قدرات خارقة: تمساح النيل

0 290

«سيِّدُ النهر»، لا شيء يستطيع الإفلات من فكيه القويين، قدَّسه المصريون القدماء فأطلقوا عليه اسم «سوبيك» وبنوا له المعابد في «أدفو» و«كوم امبو» و«جزيرة فيلة»، كما احتلَّ مكانةً متميِّزةً في تصورهم الأسطوري للعالم، بل وعُثِرعلى مومياوات لتماسيحَ محنطةٍ في بعض المواقع الأثرية المصرية القديمة.

قدرات خارقة: تمساح النيل

يبلغ طول تمساح النيل (Crocodylus niloticus) 4 إلى 5 أمتار في المتوسط، ويبلغ وزنُه 300 إلى 700 كيلوجراماً، ويبلغُ متوسِّطُ ما يعيشُه الفردُ البالغُ في البريَّةِ حوالي 45 عاماً في المتوسط.

تُعتبرُ التماسيح من أقدم الفقاريات الموجودة حالياً على وجه الأرض، إذ لا تزال محتفظة بنفس شكلها الحالي دون تغيرات كبيرة منذ حوالي 55 مليون عام، ولكنَّ جذورَها تعود إلى العصر الترياسي أي قبل 250 مليون عام عندما تمايزت أسلافها عن أسلاف الديناصورات من العظائيات القوسية (Archosauromorpha) (تحدثنا عن هذة المسألة في مقالنا السابق: كيف وصلنا إلى الفقاريات الحالية؟ 4. من البِرمي إلى الجوراسي).

فكوك ضخمة وقويَّة:

لعلَّ أول ما يخطرُ في ذهنِنا عند الحديث عن التماسيح فكوكُها الضخمة والقوية والمثيرة للإهتمام، والتي تتميز بأقوى عضة على وجه الأرض. ولكي نفهمَ كيف تعمل هذة الفكوك نحتاج أن نلقيَ نظرةً على تشريح الجمجمة:

  • جماجم التماسيح سميكة ومدعمة جيداً إذ تمَّ تدعيم الخطم الطويل بعظم حنك (Palate) إضافي يفصل تجويفَي الفم والأنف بما يسمح للتمساح بالبقاء تحت الماء وفتحتا أنفه في الأعلى دون أن يغرق، كما أعطت تلك العظمة للفك العلوي قوة ومتانة.
  • ساهمت عظام القواطع أيضاً (Permaxilla) بالتحامها مع عظمة الفك العلوي (Maxilla) في تدعيمها لجعلها صلبة كالصخر.
  • بالإضافة إلى ذلك تمتد العظمتان قبل الجبهيتين (Prefrontal) لتدعيم الحنك الذي اندمج تماماً مع باقي الجمجمة لاغياً أي فواصل بشكل لا يسمح بأيِّ حركة بين العظمتين مما يقلل المقاومة عند العض.
«سوبيك» كما صوره المصريون القدماء، برأس تمساح وجسد رجل، في جدارية بمعبد «كوم امبو» في أقصى جنوب مصر.
عظام الجمجمة لتمساح: تبدو عظام القواطع (Premaxilla) في مقدمة الخطم باللون الأصفر، وعظامة الفك العلوي (Maxilla) على الجانبين باللون الأخضر، وتبدو العظمتان قبل الجبهيتين (Prefrontal) الطويلتان بشكل استثنائي باللون البني.

إقرأ أيضا: قدرات خارقة: الفهد الإفريقي الصياد – الشيتا

كيف تتمُّ عمليَّة العض عند التمساح؟

تشكل العضلتان الجناحيتان الأمامية والخلفية (Anterior and posterior pterygoideus) المحركين الأساسيين لحركة فكي التمساح بالإضافة لعضلات أخرى أصغر.

