ما الذي يخبرنا به السجل الأحفوري عن التطور؟

0 372

ما هو السجل الأحفوري؟

يشملُ السجلُّ الأحفوري كلَّ البقايا والطبعات التي تركتها كافةُ أشكالِ الحياة على الأرض في العصور السابقة، ويشكِّلُ معرضاً غنياً ومتنوعاً يمدنا بالكثير مِمَّا نحتاجُ إلى معرفته عن الحياة على كوكبنا: «كيف كانت البيئة قبل ملايين السنوات؟»، «أيُّ نوعٍ من الحياة كان موجوداً؟»، «كيف ظهرت الكائنات التي كانت موجودة وكيف انقرضت؟»، فالسجلُ الأحفوري بوابتُنا للولوج إلى تاريخنا السحيق إذ تقدِّمُ لنا دراسته إجاباتٍ عن هذه الأسئلة.

ونحنُ نُعتبر محظوظين للغاية إذ أنَّ لدنيا كمٌّ هائلٌ  من الأحافير المُوثقة التي عُثِر عليها في كلِّ  زاويةٍ من العالمِ تقريباً، وبتحديدِ أعمارِ هذه الأحافير وبمقارنتها ببعضها وبطبقات الصخور العالقة بها يمكننا استنطاقها لتخبرنا بالكثير.

التغير التدريجي في صفات الكائنات الحية

يُظهر لنا السجلُ الأحفوري تسلسلاً منطقياً غيرَ منقطع لتغيراتٍ في النمط الظاهري للكائنات الحية:

نأخذُ شكل عظام الأذن الوسطى للثدييات (المطرقة والسندان والركاب) كمثالٍ على هذا التدرُّج:

فلو نظرنا إلى أسلافها البعيدة «مندمجات الأقواس» (Synapsides) قبل حوالي 270 مليون عام، لَوجدنا أنَّ فكَّها السفلي يتكوَّنُ من عدَّةِ عظامٍ تبرز فيها عظمة الفك (mandible) إلى الأمام وتخرج منها جذورُ جميعِ الأسنان، وكوَّنت كلٌّ من المطرقة (malleus) والسندان (incus) الأجزاءَ الخلفية من الفك، وكانت عظمة الركاب (stapes) هي الوحيدة منها الموجودة داخل الفقاعة السمعية (auditory bulla). وكلما تقدمنا في الزمن كلما كانت الأحافير تظهر تراجعاً في حجم كل من المطرقة والسندان واقترابهما من تجويف الأذن.

بينما في خلفائها من وحشيات الوجوه (Therapsids) سنجد عظمة المطرقة قد تراجعت إلى الخلف وصغرت في الحجم بينما تحركت عظمة السندان إلى أعلى قليلاً لتخرج من تجويف الفك وتصبح داخل الفقاعة السمعية.

والآن لننظر إلى خلفائها من كلبيات الأسنان (cynodont) ثم الثدييات الأولية لنرى كيف أصبحت العظام الثلاث داخل الفقاعة السمعية بينما كَبُر حجم عظمة الفك السفلي لتحتل الفك بأكمله.

وبمقارنتها مع الزواحف الحالية وأسلافها يمكننا رؤية المسار التطوري المختلف؛ إذ احتفظت الزواحف بالعظمتين داخل تجويف الفك وأصبح لهما وظائف أخرى من ضمنها الإحساس بالاهتزازات البسيطة في الأرض التي تسببها حركة الفريسة باستخدام الفك السفلي. وذلك بسبب انفصال أسلاف الثدييات عن الزواحف وقت ظهور مندمجات الأقواس قبل حوالي 300 مليون عام.

وهكذا يمكننا رسم مسارٍ للتدرج استناداً على الأحافير التي بين يدينا على مدار الزمن حتى داخل التصنيف الواحد، مما يمكننا من توقع تلك التغيرات بمقارنة الأحافير بعضِها ببعض، ورسم شجرة عائلة الكائنات الحية بدقة بالغة.

وتكمنُ النقطةُ الأساس في تكامل الأحافير بعضها مع بعض في رسم مسار التدرج بشكلٍ سلسٍ ومنطقي، ففي مثال عظام الأذن لو عثرنا على أحفورة لحيوان ثديي يتميز بعظام أذن داخلية متمايزة سابقة على أحافير مندمجات الأقواس مثلاً أو لو لم نجد أحافير سابقة تظهر التدرج سيعني ذلك أن تصورنا عن المسار غير سليم، ولكنَّ السجل يكمل بعضه بعضاً وتصحح الاكتشافات الجديدة فيه أي أخطاء سابقه وتتكامل مع تقنيات أخرى مثل تحليل الDNA لتعطينا تصوراً ممتازاً وفهماً اكثر عمقاً لكيفية سير التطور.

