fbpx
الفضائيون

القفزة العظمى: كيف انتقلت بعض أنواع الأسماك إلى اليابسة؟

من أكبر الأحداث في تاريخ الملحمة العظيمة للحياة على كوكبنا انتقال بعض أنواع الأسماك للعيش على اليابسة قبل 375 مليون سنة، والتي خرج من نسلها على مدى عمليةٍ بطيئة حدثت لملايين السنوات جميع الفقاريات التي تعيش على اليابسة.

ولكن كيف حدث ذلك؟

في العصر الديفوني قبل حوالي 400 مليون سنة، ظهر نوعٌ من الأسماك الآكلة للحوم يعرف باسم يوستينوبتيرون Eusthenopteron  يصل طوله إلى نحو 180 سم (اكتُشفت بقاياه في كيبك بكندا عام 1881)، تميزت هذه السمكة بزعانف صدرية وحوضية أقوى من أقرانها، يعتقد أنّها مكّنتها من الزحف عليها لمطاردة الفرائس على شاطئ البحر الذى كان غنيّاً بالديدان واللافقاريات الأخرى، ولكنّها ظلت ساكنةً للبحر، والشاطئ بالنسبة إليها كان مكاناً للبحث عن الطعام. تلى ذلك ظهور نوعٍ آخر من الأسماك الآكلة للحوم يعرف باسم باندركتايس Panderichthys  قبل حوالي 385 مليون سنة ويصل طوله إلى نحو 120سم (اكتُشفت بقاياه في لاتفيا عام 1941)، لدينا هنا سمكةٌ ذات عينين أكبر حجماً من أسلافها وتحرك مكانهما إلى الأعلى قليلا، وهذا يعني مجال رؤيةٍ أوسع وأكثر وضوحاً خارج المياه، والمثير للاهتمام حقّاً هنا هو بدء تمايز العظام في زعانفها إلى سلاميات.

نعم، كانت سمكةً ذات أصابع بالإضافة لتمايزٍ بدائي لعظام الحوض. ثمّ ظهر قبل حوالي 375 مليون سنة نوعٌ آخر من الأسماك آكلة اللحوم يعرف باسم تيكتاليك Tiktaalik يصل طوله إلى حوالي المتر (اكتُشفت بقاياه بجزيرة إلسمير بكندا عام 2004)، تميزت هذه السمكة عن أسلافها بصفاتٍ مثيرة للاهتمام، فقد كان لها رأسٌ مسطحٌ وانتقلت كلتا عينيها إلى الأعلى بدلاً من الجانبين كأسلافها ممّا جعل رأسها شبيهاً إلى حدّ ما برأس التمساح. وجود عينيها أعلى الرأس مكّنها من الرؤية على اليابسة بشكلٍ أفضل، والكمون للفرائس في المياه الضحلة بشكلٍ أكثر فعالية، بل ومطاردتها على الأرض أيضاً، إذ أنّ الوضع الجديد للعينين يعطيها مجال رؤيةٍ أوسع وأكثر شمولاً تُقدر ب17 ضعف مجال الرؤية مع وجود العينين على جانبي الرأس، وتميزت أيضاً بكتفين غير مرتبطين بالرأس كباقي الأسماك ممّا جعل لها تكويناً أشبه بالعنق. غير أنّ الميزة الأكثر إثارةً للاهتمام كانت في زعانفها الأمامية التي احتوت على تكويناتٍ عظمية جعلت منها يداً بدائية.

كانت العظام متمايزةً إلى ما يشبه عظام المعصم وسلاميات الأصابع لدى باقي الفقاريات التي ستظهر على الأرض بعد ذلك، مكّنتها هاتان اليدان البدائيتان من الحركة على اليابسة خلف الفرائس. في الواقع، التيكتاليك أحد أهمّ الحفريات التي عُثر عليها على الإطلاق لأنّها تشكل حدّاً فاصلاً بين مرحلتين مختلفتين تماماً من تطور الفقاريات.

نقطة التحول الكبرى بعد التيكتاليك كانت في ظهور أوّل أنواع البرمائيات المعروف باسم أكانثوستيجا Acanthostega قبل حوالي 370 مليون سنة، ويصل طوله إلى نحو 60 سم (اكتُشفت بقاياه في جزيرة جرينلاند عام 1952)، تمايزت لدى الأكانثوستيجا أربعة أقدامٍ واضحة وإن ظلت تكويناتها العظمية بدائيةً وتكفي بالكاد للحركة ومطاردة الفرائس بطيئة الحركة كالديدان، كما غطت بطنَه طبقةٌ سميكة من الحراشف تحمي جسده من الاِحتكاك المستمر بالأرض، لكنّه على الأرجح ظل يقضي أغلب وقته بالمياه الضحلة.

تميز أيضاً بعينين كبيرتين أكبر من عيون جميع أسلافه الأسماك بلغ حجمهما حوالي ضعف حجم عيني التيكتاليك، ممّا يعني مجال رؤيةٍ أكبر وفعاليةً أكبر فى رؤية الفرائس على اليابسة. غير أنّ الميزة الأكثر إثارةً للاهتمام هي استطاعته الحصول على الأكسجين من الهواء مباشرةً وليس من الماء فقط كالأسماك، حيث كانت لديه رئتان بدائيتان يتمّ تغذيتهما بالهواء باستخدام مضخةٍ فموية إضافةً إلى الخياشيم، ممّا مكنه من التنقل بشكلٍ حر بين البيئتين. ثمّ ظهر أحد أوائل أنواع الفقاريات التي عاشت على اليابسة بشكلٍ شبه كاملٍ والمعروف باسم بيدربيس Pederpes قبل حوالي 330 مليون سنة، ويصل طوله إلى نحو المتر (اكتُشفت بقاياه في اسكتلندا عام 2002). كانت أطرافه الأربعة متوائمةً بشكل أفضل مع السير على الأرض، إذ كانت مائلةً للأمام بدل الجانبين كسلفه الأكانثوستيجا، كما كانت عيناه أكبر بكثير.

