in ,

القمر أحد أهم سجلات تاريخ نظامنا الشمسي!

هبط اثنا عشر شخصًا على القمر بغرض استكشاف سطحه؛ ولكن من بينهم كان عالمٌ واحدٌ فقط هو الجيولوجي هاريسون شميت- Harrison Schmitt، الذي زار القمر في 1972 على متن أبولو 17 في آخر مهمة  لبرنامجه، بعد ذلك تراجع الاهتمام العام بالقمر، ومهما يكن فإن هذا السجل مجرد بداية  للبحث.

ما الذي نعرفه عن هذا الجسم السماوي  الأقرب إلى الأرض؟ هل من الممكن اكتشاف حقائق جديدة؟ هل هناك أي أسئلة بقيت بلا أجابة؟ في الذكرى الخمسين لرحلات أبولو؛ تحدث العالم أورس مول Urs Mall من معهد ماكس بلانك Max Blank لأبحاث النظام الشمسي عن القمر وتركيبته، والرحلات السابقة إليه ونتائجها والمخططات المستقبلية. 

سيد مول، جلبتْ مهمة أبولو نحو 384 كيلو غرام من صخور القمر إلى الأرض، ما الذي تعلمناه منها؟

أول مرة وبفضل أبولو؛ تمكن البشر من الوصول إلى مواد من خارج كوكب الأرض، جلبوها هم بأنفسهم من جرم آخر، فقد أصبح واضحًا أن القمر ليس كوكبًا مميزًا ولديه بنية داخلية. جعلت التحاليل المختبري للمواد القمرية التي قد جُلبت منه من الممكن تحديد التركيب المعدني والكيميائي لهذه الصخور، والذي قد أظهر أنها تعود للأرض، أصبح من الممكن تحديد تاريخ الصخور والتحقق متى تكونت.

بطبيعة الحال يختلف عمر هذه العينات بشكلٍ كبيرٍ، على الرغم من أن الأقدم تبلغ على الأقل 4.42 بليون سنة، فقد نشأت  هذه الصخور من بدايات مراحل تكون القمر، ووضعت كل هذه الدراسات نهايةً لكل التكهنات التي تفرض وجود حياةٍ على القمر.

أشرت إلى مرحلةٍ مبكرةٍ من القمر، فمتى كانت ولادة القمر فعليًا؟

تشير نظرية محتملة بنسبة كبيرة أن الأرض البدائية اصطدمت بكوكب أولي كان تقريبًا بحجم المريخ، والذي ذكره العلماء باسم (ثيا- theia)، لم يكن هذا الاصطدام مباشِرًا، إنما تلامس الكوكبين مع بعضهما البعض. نتيجةً لهذا التصادم الكوني نُقِلت كمياتٌ كبيرة من المواد إلى مدار الأرض الذي تشكل منه القمر على مدى عدة آلاف إلى مئات الآلاف من السنين.

كان هذا القمر البدائي مغطىً بطبقةٍ سميكةٍ من المواد السائلة المنصهرة تُعرَف  باسم محيط الصهارة (ماغما- Magma). ومن هنا يُدار نقاش مثير حول الكيفية والمدة التي تحتاجها هذه الصهارة لتهدأ وتبرد. كما نريد اكتشاف شيءٍ ما عن الآلية التي تسببت  في تصلب المواد المنصهرة، تتضمن كل هذه التفاصيل فهمنا لتاريخ أرضنا. ومع ذلك عندما يتعلق الأمر بتشكّل القمر، فإن سلسلةً من النظريات بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة تعدل بطريقةٍ ما نظرية التصادم.

اليوم وبعد ملايين السنين، الأرض والقمر مختلفان بشكلٍ كاملٍ.

نعم، يحدث قدرٌ كبيرٌ من التغيير على الأرض وغلافها الجوي بسبب عملية التدمير والتجديد المتواصلين على السطح، والسبب الرئيس في ذلك هو الصفائح التكتونية؛ فعندما تتصادم صفائح  الغلاف الصخري، إما يُعاد تشكّلها أو تختفي في أعماق الأرض في خلال مسار تاريخ الأرض.
لا يوجد مثل هذا الأنموذج من التغيير في القمر، نظرًا لعدم وجود عملية تجديد، وقد ظلت حالته الأولية سليمةً وكأنها مجمدةً. ولذلك؛ لا يزال هذا الجرم السماوي يُظهر آثار القصف بأجسام منذ بداية تكون النظام الشمسي. بمعنىً آخر؛ يمكننا رسم استنتاجات عن أصل كثير من الحفر الموجودة على القمر من خلال قياس هذه الحفر ودراستها.

يمكن أيضًا إعادة النظر في البناء التطوري للشمس؛ فقد ترسبت الرياح الشمسية -هي تدفق من الجسيمات المشحونة- على سطح القمر على مدى مليارات السنين. باختصار: ربما يكون القمر أهم أرشيف لتاريخ نظامنا الشمسي.

ترتبط القضية الرئيسة في ولادة النظام الشمسي وتطوره بالدور الذي تؤديه المياه؛ ما الوضع بالنسبة للقمر؟

في البداية، لم يُعثَر على ماء في الصخور التي جُلبت على متن أبولو، ما وجده الفريق يعود إلى التلوث الناجم عن الأرض. ومع ذلك، لا يزال فحص العينات قائمًا حتى الآن، ولكن مع أدوات أكثر حساسيًة وتطورًا من تلك التي كانت قبل عقود. في عام 2008 مثلًا وُجَِد دليلٌ على وجود آثار للمياه في عينةٍ في أثناء التحليل المتجدد، وفي هذه الأثناء عُثِر على الماء في العديد من العينات. بعبارةٍ أدق، ما يُقاس في المعادن هو الهيدرات وأوكسيد الهيدروكسيد المرتبطين كيميائيًا.