تطور شكل عظام الفك و الأذن الوسطى لدى مندمجات الأقواس من الأقدم للأحدث
مقارنة بين عظام الفك و الأذن الوسطى للثدييات (أعلى) و مندمجات الأقواس (وسط) و الزواحف (أسفل)
مخطط يوضح الخط الزمني لتطور شكل عظام الفك السفلي و الأذن لدى الثدييات

رسم خرائط للعلاقات بين الكائنات الحية استناداً إلى البروتين

 

لا يشكِّلُ البروتين هدفاً مغرياً عند دراسة الأحافير، فهو سريعُ التحلل ويتفاعل بسهولة مع محيطه ولا يتحجرُ كالعظام، وبالتالي لا يبقى لملايين السنين كالأجزاء الصلبة في الغالب.

المزيد حول هذا الموضوع

ولكن إن كنا محظوظين كفاية وعثرنا على عينة بروتين خدمتها الظروف المحيطة بها لتنجو من التحلل على مدار السنوات ستخبرنا بالكثير، وفي الواقع وجدنا بعضها:

عثرنا على عينتي بروتين حُفِظتا بشكلٍ جيد جداً إحداهما داخل عظام «ماستودون أمريكي» (Mammut americanum)، ويُقدر عمرها بحوالي نصف مليون عام، والثانية في عظامٍ لديناصور «تيرانوصورس ركس» الشهير ويُقدر عمرها بحوالي 68 مليون عام.

تَمَكَّن «كريس أورجان وجون أسارا» وآخرون من جامعة هارفارد من التوصل إلى تركيب بعض تتابعات الأحماض الأمينية المكونة للعينات التي درسوها باستخدام «التحليل الطيفي الكتلي» (Mass Spectrometry) مما منحنا فكرةً عن تكوين بعض البروتينات الخاصة بتلك الكائنات المنقرضة، ومكَّننا من مقارنة تلك البروتينات بالبروتينات المشابهة لدى الكائنات الحية الموجودة حالياً.

من المفترض أن نجدَ التشابهات أكثر كلما كانت صلة القرابة مباشرة وتقل تلك التشابهات كلما ابتعدنا على شجرة العائلة، وفي الواقع هذا ما حدث بالفعل.

ينتمي «التيرانوصورس» إلى طائفة «وحشيات الأقدام» (Therapods) التي يُعتقد أنَّ الطيور الحالية قد انحدرت من نسلها.

إذا كان هذا الافتراض صحيحاً فمن المفترض أن نجد تشابهات بين بروتين الجد («وحشيات الأقدام») وأحفاده الحاليين (الطيور الحالية)، ومن المفترض ألا نجدها ذاتها مع أي مجموعة أخرى كالثدييات مثلاً، وهذا بالضبط ما وجده «أورجان» ورفاقه.

أخبرتنا تلك الأحفورة الرائعة بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك صلة قرابة وثيقة بين «التيرانوصورس» والطيور الحالية.

وبالطبع عند مقارنة بروتينات «الماستودون» بالفيلة الحالية والذي انحدر من سلف مشترك مع أسلافها حصلنا على نتائج مشابهة.

صورة لهيكل عظمي لماستودون
صورة لهيكل متحجر لتيرانوصورس

الأحافير الوسيطة:

أهيمة الأحافير الوسيطة: من الصعب تخيل كيفية حدوث التنوع الهائل الموجود حالياً في الكائنات الحية والذي يزداد بإطراد دون أن تساعدنا الأحافير الوسيطة في رسم مسارات ذلك التنوع على مدار مليارات السنوات.

أمثلة من السجل الأحفوري: قدمت لنا أحفورة «التيكتاليك» (Tiktaalik) الرائعة التي عُثر عليها في كندا عام 2004 حلقة وسيطة بين الاسماك ورباعيات الأطراف الأولية (Tetrapod) التي ظهرت على اليابسة بعدها وتكاملت مع أحفورة «باندركتايس» (Panderichthys) التي تسبقها زمنياً وأحفورة «أكانثوستيجا» (Acanthostega) التي تليها ( راجع مقالنا السابق عن هذة النقطة )  لتعطينا خريطة واضحة لمسار تطور الفقاريات ولتشكل معاً نموذجاً واضحاً للتدرج في تغير صفات الكائنات الحية كما أسلفنا فيما سبق.

أحفورة التكتاليك الشهيرة

يتضح لنا مما سبق كيف يعطينا السجل الأحفوري تصوراً متكاملاً عن تاريخ الحياة على كوكبنا وكيف يساعدنا على رسم شجرة عائلة الكائنات الحية بدقة وإتقان، وكيف يخبرنا أن التطور عملية مستمرة باقية ما بقيت الحياة.

المصادر:

تعليقات
Loading...