نرى العالم من نافذة العلم

نبذة مختصرة عن نظرية التطور

0 49

إن أغلب سوء الفهم المنتشر حول التطور العضوي organic evolution سببه عدم معرفة كيفية تحوله من مجرد فرضية إلى نظرية علمية قائمة على الحقائق، منذ القدم يحاول الإنسان أن يفهم سر ذلك التنوع الهائل للكائنات الحية، التطور العضوي يوفر الإجابة الشافية لتلك الاسئلة.

إليك مقتطفات سريعة عن موضوع هذه المقالة قبل قراءتها:

  1. عندما وضع داروين ووالاس نظرية التطور لم تكن هناك أدلة كافية لاعتبارها حقيقة علمية حينها،  إنما كانت فرضية ولكن فكرة الانتخاب الطبيعي كانت هي ما أثار اهتمام المجتمع العلمي.
  2. بعد اكتشاف علم الوراثة وعلم النفس التطوري وعلم الاجتماع التطوري وضعت نظرية التطور التركيبية أو الحديثة بناء على المعطيات الجديدة والتي تختلف عن نظرية داروين في الكثير من التفاصيل كما سنوضح لاحقاً.
  3. إن السبب وراء كون التطور عملية بطيئة للغاية هو أن أغلب الطفرات الوراثية والانجرافات الإحيائية فاشلة وتسبب الموت في معظم الأحيان.
  4. يظهر السجل الأحفوري أن الكائنات الأقدم أبسط في التركيب بينما الأحدث أكثر تعقيداً، على الرغم من بعض الحالات التي ظهرت فيها كائنات أبسط بعد أخرى أكثر تعقيداً، ولكن ذلك يفسر ببساطة بفقدان بعض الأجزاء أو الصفات، إذ أن العبرة هنا بالقدرة على البقاء وتمرير الجينات للأجيال التالية، الفكرة الأساسية هي أن كل شكل معقد له أصول أبسط حتى لو كان أحد الأشكال السابقة أكثر تعقيداً فهذا الشكل السابق لابد أن يكون له شكل أبسط.
  5. الطفرات الوراثية كانت أحد الأدلة الحاسمة بل حتى أهم دليل يدعم التطور العضوي، إذ فسرت كيفية ظهور الصفات و هي أحد أهم الركائز التي يستند عليها التطور.
  6. يمكن تبسيط طرح النظرية بقولنا إن الكائنات تظهر لديها الصفات الجديدة ثم بتفاعلها مع البيئة تختبر هذة الصفات و يظهر مدى قابليتها للاستخدام بكفاءة من أجل زيادة فرص الكائن في البقاء والتكاثر، وإن كان الكائن الحامل لها سينجح في تمرير جيناته للأجيال القادمة أم لا، أي أن التطور ليس عملية غائية في حد ذاتها، فالصفات لا تظهر حسب الحاجة بل تظهر أولاً ثم بتفاعلها مع البيئة يتم تحديد مصيرها ما إذا كانت ستنتشر أم ستختفي.

سنستعرض سوية نبذة تاريخية عن إدراك الإنسان للتطور ومحاولاته تفسير التنوع في الكائنات الحية:

أناكسيماندر المالطي Anaximander of miletus

 

عاش في القرن السادس قبل الميلاد (610-546) ق.م، يعتبر من أوائل من أشاروا إلى فكرة التطور بتصريحات متناثرة فطرح فكرة أن الحيوانات كانت تعيش في الماء ثم خرجت منها وأن البشر انحدروا من كائنات تشبه الأسماك.

امبيدوكليس Empedocles

عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (492-432) ق.م، حاول تقديم مفهوم عام عن أصل الأنواع متأثراً بأفكار أسطورية أغريقية قديمة.

تيتوس ليوكريتوس كاروس Titus Lucretius Carus

شاعر وفيلسوف روماني عاش بين عامي 99-55 قبل الميلاد, تحدث في قصيدته الطويلة والشهيرة (عن طبيعة الأشياء De Rerum Natura) عن أن الأرض هي أم لكل أشكال الحياة التي تخلقت بدمج عناصرها معاً, ولكن لم تنج كل أشكال الحياة هذه, بل نجا الأقوى أو الأسرع أو الأكثر قدرة على الخداع، ليعد بذلك أول من تحدث عن تأثير اختلاف الصفات بين الكائنات الحية على فرص بقائها أو ما يمكن تسميته بالانتخاب الطبيعي.

