“يتعثر المرء أحياناً بالحقيقة، لكن الغالبية تمضي وكأن شيئاً لم يحدث”

وينستون تشرشل

دائماً ما يُقال بأنّك لن تستطيع أن تحصل على شيء ما من لا شيء، وهذا صحيح لمعظم التطبيقات في حياتنا اليومية. ولكن، هل أخبرك أحدٌ أنّه بإمكانك أن تحصل على كون؟ ولا أقصد هنا بعض الأجزاء الضئيلة منه، بل الكون بأكمله. عندما تنظر للكون في هذه الصورة، أو ما يمكننا رصده من مليارات السنيين الضوئية، من الصعب ألا تتعجب، من أين جاء كل هذا؟

اللاشيء

لنبدأ بشرح وتعريف اللاشيء علمياً؛ من الصعب فهم اللاشيء كونَنا محاطين بأنواعٍ مختلفة من المادة، الإشعاع والطاقة أينما نظرنا حولنا، فحتى لو أزلناها كلها لخلق فضاءٍ فارغ معزول لن نحصل على “اللاشيء” بعد، بحيث يبقى لدينا نسيج الزمكان وهو نسيجٌ ينحني للأجسام ذات الكتلة أو للطاقة فيحدث ما نسميه الجاذبية. لذا فإذا أردنا أن نحقق حالةً من العدم الفيزيائي فإنّنا أمام كونٍ فارغ تماماً، وفيزيائياً هذه الحالة الفكرية هي العدم حيث لا وجود للمادة، الطاقة، الإشعاع ولا تموجاً زمكانياً، بإمكاننا تخيل الوجود في الفراغ كلياً والذي سيبدو مسطحاً تماماً كما في الصورة:

لمثل هذا العدم الحرية إمّا في التوسع أو الانكماش طبقاً لطبيعة العدم، وهذا التعريف هو أفضل ما توصلت له معرفتنا حتى اليوم والذي يختلف عن التصور الفلسفي له، وهو ما ولد كوننا منه والذي سيعيد الانكماش في المستقبل البعيد.

كيف ذلك؟

أزلنا كل المادة، الطاقة ومصادر التموج الزمكاني، أنت الآن متروكٌ مع نسيج الزمكان الفارغ. اُنظر للصورة أسفله على الأبعاد الكبيرة (حيث نعني بكلمة كبيرة كل ما هو فوق المستوى الذري)، بالتأكيد سوف ترى نسيج الزمكان المسطح، لكن عندما نبدأ بتصغير المقياس فإنّ هذه الصورة تتغير. في أصغر وحدة قياس فيزيائية (مساحة بلانك) فإنّ نسيج الزمكان ليس مسطحاً تماماً، الفضاء الفارغ نفسه يهتز ويتموج وهناك يكمن عدم يقينٍ جوهري في المحتوى الطاقيّ في أي زمنٍ كان من العدم. هذا الفراغ الكمي يبدي ـ وعلى هذه الأبعاد الضئيلة ـ عدم يقينٍ جوهري عن طريق خلق زوجٍ من الجسيمات والجسيمات المضادّة بشكل عفوي لمدة وجيزة جداً من الزمن.

والجسيمات المضادّة تتكون بنفس الطريقة التي تتكون بها الجسيمات العادية ولكن ذات شحنةٍ مختلفة، حيث أنّ الجسيم المضادّ للإلكترون يدعى بوزيترون وهو إلكترون ولكن ذو شحنة موجبة، فإذا التقى مع الإلكترون يفني بعضهما الآخر. ونتيجةً لذلك يصبح السؤال “لماذا هناك شيء ما بدلاً من لا شيء؟” جوهرياً.

تحدث التقلبات الكمية في كل مكان وطوال الوقت وحتى في الفضاء الفارغ، وهذا ليس مجرد تنبؤ نظري تقدمه ميكانيا الكم، بل هو حقيقةٌ تجريبية. بإمكاننا اصطناعياً خلق حجرة من الفراغ كما فعلت ناسا WYLE لدراسة تأثير الجسيمات والجسيمات المضادّة المندفعة للوجود بشكلٍ عفوي، حيث وضعنا لوحين معدنيين غير مشحونين في هذا الفراغ. في حالة غياب التموجات الزمكانية بإمكانك أن تتوقع أنّ القوة المسيطرة بينهما هي الجاذبية، ولكن إذا قربت اللوحين من بعضهما البعض لمسافةٍ كافية ستلاحظ أنّ هذه التموجات الكمية تسبب التجاذب بين اللوحين غير المشحونين.

وهذا هو الدليل التجريبي الناجح الذي اختُبر منذ عام 1948 موضحاً الطبيعة الفيزيائية للعدم، هذا اللاشيء الذي انبثق منه كل شيء يعطينا معناً جديداً لعبارة شكراً على لاشيء.

المقال اﻷصلي

  • إعداد: قتيبه عثمان
  • مراجعة: جيهان المحمدي
  • كلمات دلالية
  • pick
مشاركة!
قتيبه عثمان
مهتم بالعلوم الفيزيائية بشكل عام والفلك بشكل خاص ، أدرس الترجمة الإنكليزية ، وأحب القراءة في العلوم والفلسفة .

تعليق

لطفت، أدخل تعليقك هنا
لُطفا، أدخل اسمك هنا