in

العالم العشوائي

هل تعلم أن العالم مغلق في صراع أبدي بين النظام و العشوائية. لا تقلق، الطبيعة مصممة على هذا النحو.

انظر الى الغرفة التي تجلس فيها. هل تبدو كما كانت بالأمس، أم أن هناك اختلافات؟ قد تكون تقريباً في نهاية اليوم والأشياء أصبحت غير مرتبة؛ وقد تكون في بداية اليوم والأشياء في أماكنها بصورة مرتبة. القِ نظرة للخارج من النافذة. هل الطقس كما كان بالأمس، أم يختلف؟ أي منهما اكثر احتمال أنه قد تغيَّر؟ الطقس، أم الغرفة؟ على الرغم من محاولة القول أن الطقس قابل للتغيُّر أكثر من الغرفة، كليهما سيتغيَّر إلى درجة معينة، لكن كلاهما أيضاً سيكون متشابه لدرجة معينة. هل تعتقد انه من المنطق القول أن أحدهما تغيَّر أكثر من الآخر؟

في الحقيقة، العالم المادِّي بأكمله خاضع للتغيُّر سواء على مستوى مجهري صغير أو كبير. خذ بعين الاعتبار أي شيء لا يبدو لك أنه يتغيَّر، مثلاً طاولتك. تخيل أنك تنظر أقرب و أقرب إلى الطاولة من خلال مجهر. عندما تصل إلى مقياس الجزيئات في الطاولة سترى أن هناك اهتزاز وتأرجح باستمرار: هيكل الطاولة بأكمله يهتز، مع ذلك القوى بين الجزيئات تجعل الطاولة تقريباً في نفس المكان ، لدرجة أنه في مستوى العين البشرية، الطاولة تبدو جامدة. خذ بعين الاعتبار الريح. ورقة أو قطعة من الغبار في يوم ريح تهب من هذه الجهة وتلك، للخلف وللأمام، فوق وتحت. الجزيئات في الهواء تهتز أيضا باستمرار، مالم ترتبط بقوى ذرية، فإنها تتحرك بحرية وبشكل مستقل عن الآخر. مع ذلك، بالرغم من هذه الحرية الذرية الداخلية، الريح سوف تتحرك باتجاه كلي واحد في أي لحظة معينة. باختصار، العالم في صراع دائم بين النظام والعشوائية: على أي مستوى سترى بعض النظام وبعض العشوائية في آنٍ واحد.

نحن نعيش في عالم أكبر من عالم الذرات بحوالي 1.000.000.000 مرة. مثل الأطفال الصغار، الذرات لا تسكن ولا تهدأ : فهي تهتز وتتحرك، وكلما كانت ساخنة أكثر كلما تحركت واهتزت بنشاط أكبر. الذرات، أيضا ككثير من الأطفال الصغار، تحب أن تعيش في مجموعات تدعى جزيئات: فالذرات مرتبطة مع بعضها البعض بطرق مختلفة ومعقدة -كما درست في الكيمياء- لتشكل الجزيئات. ومع ذلك، الذرات والجزيئات أيضاً لا تحب أن تكون قريبة جداً من بعضها البعض: فعندما تتقارب كثيراً، القوى الذرية تسبب تنافر، كقطبين شماليين لزوج من المغناطيس يتمرد كل عن الاخر. كل مادة في توتُّر مستمر بين هذا التجاذب والتنافر. بينما من الصعب إبقاء مسار الحركة الفردية للجزيئات، في المعدل الجزيئات في الحالة الصلبة -كالطاولة مثلاً- تبقى تقريباً في نفس المكان. من وجهة نظرنا الطاولة ثابتة.