جورج دي بوفون Georges-Louis Leclerc, Comte de Buffon

كان عالم فيزياء ورياضيات وكونيات وطبيعة فرنسي عاش في القرن الثامن عشر، يعتبر أول من تحدث بشكل علمي عن فكرة نشأة الأنواع من أنواع أقدم، ألف موسوعة التاريخ الطبيعي Histoire naturelle قبل ميلاد داروين بحوالي قرن حيث اقترح أن الكائنات الحية تتغير باستمرار عبر الأجيال نتيجة تفاعلها مع الظروف المحيطة، واقترح وجود صلة قرابة بين البشر والقردة.

وفي عام 1788 أصدر كتابه (عهود الطبيعة Les epoques de la Nature) الذي فند فيه الادعاءات التي كانت موجودة وقتها أن عمر الأرض 6000 سنة فقط وتحدث عن أن عمرها لن يقل بأي حال من الأحوال عن 75000 سنة.

جان بابتست لامارك

قدم أول نظرية لتفسير آلية التطور، حيث افترض أن الكائن الحي يتأثر بالبيئة المحيطة به وينتج عن ذلك حدوث تغيرات مظهرية وسلوكية في الاتجاه الملائم لتأثير البيئة، ويكون هذا التغير عادة بطيئاً ولكنه مستمر، ويؤدي إلى ظهور صفات جديدة تبعاً للاستخدام والإهمال، فالأعضاء التي لا يتم استخدامها تضمحل حتى تختفي، والأعضاء التي يكثر استخدامها تبقى وتتطور نحو أن تكون متناسبة أكثر مع الحاجة والظروف، وتورث هذه التغيرات للأجيال القادمة في حركة مستمرة من البساطة في اتجاه التعقيد.

أوجست وايزمان August Friedrich Leopold Weismann

قام بدراسة الفوارق بين الخلايا الجسدية والجنسية وخَلُص إلى أن التغيرات الحادثة في الأولى لا تنتقل إلى الثانية، وبالتالي لا تورث أي أن التغيرات الحادثة في الخلايا الجنسية فقط هي التي تورث للأجيال التالية فيما عرف باسم (حاجز وايزمان) مما أثبت خطأ فرضية لامارك، وأثبت ذلك بتجاربه على الفئران التي قطع ذيولها ل20 جيل متتال وكانت الأجيال الجديدة دائماً تولد بذيول لا تختلف على الإطلاق عن ذيول الأباء والأجداد.

داروين و والاس

والاس على اليمين و داروين على اليسار

الكثير منكم لا يعرف ألفريد راسل والاس Alfred Russel Wallace الذي ساعد في وضع نظرية التطور ولعب دوراً محورياً فيها حتى أن داروين اقتبس بعض مصطلحاته في كتابه الشهير (أصل الأنواع)، وأيضاً لعب دوراً مهماً في وضع مصطلح الانتخاب الطبيعي خلال رحلة استمرت حوالي عامين إلى أمريكا الجنوبية ثم رحلة أخرى استمرت 8 سنوات إلى ما كان يعرف بجزر الهند الشرقية الهولندية (ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة) لمراقبة الحياة البرية وجمع العينات، كان لداروين الدور الرئيسي في هذة النظرية استناداً إلى مشاهداته عبر رحلته الشهيرة على متن السفينة بيجل التي استمرت 5 سنوات، قاما بوضع نظريتهما عن التطور عبر الانتخاب الطبيعي والتي ترتكز على فكرة أن الكائنات الحية تظهر لها صفات جديدة ثم تستكشف هذة الصفات وتختبر البيئة مدى كفائتها وتحدد أي الصفات سينجح حاملوها في النجاة ونقل جيناته للأجيال التالية وأيها لن تزيد فرص حامليها في البقاء، وهذا يعني أن التطور عملية غير غائية كما كان يعتقد قبلاً, أي أن الصفات لا تظهر تبعاً للحاجة، بل أن الصفات تظهر بغض النظر عن الحاجة لها، ولكن الحاجة والظروف هي التي ستحدد الصفات التي ستنتشر أكثر من غيرها.

أسس نظرية داروين و والاس

التغاير (Recombination or Variation): وهو الاختلافات البسيطة بين أفراد نفس النوع كاللون والطول والحجم، وتعد المتغيرات القابلة للتوريث أحد المسؤولين الرئيسيين عن التطور.

القدرة الكامنة على التكاثر: في كل جيل يقوم النوع بإنتاج أفراد عددهم أكبر من الأعداد التي ستبقى لتتكاثر وتكمل مسيرة التطور. حيث أن الكثير من هذة الأفراد ستموت قبل أن تصبح قادرة على التكاثر أو الانقسام ولن تحصل على شرف نقل جيناتها للأجيال التالية، وتلك الأفراد التي تبقى وتتكاثر هي التي تشارك في تحديد طبيعة الجيل التالي، ومن الملاحظ أن القدرة الكامنة على التكاثر لدى الأحياء أكبر بكثير من تكاثرها الفعلي.

