in

ما هي الحمى التيفية؟

اشتق اسم التيفية من اليونانية، حيث كان يطلق على نوع من الرياح التي اعتقد اليونانيون بأنها تحمل معها المرض والموت والجنون، وهذا يتشابه مع ما تسببه الحمى التيفية من أعراض، فهي مرض مهدد للحياة وقد يسبب في مراحله المتقدمة هذياناً وتغيباً بالوعي.

هذا المرض من أكثر الأمراض التي عرفتها البشرية منذ آلاف السنين فتكاً، ولم يعرف السبب الحقيقي له إلا منذ مدة ليست ببعيدة، وهو بعض أصناف جرثومة السالمونيلا السلامونيلا التيفية S. typhi، والسالمونيلا نظيرة التيفية S. paratyphi التي تملك ذيفاناً (مستضد بروتيني سطحي على محفظتها) يعتبر المسؤول عن هذه الحمى ومضاعفاتها المهددة للحياة.

أُشير في دراسةٍ كانت قد أجريت مؤخراً أن الموت الأسود الذي اجتاح مدينة أثينا اليونانية عندما كانت تحت الحصار من قبل أسبارطة أثناء الحرب البيلونيسية الثانية، متسبباً بموت ما يقارب 100000 شخص أي ربع سكان المدينة، قد يكون بسبب أحد أسلاف السالمونيلا التيفية وليس الطاعون، حيث اعتمدت هذه الدراسة على عينات أخذت من أسنان ضحايا الموت الأسود وجد فيها DNA يشبه إلى حدٍ كبير DNA السالمونيلا التيفية، ولكنه مختلف عنها في بعض الخصائص حيث كان بإمكانه إصابة الحيوانات أيضاً وليس فقط الإنسان وهذا غير ممكن بالنسبة للسالمونيلا التيفية المعروفة في وقتنا الحالي.

إن المسبب الرئيسي لظهور أعراض الحمى التيفية ليس جرثومة السالمونيلا نفسها بل الذيفان الذي تملكه (المستضد البروتيني السطحي)، وهذا الذيفان لا تملكه جميع سلالات السالمونيلا، فهناك السالمونيلا المعوية التي تسبب تسمماً غذائياً نتيجة إنتان محصور في الجهاز الهضمي فقط، ويمكن علاج هذا الإنتان بسهولة باستخدام الصادات الحيوية المناسبة ويشفى بشكل كامل عادةً خلال ٥ أو ١٠ أيام، أما السالمونيلا التيفية بمساعدة ذيفانها فإنها تسبب مرضاً معمماً في جميع أنحاء الجسم ومدمراً للجهاز المناعي ومهدداً للحياة وصعب العلاج، وكذلك الأمر بالنسبة للسالمونيلا نظيرة التيفية ولكن الأعراض تكون أقل شدة ويمكنها أن تصيب بعض الحيوانات أيضاً.

تنتقل عدوى السالمونيلا التيفية عن طريق الغذاء أو المياه الملوث بالعامل الممرض أو عن طريق الأيدي الملوثة عند اقترابها من الفم، ولا تنتقل عن طريق الهواء، ومصدر التلوث الرئيسي هو براز الانسان المصاب والحامل للجرثوم وبوله حيث إن 2-3٪‏ من المرضى تختفي الأعراض لديهم ولكنهم يبقون حاملين مزمنين للجرثومة في المرارة ومصدراً للعدوى، كما يلعب الذباب دوراً في تلويث الأغذية عن طريق نقل الجراثيم إليها.

تحدث الجائحات عادةً عند تلوث مصادر مياه الشرب التي يستخدمها عدد كبير من الناس، لذلك فإن سكان المناطق الفقيرة والتي تعاني من التلوث والازدحام هم أكثر عرضة للإصابة بالمرض، فينتشر بكثرة في الهند وباكستان ومصر، ويصيب المرض سنوياً حوالي 21 مليون شخص حول العالم ويتسبب بوفاة 200000.