باختصار، العالم المادي -في أساسه بالذات- مليء بالعشوائية، لكن ضمن هذه العشوائية يظهر بعض النظام المتوسط. يدرس الرياضيون عمليات عشوائية تحتاج إلى محاولة إيجاد بنية (هيكل) ضمن العشوائية: بينما العناصر الفردية لمسألة سوف تتغير عشوائياً، هل نستطيع وصف ناتج كلي بدرجة محددة من التأكد؟
حتى العمليات العشوائية الأكثر تفاهة تصبح معقدة عند الأخذ بعين الاعتبار التفاصيل. أسهل مثال للعملية العشوائية هي رمي العملة المعدنية:

اقذف العملة المعدنية لتتقلب في الهواء وستهبط إما رئيس أو شعار. نموذجياً، نقول أن احتمال الهبوط رئيس أو شعار هو 50% لكل منهم؛ رمي العملة مرة واحدة يعطي نتيجة واحدة احتماليتها كاحتمالية الأخرى. هل هذا الاحتمال هو 50% لكل منهما بالضبط؟ اذا نظرت إلى العملة فسترى الاختلاف على الوجهين؛ وجه فيه صورة لرأس ووجه فيه صورة أخرى.

هل الوجان متساويان بالضبط؟ أستطيع بسهلولة موازنة العملة على حافتها؛ هل ستهبط العملة على غير حافتها أحياناً عندما ترمى؟ هل هذا سيغير احتمالات ظهور الرأس؟ في أي نقطة من الوقت سيصبح ناتج رمية العملة أكيد؟ متى ستستقر كلياً (طبقاً للعين المجردة، على الأقل)؟ عند مراقبة الحركة البطيئة لها، العملة سوف تتوقف تدريجياً مع قفزات قليلة وصغيرة، وربما دوران سريع.

عندما تكون القفزات صغيرة كفايةً، سوف نكون قادرين على التنبؤ بالنتيجة بأكثر تأكيد، قبل استقرار العملة. في الحقيقة -استنتاج مما مضى- اذا اخذنا لقطة للحركة حتى قبل أن تضرب العملة الأرض للمرة الاولى، هل سنكون قادرين على تحليل الحركة في الحاسوب لنكون قادرين على اكتشاف ما اذا كانت العملة ستسقط رأس أو شعار؟

مثال آخر -على الأغلب مقتبس- للعملية العشوائية هو الانحلال الاشعاعي (التلاشي الاشعاعي): كتلة من مادة مشعَّة -مثل اليورانيوم (uranium)- تتجزأ إلى قطع وتطلق اشعاع. هذا اكثر من مجرد انقسام كتلة اليورانيوم إلى قطعتين، أي أن الذرات الفردية ستنشطر مكونةً ذرات جديدة كالحديد. في المستوى دون الذري، المادة تتطور أساساً طبقاً لقوانين عشوائية، تدعى ميكانيكا الكم. ميكانيكا الكم تقر على أن أي تتبؤ معين ليس فقط صعب ولكن مستحيل: الذرات قد تتبع مسارات مجموعة معينة، لكن قد تعمل عشوائياً أي شي بشكل حرفي(حرفاً حرفاً). على سبيل المثال، إذا تحركت كل الذرات على طاولتك تلقائياً 2سم إلى الشمال، فإن طاولتك بأكملها ستتحرك 2سم إلى الشمال. مع ذلك، فرصة حدوث أي شيء هكذا هو نوعاً ما مستحيل، الذرات ربما تتحرك إلى الشمال كما قد تتحرك إلى اليمين: عموماً، الحركات العشوائية تقريباً تتوقف بالضبط في الحالة الصلبة، تاركة كما يبدو بنية ثابتة.

عند دراسة أي عملية عشوائية، هناك توازن بين التأثيرات الأساسية للمشكلة والتعقيدات الثانوية. عندما يكتشف هذا التوازن بشكل صحيح، فإن الرياضيين قادرين بشكل جاد على نمذجة النظام والذي يشكل الأساس لعشوائية العالم الحقيقي. وتكون تنبؤاتهم قوية ولها مدى واسع.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تجربة ميلر-يوري وقصة صنع الحياة داخل المختبر

ضمادات مصنوعة من صدفة السرطان تُعجّل من شفاء الجروح