الصراع من أجل البقاء Differential survival: الكائنات الحية المنتجة للبيض أو البذور بأعداد أكبر لديها احتمالية أن تولد أجيال جديدة أكثر من غيرها علماً بأن الظروف البيئية من مرض وحرارة و وفرة أو ندرة الموارد والتنافس مع الاحياء الأخرى أو حتى التنافس بين افراد من نفس النوع تلعب دوراً مهماً في تحديد من سينجو والكائن الحامل للصفات التي تساعده على الصمود أمام تلك العوامل سيبقى ويتكاثر وينقل جيناته للأجيال التالية.

الانتخاب الطبيعي Natural selection: يعتبر الانتخاب الطبيعي هو الوسيط اللاواعي للتطور، وهو المساهمة الأساسية لداروين في النظرية، المنطق الأساسي له بسيط جداً: كلما زاد معدل ولادة الأفراد لدى النوع كلما زادت احتمالية بقاء هذا النوع وقلت احتمالية انقراضه، ونتيجة لذلك هناك صراع مستمر من أجل البقاء، وإن أي فرد تظهر لديه صفات جديدة مفيدة سوف تزيد فرص بقاءه على قيد الحياة وبالتالي توريث هذة الصفة للأجيال التالية.

مشاكل نظرية داروين ووالاس

حينما خرجت نظرية داروين وكتابه (أصل الأنواع) لم يكن علم الوراثة موجوداً وقتها, فلم يكن معروفاً أن التكاثر الجنسي يتطلب اتحاد حيوان منوي مع بويضة وتمازج الصفات التي يحملانها وانعكس ذلك في فشل داروين في تعريف الوراثة بشكل صحيح وعدم قدرته على تقديم تفسيرات لآليات نقل الصفات للجيل التالي وكيفية ظهورها أو اختفائها, بالإضافة إلى أنه لم يقدم تفسير لكيفية ظهور الصفات الجديدة القابلة للتوريث.

  1. نظرية التطور التركيبية أو الحديثة (The modern or synthetic theory of evolution):

في مطلع القرن العشرين بدأت هذة المشاكل تٌحَل بعدما ظهرت الوراثة المندلية Mendelian genetics وعلم الوراثة السكاني Population genetics لتظهر نظرية التطور التركيبية والتي ترتكز على عدة أسس:

الطفرة الوراثية Mutation: يعتبر العالم الهولندي هيوجو دي فريز 1848-1935 هو أول من استعمل كلمة (طفرة) عندما نشر نظريته المعروفة باسم نظرية الطفرة عام 1908 كنتيجة لبحوثه على نبات زهرة الربيع المسائية Oenothera lamarckiana عندما لاحظ وجود أفراد تتمتع بصفات جديدة ظهرت بشكل مفاجيء وعندما أخذ بذوراً من هذة الأفراد وأعاد زراعتها أنتجت أفراداً مشابهة للأباء وتحمل نفس صفاتها التي تميزها عن الأفراد الأخرى كما كان لها عدد مختلف من الكروموسمات واعتبر أن الطفرة الوراثية تحدث تغير أو هي تغير في الجينات في الخلايا التناسلية الحاملة للصفات الوراثية فحين تظهر طفرة ذات ميزة إيجابية فإنها سوف تساعد على بقاء الكائن الحي وتكاثره وبالتالي سوف تورث للأجيال التالية بينما إن كان لها أثار سلبية ستؤثر على فرص بقاء حاملها وبالتالي يقل احتمال توريثها وقد تكون لا قيمة لها سواء بالإيجاب أو السلب، ويتأثر بقاء الطفرة من عدمه بالعوامل التالية:

  • كون الصفة الجديدة سائدة أو متنحية.
  • شدة الانتخاب (صعوبة الظروف المحيطة).
  • معدل حدوث الطفرات الوراثية.
  • عدد أفراد الجماعة السكانية.

علماً بأن أغلب الطفرات الوراثية متنحية ومميتة، وأن ظهور الطفرات المفيدة هو أمر نادر لذلك نلاحظ أن التطور عملية بطيئة للغاية وتستغرق ملايين السنوات.