اختفت الخياشيم هنا واختفت المضخة الفموية ممّا سهل صغر حجم الجمجمة قليلاً، فكان يعتمد بشكلٍ كامل على رئتيه للحصول على الأكسجين، وأصبح يستخدم ممراً هوائيّاً (ما تمايز فيما بعد البلعوم والقصبة الهوائية) لتغذية رئتيه بالهواء بدل المضخة الفموية لدى سلفه.

من التدرج السابق يتّضح لنا أنّ هناك ثلاث صفاتٍ أساسية مهّدت لهذا الحدث العظيم:

1.   الرؤية: حجم العينين ومكانهما يؤثران إلى حدٍّ كبير في كيفية تعاطي الكائن مع البيئة المحيطة، فوجود العينين على جانبي الرأس بالإضافة لصغر حجمهما يُقللان كثيراً من المدى المُتاح ويجعلان الأسماك لا ترى أمامها إلا بزاويةٍ ضيقة للغاية، ولكن باقتراب العينين من بعضهما البعض وتغيّر مكانهما إلى الأعلى أو الأمام مع زيادة الحجم يزيدان من مدى الرؤية ووضوحها عشرات المرات، ممّا يجعل من البحث عن الطعام ومطاردته ممكنين بشكلٍ أكثر فعالية، ويُسهل أيضاً رؤية المفترِسات في الجوار والهروب منها. وهذان هما الدافعان الأساسيان لأيّ نشاطٍ حيّ يمكن تخيله.

2.   تمايز الأطراف: الزعانف بالتأكيد غير عملية السير على الأرض، لكن ظهور التكوينات العظمية في زعانف بعض الأسماك جعل هذه الزعانف أقوى وأكثر قدرةً على حمل وزن الكائن على الأرض ودفعه للأمام، ومع تمايز هذه التكوينات إلى عظام ذراعٍ ورسغٍ وسلاميات أصابع يصبح لدينا طرفٌ قويّ وفعّال. وباستمرار آليات الاِنتخاب الطبيعي والتعاطي مع البيئات المختلفة على مدى ملايين السنوات يصبح لدينا هذا التنوع الهائل الموجود لدى أطراف الفقاريات والتي تشترك كلها في البنية الأساسية التي ورثناها جميعاً من سلفنا التيكتاليك.

3.   القدرة على الحصول على الأكسجين من الهواء مباشرة: كان التدرج مدهشاً من خياشيم إلى رئةٍ بدائية تعتمد على المضخة الفموية استُخدمت جنباً إلى جنب مع الخياشيم، قبل أن يتمّ الاستغناء عن الخياشيم تماماً وتصبح الرئتان أكثر تطوراً باستخدام ممرٍّ هوائي، ونحن نتحدث هنا عن عمليةٍ بطيئةٍ استغرقت قرابة 70 مليون عام ولا تزال نتائجها تتطور حتى اليوم بعد انتهائها بنحو 330 مليون عام.


تطور حجم العين و موضعها بالنسبة للجمجمة فى الأنواع ال5
Eusthenopteron يوستينوبتيرون

المصادر :

1-  http://theconversation.com/the-eyes-have-it-how-vision-may-have-driven-fishes-onto-land-73060

2-  https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/12473947

3-  http://www.jstor.org/stable/10.1086/425183?seq=1#page_scan_tab_contents

4-  http://www.nature.com/nature/journal/v456/n7222/full/nature07339.html

5-  http://www.pnas.org/content/early/2017/03/06/1615563114.abstract

المُساهمون:
  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: داليا المتني
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي

تعليقات

  • أولاً علينا اعادة النظر في الجملة البسيطة اللفظ ” التعاطي مع البيئات المختلفة على مدى ملايين السنين”، فكما نعلم بان الانتخاب الطبيعي يصطفي انواع #موجودة_اصلاً ولا يستحدث اعضاء أو بداءات اعضاء جديدة في النوع نفسه ، فيبقى السؤال ما الذي مهد لانواع جديدة تماماً من الخلايا أن تتشكل من اللاشيء او أنها تتمايز عن نوع خلايا اخر ولو كانت جذعية وهي لم تكن شيء..؟؟ فهل ثبت علميا ان التعرض للوسط الخارجي يدعو لتشكيل خط خلوي جديد كلياً؟!!..ثم إن الربط بين المستحاثات يصح زمنيا ولا يصح استنتاجياً..القصد:كيف أُثبت أن Eusthenopteron تلاه Panderichthys هل لمجرد كونه في حقبة زمنية بعده ام لانه يملك اعضاء اكثر تطوراً؟؟وفي الحالتين لم يتم التعاطي مع المنهج العلمي بالابحاث “الملاحظة والتجريب او القياس” فكيف ثبت ما سبق؟؟ ما سبق لا ابتغي منه التنقيص او النقض العبثي،بل أريد اجابات على الاستفسارات التي لم تستطع اكبر مراكز الابحاث اثباتها لليوم واحالتها للمستقبل البحت!!

    • للاسف كما تقول اولا التطور يعتبر البيئة منتقي ليست مؤثر علي الاطلاق ثانيا لا افهم ماذا ستجد انواع الاسماك الاولي علي الشاطئ غير الديدان كما اسلفتم لمن ستكمن حتي تطور كل اليات الصيد تلك و الصيد نفسه غير موجود بالاساس

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.