البحث عن أعماق المحيطات الخفية للأرض

معادن تحمل الماء في سِتار الأرض قد تحمل أكثر مما تحتويه المُحيطات. يسأل العُلماء الآن: من أين أتَى هذا المخزون؟

اكتُشِفت عدد من قطع الألماس الصغيرة في وحل في منطقة برازيليّة، موجودةٌ الآن في خزنة في جامعة “نورثويسترن Northwestern” في الولايات المتّحدة. وضّح العالم ستيف جيكوبسن Steve Jacobsen، وهو مُتخصص في علم المعادن حول هذه القِطع: ” تَعرّضت لضربات، تبدو وكأنها خارجة من آلة غسيل”. بعضُها غامق اللون، بعضُها أصفر، لكنّها تشترك جميعها بأنّها لا تُشبه الألماس الذي يبحث عنه الأغنياء.

مع أنّ مُعظم النّاس لن يُفضّلوا دفع الأموال للحُصول على هذه القِطع، إلّا أنّها نَفيسة عند البعض مِثل جيكوبسن، إنّ هذه القِطع البلّورية من الكربون تُشكّل ثروة عند عُلماء المعادن، ليس بسبب نُدرتها وثمنها بِقدر أهمّيّتها في الكشف عن باطن الأرض وعَن مُحتوى الماء الموجود فيها.

وُجِدت هذه القِطع على عُمق مئات الكيلومترات تحت سطح الأرض، قد يَحتاج بعضُها إلى مِجهَر لرؤيتها. بعد البحث في أمرها، اكتُشَفَ أنّها تحوي على الماء. والمقصود بالماء هُنا ليس جُزيئات الهيدروجين والأُكسجين مُتّحدة، بل هي ذرّات الهيدروجين وذرّات الأُكسجين مُنفصلة ومُتواجدة في بُنية القِطَع نفسها. مَع ذلك، فإنّ القِطَع جافّة تمامًا، إلّا عند تعريضها للإذابة، حيثُ تُنتِج الماء. كان هذا الاكتشاف بمثابة ثورة لإثبات وُجود الماء المدفون في معادن الأرض على عُمق كبير، ما بين 410 إلى 660 كيلومتر تحت سطح الأرض، وتتواجد في مَنطِقة تُسمّى بالمنطقة الانتقالية، وهي محصورة ما بين القشرتَين العُلويّة والسُفليّة للأرض.

 

 

مُنذ ذلك الاكتشاف، وُجِد المزيد من الأدلّة المُحيّرة حول مخزون الماء في باطن الأرض. حيث أعلن فريق علمي عن اكتشاف ألماس من المعدن الأرضيّ يحتوي على ماءٍ محصورٍ في داخله، كما أشارت بيانات تحليل الزلازل إلى وجود مَعادن صديقة للماء – أي قد تحتوي على ماء- في مساحة شاسعة من باطن الأرض. والآن، العديد من العُلماء يظنّون بِوجود مخزون ماءٍ كبير جدًا مخفيّ تحت أقدامنا. إذا اعتبرنا أنّ جميع الماء على سطح الأرض عِبارة عن مُحيطٍ واحد، واحتوى جَوفُ الأرض على أضعاف هذه الكمّية، أي على عِدّة مُحيطات أُخرى، ستتغير نَظرة العُلماء للأرض وتكوينها وباطنها. لكن سيظهر السؤال الكبير: من أينَ أتى هذا المَخزون؟

عالم الماء

دون وُجود الماء، لن توجَد هذه الحياة التي نعرفها، ولا هذا الكوكب الحيوي المليء بالكائنات الحيّة بمختلف أشكالها. إنّ دور الماء هام جِدًا في عملية بِناء سِتار الأرض، ,في تحفيز البراكين، وفي مُساعدة الأجزاء المعدنيّة من القِشرة العُلويّة للأرض للانسياب بِحُرّيّة. بالرغم من ذلك، فإنّ سِتار الأرض جافٌّ نسبيًّا، فالجُزء العُلوي مِن السِتار على سبيل المثال يتكوّن بشكل أساسي من معادن تُسمّى بالأوليفين Olivine لا يُمكنها تخزين الماء.