إعادة الخلط Recombination: أثناء عملية الانقسام الاختزالي meiosis للخلايا الجنسية يتم تقطيع أجزاء من الDNA لكلتا الخليتين الجنسيتين الذكرية والأنثوية وإعادة تجميعهما لإنتاج تركيب جديد من الجينات، وتلعب إعادة الخلط دوراً مهماً في ظهور تشكيل جديد من الصفات، حيث سيساهم في جعل الذرية تحمل خليطاً من صفات الأبوية كأن يولد طفل طويل القامة بني العينين لأم قصيرة القامة بنية العينين وأب طويل القامة أزرق العينين.

الانتخاب الطبيعي: بصورة عامة يمكننا القول أن الطفرة الوراثية التي تكون صفة إيجابية للكائن الحي تنتقل عبر الأجيال وتزدهر، أما الطفرة التي تكون صفة تقلل من قدرة الكائن الحي على البقاء والتكاثر فمن الطبيعي ألا تنتقل للأجيال الجديدة إلا في نطاق ضيق للغاية وأن تضمحل وتنقرض مع الوقت، وهكذا يعمل الانتخاب الطبيعي، كمثال على ذلك لو أن هناك نوع من الخنافس ينتشر فيه لونين هما البني والأخضر، لنر إن كانت خنفستان تقفان على جذع شجرة إحداهما بنية والأخرى خضراء، من الطبيعي أن تكون الخضراء أكثر وضوحاً بالنسبة للمفترسات بسبب سهولة تمييز لونها عن جذع الشجرة الذي تقف عليه، وبالتالي ستقل أعدادها في هذا المكان بينما ستزدهر البنية الأصعب في تمييز لونها بينما لو نقلناهما إلى نبات أخضر أو وسط حشائش سينقلب الوضع تماماً لتصبح الأفضلية للخضراء. مثال آخر في الانتخاب الجنسي حيث تفضل أنثى الطاووس الذكر ذي الذيل الأكبر حجماً والأزهى ألواناً مما ساعد على انتشار وتوريث هذة الصفة، إذاً لدينا هنا تمايز في الإنتاج التكاثري بين الأنواع الحية تسبب فيه التمايزات بينها في القدرة على البقاء والتكاثر تحت ظروف معينة مما يؤدي إلي زيادة نسبة السمات النافعة والقابلة للتوريث عبر الأجيال المتعاقبة، وهذا هو تعريف الانتخاب الطبيعي.

الانجراف الوراثي Genetic Drift: لنعد لمثال الخنافس, عندما تتعرض أغلب الخنافس الخضراء التي تعيش على جذوع الأشجار للافتراس فإن ذلك يتسبب في كل جيل في زيادة كبيرة في نسبة الخنافس البنية إلى الخضراء، فإذا كانت ذرية إحداها مثلاً 10 خنافس نصفها خضراء ونصفها بنية ثم تتعرض الخضراء جميعها للافتراس ثم تتزاوج الناجية منها سيكون لدينا هنا نسبة قليلاً جداً من الجين المسبب للون الأخضر في الحوض الجيني للنوع مما يجعل ظهوره في الجيل الجديد محدود للغاية، ثم يتعرض الأفراد الحاملين له للافتراس في الجيل الجديد، وتستمر هذة العملية جيلاً بعد جيل حتى يختفي اللون الأخضر تماماً من الخنافس المقيمة على جذوع الأشجار, وتعرف هذه التغيرات التراكمية التي تنتقل من جيل إلى آخر باسم الانجراف الوراثي.

الأنعزال: عندما تنعزل مجموعة صغيرة من الأفراد عن مجموعتها الأكبر لأسباب جغرافية في الغالب، تصبح هذه المجموعة أقل قدرة على المقاومة واحتمالية نجاحها أقل, ولكن الأفراد المحظوظين – والذين هم أقلية– إذا نجوا سيشكلون خطاً تطورياً منعزلاً عن المجموعة الأم بسبب عدم وجود إمكانية للتزاوج معها فسيتم تركيز الصفات الجديدة التي تظهر تباعاً في تلك المجموعة الصغيرة بعيداً عن المجموعة الأصلية.

وهكذا أصبح التطور العضوي حقيقة علمية معترف بها ويتم البناء عليها لدى جميع المؤسسات ذات المصداقية حول العالم.

Sources:

  1. http://www.ucmp.berkeley.edu/history/ancient.html
  2. http://evolution.berkeley.edu/evolibrary/article/history_06
  3. http://evolution.berkeley.edu/evolibrary/article/history_09
  4. https://www.britannica.com/biography/August-Weismann
  5. http://evolution.berkeley.edu/evolibrary/article/history_14
  6. http://evolution.berkeley.edu/evolibrary/article/0_0_0/evo_16

  • إعداد: علي هشام
  • مراجعة: محمد علي
  • تدقيق لغوي: داليا المتني
تعليقات
Loading...