تلك الصفات المدهشة معاً لتنتج لنا تلك الأعجوبة الحية التي لا مثيل لها والتي تعدّ كابوساً فعلياً لأيّ فريسة مهما بلغت سرعتها. والآن نترككم مع هذا الفيديو الجميل الذي يشرح طريقة جريه:

 

رسم يوضح موضع الجهاز الدهليزي لدى الشيتا

 

رسم يوضح التغير الحادث في النظام الدهليزي للشيتا على مدى ملايين السنوات.

مصادر ومراجع:

  • إعداد: محمد علي
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More