لكن على عُمق 410 كيلومتر، أي في المنطقة الانتقاليّة، تقوم درجة الحرارة العالية والضّغط بتحويل الأوليفين إلى شكل بِلّوري جديد يٌسمّى بالوادسليت Wadsleyite. في عام 1987، لاحظ عالم المعادن جو سميث Joe Smyth من جامعة كولورادو أنّ بُنية الوادسليت تحتوي على فجوات. اتّضح أنّ هذه الفجوات مُلائمة جدًّا لِوجود ذرّات الهيدروجين، والّتي يُمكنها التّفاعل مع ذرّات الهيدروجين الموجودة في بُنية المَعدن أساسًا. وبِما أنّ وجود الهيدروجين في شيء يَعني وجود الماء فيه بالنسبة لعلماء المعادن، فإنّ وجود الهيدروجين في الوادسليت يُحوِّله إلى معدنٍ حاوٍ للماء، حيث تَبقى ذرّات الهيدروجين والأُكسجين على ما هي عليه في البلّورة، إلى أن تتعرّض للإذابة مُطلقةً جُزيئات الماء.

قام بعض العُلماء، ومن ضمنهم جيكوبسن بتسخين الوادسليت بهدف معرفة ودراسة مكونات المنطقة الانتقالية في سِتار الكُرة الأرضيّة، وأوجَدَت النتائج أنّ هذه الحجارة تحتوي على نسبة 1-3% من كُتلتها من الماء. ومع الأخذ بعين الاعتبار أنّ سماكة هذه الطبقة تصل إلى 250 كيلومتر، حيث تُشكّل 7% من كتلة الكُرة الأرضية كَكُلْ، ومع هذه النسبة من الماء في حجارتها، ستحتوي على كميّة كبيرة من الماء تصل إلى أضعاف الموجودة على القِشرة التي نَعيشُ عليها.

 

دلائل مُحيّرة

في عام 2014، اتّجه مجموعة من عُلماء الجيولوجيا إلى مزارع في مدينة جوينا في غرب البرازيل، باحثين عن ألماس اعتُقِدَ وجوده في أنهار محلّيّة في تلك المدينة.

عندما يتشكّل الألماس بفعل الضغط العالي والحرارة في السِتارة، يحبس معه بعضًا من المعادن، ولأنّ الألماس بطبيعته قاسٍ ومُتماسك، فإنّه يُلصق المعادن جيّدًا به ويحفظها معه، كما قد يحتوي سطحه على بعضٍ منها بِفعل الثورات البُركانية.

أحضر العُلماء أكثر من ألف عيّنة بلّورية. أحد هؤلاء العُلماء، جراهام بيرسون، أحضر عدد من هذه البلّورات إلى مُختبره في جامعة ألبيرتا. ومن خلال فحصه لهذه العيّنات تبيّن لديه أنّ إحداها تحتوي على الـرينجووديت Ringwoodite، وهو المعدن الّذي كان من المُتوقّع وجوده في المنطقة الانتقاليّة. وَوُجِدَ أنّ تِلكَ العيّنة تحتوي على الهيدروجين، مما يعني احتوائها على الماء بنحو 1% من وزنها.

يقول براندون شمانت Brandon Schmandt وهو خبير زلازل من جامعة نيوميكسيكو عن الاكتشاف:

“إنّه اكتشاف مهم من الناحية العقلانية. وبعد هذا، ليس من الجنون أبدًا ان نؤمن بأنّ هُناك أجزاء أُخرى من السِتار تحتوي على الهيدروجين”.

ويُكمل:

“الجنون سيكون إن آمننا أنّ عيّنة واحدة تُمثّل جميع ما يوجد داخل المنطقة الانتقالية، أي أن نقول أنّ مُعظم المعادن مُهدرجة”.

من المُمكن أن تكون هذه العيّنة قد أتَتْ من منطقة مائيّة نوعًا ما في السِتار، وهذا لا يَعني بالضرورة أن يكون كُلّ السِتار مُهدرج ومليء بالماء.