تمتد الأمامية لأعلى من عظمة الحنك سامحة بفتح الفم بزاوية كبيرة، وتعطي عزماً إضافياً عند إغلاقه يزدادُ كلما زادت زاوية الفتح، بينما تنثني الخلفية من خلف الفك لتمسك بزائدة خلفية مفصلية طويلة ومتصلة بعظام الفك السفلي من الخلف (Retroarticular process).

يعطي طول تلك الزائدة مع ضخامة حجم العضلة عزماً قوياً عند إغلاق الفم يجعل عملية العض تتم بسرعة وقوة لا مثيل لهما.

رسم يوضح موضع العضلتين الجناحيتين الأمامية واالخلفية (باللون الأحمر) في مؤخرة فكي التمساح.

إقرأ أيضا: قدرات خارقة: الإيجوانا البحرية (الأكورديون الحي)

ذيلُ التمساحِ مثيرٌ للإهتمام أيضاً:

لا تنتهي أعاجيبَ التمساح عند هذين الفكين الهائلين، فذيلُه مثيرٌ للإهتمام أيضاً إذ يستخدمُ التمساحُ ذيله الضخم كداسر للحركة تحت الماء بتحريكه يميناً ويساراً، بسرعة وقوة، بينما تعمل أقدامُه والزوائد الجلدية بين أصابع قدميه الخلفيتين كمثبتات عند السباحة البطيئة تحفظ جسده من التدحرج، ويستطيع الغطس والصعود إلى سطح الماء استناداً إلى حركة قدميه الأماميتين وحجم الهواء في رئتيه، كما أنَّ عضلات الذيل فائقة القوة لدرجة أنها تستطيع دفعه خارج الماء بشكل عمودي لالتقاط فريسة تحاول القفز، فكيف يحدث ذلك؟

يتحكم في حركة الذيل العضلتان الطوليتان (Musculus longissimus) والعضلتان الناصبتان الشوكيتان (Musculus spinalis) والتي تمتد على طول العمود الفقري للتمساح من الأمام للخلف والطويلة بشكلٍ استثنائي.

يزداد العزمُ قوةً بإضافة اثنتين من العضلة الذيلية الفخذية الطويلة (Musculus caudofemoralis longus) على جانبي الذيل واللتين تمتدان من الجزء الأمامي من الذيل حتى عظمتي الفخذ، وترتبط أيضاً بوتر طويل إضافي يعرف باسم «وتر ساتون» (Tendon of Sutton) يمتد حتى أسفل الركبة مما يعطيها قوة أكبر.

لدى التمساح أيضاً اثنتان من العضلات الحرقفية الوركية الذيلية (Musculus ilio-ischiocaudalis) تتجهان للخارج لتعطي شقيقتيهما من العضلات الذيلية الفخذية اللتين تتجهان للداخل عزماً قوياً عند تحريك الذيل أثناء السباحة أو دفع الجسم خارج المياه، وأيضاً تعطي التمساح ضربة ذيل قوية للغاية.

هذه العضلات الأربع الأخيرة مميزة للعظائيات القوسية دون غيرها، ويمكننا أن نجدها في الطيور وكذلك نجد آثارَها في مواضع اتصالها بالعظام في أحافير الديناصورات، لكننا لن نجدها خارج تصنيف العظائيات القوسية على الإطلاق.

إقرأ أيضا: قدرات خارقة: كيف تستطيع الحيتان الغطس دون استخدام عدَّة الغطَّاسين؟!

مقطع عرضي في ذيل التمساح يوضح العضلات القوية والكبيرة التي تتحكم في حركته

تضافرت تلك العوامل في جعل التمساح أحد أكثر آلات القتل فتكاً على وجه الأرض.

المصادر:

  • Vertebrate Paleontology and Evolution, Robert L. Carrol, 1988, W. H. Freeman and company. Pages 277-279.
  • Biology, Husbandry and Diseases, F. W. Huchzermeyer, 2003, CABI Publishing, UK. Page 10.
  • crocodilian
  • scientificamerican
  • whatsinjohnsfreezer
  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More