ما هو مصدر هذه المياه؟

هذا هو تحديدًا السؤال الكبير، هناك احتمالان إما أن الماء كان موجودًا بالفعل عندما تشكَّل القمر، وفي هذه الحالة فإن مصدر الماء داخليٌّ، أو نُقِل الماء لاحقًا في أثناء قصفه على سبيل المثال بالمذنبات أو الكويكبات، وهذا يعني أنه جاء من مصدرٍ خارجي، وإلى الآن لا نملك إجابةً واضحة لهذا السؤال.

عند وجود مياه في صخور القمر، أليس من الممكن إثبات ذلك عن بعد؟

أجريت التجربة الناجحة الأولى من خلال مسبار الفضاء الهندي تشاندريان- 1 في عام 2008 باستخدام مطياف الأشعة تحت الحمراء. بطبيعة الحال، أُجريَت بعض التجارب بالفعل  سابقًا، لكن دعني أوضح شيئًا مهمًا: لا توجد مياه على القمر بنفس الشكل الموجودة فيه على الأرض، بمعنىً آخر، الماء غير موجود بشكله الجزيئي بصيغة H2O.

فمن ناحيةٍ، سوف يتبخر الماء بسبب غياب الغلاف الجوي، ومن ناحيةٍ أخرى، فإن أشعة الشمس ستدمر الجزيئات، أضف أن قلة الجاذبية على القمر ستجعل الهيدروجين الخفيف يهرب، ما نجده هو على الأرجح هيدروكسيل مع الصيغة الكيميائية OH-. بالمناسبة، من المتوقع العثور على رواسبَ كبيرةٍ على قطبي القمر، وأيضًا يوجد احتمال للعثور على جليد.

لماذا هناك وليس في أي مكان آخر؟

تعمل جزيئات الهيدروكسيل OH- الذي ذكرته للتو، أو جزيئات الماء الفردية، كالكرات التي تضرب السطح؛ فمع التأثير الأول لا تبقى ثابتة بل تقفز. وبتلك الحركة  تصل الجزيئات إلى المنطقة القطبية تبعًا لمبدأ العشوائية. وبما أن الحفر توجد في الظل بشكلٍ دائمٍ، فهي باردةٌ للغاية. يشبه الأمر عندما تضع إصبعك في مجمد عميق، ما يحدث أنه سيلصق، يحدث نفس الشيء بالنسبة للجزيئات التي تتجمع في أبرد المواقع. 

لقد ذكرت المسبار الفضائي غير المأهول، والذي أُطلِق في 2008 يناير/كانون الثاني 2018، كما هبط الصينيون على السطح الآخر من القمر، هل يُخطَّط  لبعثاتٍ أخرى؟

في يوليو/تموز من المقرر إطلاق المسبار الهندي تشاندرايان -2  والذي سيتابع عمل سلفه. لسوء الحظ، لن يشارك الألمان على الرغم من أن تشاندرايان -1 عرضت علينا فرصة المشاركة في هذه المهمة. ومع ذلك من الواضح أن الرعاة في هذه البلد غير مهتمين بشكلٍ خاصٍّ بالبحث القمري. فقط بفضل (DLR) في مركز الفضاء الألماني. ومحطة الفضاء الدولية (ISS) والاستكشاف، ومبادرة رئيس مركز ماكس بلانك السابق بيتر جروس Peter Gruss تمكننا من المشاركة في مهمات إلى القمر في الماضي. لكن الآن لا يخطط مركز الفضاء الألماني لأي مشاريع من هذا النوع أيضًا. الأمريكيون والروس أكثر نشاطًا في هذا المجال. من 2021 إلى 2026.

من المقرر تحليق Luna 25 إلى  Luna 29 إلى القمر كجزءٍ من برنامج  Luna-Glob الروسي. لسوء الحظ ليس لدينا الأموال الكافية لإنشاء الأجهزة لهم، لكننا على الأقل كنا مشاركون  في التجربة. من ثم لا ينبغي لنا بالطبع نسيان زملاءنا الصينين الناجحين الذين عملوا من خلال برنامج  Chang’e أشياء مذهلة في مجال الأبحاث القمرية، والتي سوف يطورونها بشكلٍ حاسمٍ للغاية في خلال السنوات القادمة.

هل ينبغي للناس أن يطيروا إلى القمر مجددًا؟

حدد الأمريكيون هدف إرسال أول رائدة فضاء إلى القمر في عام 2024 بمثابةِ جزءٍ من برنامج أرتيموس Artemis، وبدء سلسلةٍ كاملة من الهبوط لمتابعة الاهتمامات العلمية والتجارية. وإعطاء إجابة محددة عن أسئلتكم، من وجهة نظري هناك الكثير مما يمكن فعله اليوم باستخدام الروبوتات. من ناحية أخرى، من الأفضل بالطبع  وجود أشخاص في الموقع، ممن يمكنهم التصرف بالطريقة المناسبة، والرد بشكلٍ مناسب في مواقف معينة. في النهاية؛ المسألة هي مسألة تمويل.  

المصدر

  • ترجمة: نسرين أبوزيتون.
  • مراجعة: رأفت فياض.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

ماتقييمك للموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المركبات الفضائية ستستخدم النجوم النابضة لمعرفة وجهتها القادمة والتنقل بين النجوم بشكل مستقل كليًّا

صغار الطيور تتواصل فيما بينها من داخل البيوض قبل أن تفقس