لدراسة هذا الموضوع، قام شمانت وجيكوبسن بمساحة مناطق واسعة باستخدام الأمواج الزلزاليّة. وبسبب الحِمل الحراري العالي الموجود في السِتار، من المُمكن أن تَنزل المعادن المُهدرجة، خصوصًا الرينجووديت، إلى ما تحت المنطقة الانتقاليّة، كما يُسبب الضّغط العالي ذوبان المعادن، وبالتالي خُروج الماء منها. سيُسبّب كُل ما سَبَق وجود طبقة من المعدن الذائب في بداية المنطقة الانتقاليّة، والتي بدورها تؤدي إلى تخفيض سُرعة الأمواج الزلزاليّة المُستخدمة للقياس. مع ذلك، فإنّ نتائج القياس في منطقة أمريكا الشماليّة أكّدت وجود هذه الطّبقة من الرينجووديت، وأكّدت ذلك دراسةٌ أُخرى في جبال الألب الأوروبيّة.

ظَهَرَت وَفرة السِّتار المائي أيضًا عِندما وَجَد فريق عمل من جامعة نيفادا ألماسًا يحتوي على قِطع من الماء المُتجمّد، أي هو أولّ مُشاهدة لشكل الماء التام في الألماس. كانت هذه العيّنات بمثابة دليل على وجود ظُروف رطِبة في تلك المنطقة من السِتار، وبسبب هذا الماء، والاستدلال على هذه المنطقة، بإمكاننا الحُكم على وجود وَفَرة من الماء في السِتار.

إن كان ذلك صحيحًا، سيكون لدينا الآن الشوق والفُضول لمعرفة من أين أتى كُلُّ هذا الماء إلى ذلك المكان.

الأُصولُ المائيّة

بالاعتمادِ على الحكاية القديمة، فإنّ ماء الأرض مُستورَد، حيثُ أنّ المُنطقة حول الشّمس – حيث تشكّل الكوكب في بداية الأمر – كانت حارّةً جدًا لتشكيل مائعٍ مثل الماء وتكثيفه. فنستنتج أنّ الأرض في بداياتها كانت جافّة، وأصبحت رطبة ومليئة بالماء بعد أنْ اصطدم الكثير من الجُسيمات المليئة بالماء بهذا الكوكب، مما أدى إلى جعل الماء عُنصرًا أساسيًا في تكوينِ كوكبنا. ومن خلال مُحاولات فهمِنا لهذه الجُسيمات التي ضَرَبَت الأرضَ قديمًا، فيجب أن تحتوي على 20% من وزنها ماء، مُخزّنًا على شكل هيدروجين يتحوّل إلى ماء عند احتراقه في مواد مثل الرينجووديت.

يُقدّر جيكوبسن، بافتراض أنّ الطّبقات الداخلية للأرض احتوَت على 1% من وزنِها ماءً، سيكون مُحتوى المخزون ما يُقارب أكثر من ضِعف مُحتوى سطح الأرض من الماء. إنّ الطَّبَقة السُّفلى ضَخمة لكن جافّة، مع ذلك، قد تحتوي على ما يُقارب مُحتوى سطح الأرض من الماء.

بالاعتِماد على بعضِ النّظريّات، على الأقل فإنّ بعض الماء المخزون في الأرض كان هُناك مُنذ تشكُّلِها، بغض النّظر عن حقيقة أنّ الحرارة العالية كانت موجودة في بداية تشكُّل النظام الشمسي، إلّا أنّهُ بالتأكيد هُناك ماءً قد التصق ببعض الأتربة المُشكِّلة للأرض.

إلى الآن، لا يُمكن تحديد كميّة الماء المخزون في طبقات الأرض السُّفلى والعُليا بشكل دقيق، لكن يُمكن القَول أنّ الطّبقة العُليا تحمل أكثر المعادن قابليّةً لحمل الهيدروجين. وهذا الأمر سيكون لصالِحِنا، أن تمتَلِأ الطّبقة القريبة من القشرة الأرضية بالماء.

ويُمكنِنا القول بأنّ البحث جارٍ ومُستمرّ في هذا الموضوع، وأنّ عمليّة قياسْ كميّة المخزون ليست بالعمليّة السّهلة، أمّا عمليّة استخراجها لَم يُفكَر بها بعد. وبِغضِّ النّظر إنْ احتِوت على الماء أم لا، فإنّ الألماس والمعدن المُستخرج من الأعماق سيبقى جميلًا وهامًّا، لأنّه وبِكُلِّ بساطة نادر، وكُلُّ قِطعَةٍ مِنهُ تُشكّلُ عِلمًا بذاتها.

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: محمد يامين
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More