بعد وصول جراثيم السالمونيلا التيفية عن طريق الغذاء إلى الأمعاء، تقوم بغزو جدار الأمعاء لتدخل إلى مجرى الدم، وتصل بعدها محمولةً على كريات الدم البيضاء إلى الكبد والطحال ونقي العظم والعقد اللمفية، وتتكاثر فيها، كما تحفز موت الكريات البيضاء وتخربها فتدمر مناعة الجسم وتتابع نشاطها دون مقاومة تذكر فتعود لتدخل إلى مجرى الدم وتنتشر في جميع أنحاء الجسم.

يساعد السالمونيلا التيفية على هذا امتلاكها للمستضد البروتيني السطحي الذي يمنع الاستجابة الالتهابية من قبل الجهاز المناعي للمريض عند وصولها للأمعاء، مما يسمح لها بالانتقال أبعد من الأمعاء، على عكس الأنماط الأخرى التي لا تملك هذا المستضد فتمنعها الاستجابة المناعية من اجتياز الأمعاء.

بعد انتشارها في الدم تصل الجراثيم من جديد إلى الأمعاء مع الصفراء المفرزة من الكبد وتعيد الكرة، ولكن جزءاً من هذه الجراثيم يصل إلى الأمعاء الغليظة ويطرح مع البراز ليبحث عن مضيف جديد، كما تصل الجراثيم إلى المثانة وتطرح مع البول.

أما السالمونيلا نظيرة التيفية فهي أقل فوعة أي تحتاج لوصول أعداد كبيرة من الجراثيم إلى الأمعاء لإحداث المرض، كما أن الأعراض الناتجة عنها تكون أقل شدة.

لا تظهر الأعراض سوى بعد أسبوع إلى أسبوعين من دخول الجراثيم إلى الأمعاء، لتستمر ٣ إلى ٤ أسابيع قبل أن تتحسن وتشمل هذه الأعراض بدايةً:

  • صداع
  •  نقص شهية
  •  آلام معممة في الجسم
  • حمى عالية تبدأ خفيفة وتزداد تدريجياً وقد تصل حتى 40 درجة مئوية
  • إسهال أو إمساك (الإسهال أكثر شيوعاً لدى البالغين)
  • سعال جاف
  •  قياء
  • خمول ووهن
  • طفح جلدي

في حال عدم تلقي العلاج المناسب تستمر الحمى الشديدة والإسهال أو الإمساك ويفقد المريض الوزن وينتفخ بطنه ثم يدخل في المرحلة الأخيرة من المرض فيعاني من الضعف الشديد وعدم القدرة على الحركة وتغيّب الوعي والهذيان وتحدث المضاعفات المهددة للحياة في هذه المرحلة كبطء القلب وضخامة الكبد والطحال وذات الرئة والنزف المعوي وانثقاب الأمعاء.

بعدها يبدأ المريض في الأسبوع الثالث أو الرابع بالشعور بالتحسن ولكن الأعراض قد تعود من جديد.

لعلاج الحمى التيفية تستخدم الصادات الحيوية للقضاء على الجراثيم في الجسم، ففي حال استخدام الصاد المناسب وبالشكل الصحيح فإنه يسبب التحسن خلال يومين والشفاء التام خلال 10 أيام، ويتم اختيار الصاد الحيوي المناسب حسب المنطقة الجغرافية حيث تختلف السلالات المنتشرة بكل منطقة ويختلف تأثرها بالصادات.

كما ذكرنا سابقاً فإن 3-2٪‏ من المرضى يتحولون إلى حملة مزمنين للجراثيم بعد زوال الأعراض، فيعالج المرضى في هذه الحالة بالصادات الحيوية مديدة التأثير، وقد يتم اللجوء لاستئصال المرارة حيث تستوطن الجراثيم الكامنة.

للوقاية من الحمى التيفية يجب العناية بالنظافة الشخصية وبنظافة الأغذية والتحقق من مصدرها وغسلها وطهوها جيداً، كما يتوفر لقاح على شكلين فموي أو حقناً، يستخدم للوقاية عند السفر إلى أحد المناطق الموبوءة ولكنه لا يوفر حماية كاملة لذلك يجب مراعاة شروط النظافة دائماً.

Sources:

  1. medscape: 1 & 2 & 3
  2. edicaldaily
  3. ubmed
  • إعداد: أكثم زين الدين.
  • مراجعة: داليا المتني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تطور الألم

هل علينا التوقف عن إخبار النساء بالدفع أثناء الولادة؟