fbpx
الفضائيون

الفيزياء وراء الأشكال البيولوجية الهندسية المعقدة

التصاميم الهندسيّة للمباني دوماً ما توضّح ما هو المطلوب لمنعها من السقوط، لكن التصميم في حدِّ ذاته غرضه ليس وظيفي بحت، وإنّما له غرضٌ جماليّ أيضاً مع تلك الخطوط والأشكال المبهرة والملهمة، والتصاميم الهندسية حسنة الصنع ليست حصرية فقط في تلك المصنوعة من البشر؛ حيثُ الطبيعة هي الأخرى غنية بالزخارف الهندسية المختلفة، بدايةً بالأنماط ذات الشكل اللولبي والكسور على الصدف البحري، نهايةً بالخلايا العصبية المتداخلة والمترابطة بشكلٍ متناسق في الدماغ.

العالم الميكروسكوبي (المجهري) لديه حصته الوافرة من تلك الأنماط المعقدة مثل تلك الأنماط الهندسية على حبوب غبار الطلع، ما أثار انبهار العلماء هو مدى تعقيد تلك التصاميم، وهي في عرضها لا تتعدى عرض الشعرة الواحدة، لكنّهم على أيةِ حالٍ تمكنوا من معرفةِ كيفيةِ تكوّن تلك الأشكال ولما تبدو هكذا.

تمكن باحثون من جامعة بنسيلفينيا بقسم الفيزياء والفلك من تطوير طريقة لوصفِ تكوّن تلك الأنماط وكيفية تمايزها لذاك المدى الواسع من الأشكال المختلفة، وكانت الخريجة “Asja Radja” المحررة الأولى لتلك الدراسة بمعاونة زميلها الخريج “Eric M. Horsley” والباحث الدكتور “Maxim O. Lavrentovic”- والذي يعمل حاليّاً في جامعة تينيسي- حيثُ كانت الدراسة تحت إشراف البروفيسور “Alison Sweeney”.

قامت Asja Radja بتحليل البيانات المجهرية لحبوب اللقاح لمئات من الفصائل المختلفة للنباتات المزهرة من ضمنهم كان نبات الـ” iris” و”pigweed” و”amaranth” و “bougainville” ثمّ تمكنتْ من تطوير طريقة عمليّة شملت إزالة طبقة الـ”polysaccharide- عديد السكاريد” الخارجية لحبوب اللقاح  ثمّ أخذ صور عالية الجودة باستخدام المجهر التي كشفت عن تفاصيل زخرفية جميلة لتلك الحبوب في أبعاد ميكروميترية صغيرة.

كانت الفرضية الرئيسية لكل من Sweeney وRadj أنّ تلك الحبوب تتكوّن عن طريق ما يعرف بالانبعاج، والمقصود بذلك أنّ المواد تتجمع معاً بحيث تكون صلبة من الخارج ومرنة من الداخل مما يؤدي لانكماشها داخلياً مكونة انبعاجاتٍ على سطحها، لكن تلك الفرضية لم تتوافق مع المعطيات التي تحصّلوا عليها، حيثُ تقول Radja معلقة على الساعات العديدة التي أمضتها في دراسة صور حبوب اللقاح:

“علمتني Sweene أنّه مع أي نظام حيوي تجب الملاحظة الدقيقة؛ لمعرفة ما يجرى حقاً، فواحدة من التحديات الهامة أثناء تلك الدراسة هي النظر للمشكلة من زاوية جديدة حتى نتمكن من معرفة الفيزياء التي تفسر  تلك الاشكال.”

والإجابة نُشرت في مجلة “Cell” العلمية ممثلة الإطار الفيزيائي النظري الذي يفسر تكوّن تلك الأنماط، والمقترح أنّ تفسير نشأة تلك الأنماط هو الانفصال الطوري للمادة “phase separation”؛ حيثُ وجد الفيزيائيون أنّ تلك الظاهرة مسئولة عن تكوّن أنماط هندسية في أنظمة أخرى، مثل: انفصال القشدة عن الحليب وصعودها للسطح عند وجود الحليب في درجة حرارة الغرفة، دون تدخلٍ من أيّ قوىً خارجية مثل التقليب أو الرج، وتمكنت Asja Radja من إثبات الميل الطبيعي لحبوب غبار الطلع المتكوّنة نحو الانفصال الطوري “phase separation” مما يؤدي إلى تكوّن تلك الاشكال المفصلة والمقعرة؛ حيثُ قالت: “إنّ تلك الأنماط المعقدة مصادفات سعيدة محتملة نتيجة عدم تأثير أي طاقة على النظام”.

وعلى كلّ حالٍ إذا تمكنت النباتات من منع تكون تلك الأنماط عن طريق إفراز بوليمر polymer متيبس فيمنع حدوث الانفصال الطوري “phase separation” فسيتيح ذلك إمكانية التحكم في شكل حبوب اللقاح حينئذٍ.

تلك النباتات تميل إلى تكوين حبوب ملساء ودائرية، الأمر المفاجئ هنا أنّ تلك الحبوب الملساء التي تتطلب طاقة إضافية هي الأكثر تكوناً عن تلك مزخرفة أو معقدة الشكل، مما قد يعني أنّ تلك الحبوب الملساء لها فائدة تطورية، هذا الإطار البيوفيزيائي سيمكن الباحثون الآن من دراسة نطاق أوسع من المواد البيولوجية.

Sweeney وفريقها سيرون ما إذا كانت تلك القوانين ستفسر أنماط هندسية معقدة أكثر في الأحياء (البيولوجيا) مثل شعيرات الحشرات أو الجدار الخلوي للنباتات، يعمل الفريق أيضاً مع مهندس المواد “Shu Yang” من جامعة بنسيلفينيا كلية الهندسة والعلوم التطبيقية لتطوير مواد مستلهمة من أنماط حبوب غبار الطلع؛ حيثُ تقول Sweeney: “تلك المواد المشابهة لحبوب اللقاح غالباً ما تكون شديدة الكره للماء وبالتالي يمكننا التحكم في درجة تفاعل الماء مع سطح المواد، والمثير في هذا الأمر أنّ تلك العملية قائمة بذاتها فإذا قمنا بمحاكاة طريقة تكون تلك الحبوب فيمكننا صناعة بوليمرات تذهب وتفعل ما تشاء بالاعتماد على ذاتها دون الحاجة إلى تعقيدات هندسية مكلفة وصعبة التكرار”.

المُساهمون:
  • ترجمة: عبد الفتاح حسن
  • مراجعة: فريز إبراهيم
  • تدقيق لغوي: عبود أكرم

فريز ابراهيم

أنا من سوريا، طبيب عام تخرجت عام 2017 ومقيم حالياً في السويد، أحب أن أساعد في نشر العلم الذي تفتقر له بيئتنا بشدة.

إضافة تعليق