دراسة جديدة حول أصل الفيروسات تدعم الحجة القائلة بأنها خلايا حية، وتُقدم لنا طريقة موثوق بها للعودة إلى أصلها وتتبع تطورها.

الفيروسات في كل مكان تقريباً. فينا، علينا، من حولنا، في أعماق المحيطات وعلى طول الفتحات الساخنة الحارقة، حتى في جليد سيبيريا. وهناك الكثير من الأماكن غيرها. هذا التوزيع في كل مكان و هذه الوفرة كما هو الحال للبكتيريا. ،كما أنّ الفيروسات – كالبكتيريا – بعضها غيرُ مؤذٍ وبعضها يمكن أن يتسبب في الكثير من الأضرار لمضيفها وأحياناً قتله.

حتى هذه الدرجة من الوصف، قد تبدو الفيروسات مشابهة للبكتيريا للعين غير المدربة. ولكن هناك فرق ( من العديد من الفروق) أساسي بينهم : البكتيريا حية، و الفيروسات ليست كذلك. حسناً، هذا كان رأي العديد من علماء الفيروسات، ولكن هناك تاريخ طويل من تغيير وجهات النظر حول كون الفيروسات خلايا حية، وهذا النقاش لا يزال قائماً وناشطاً كثيراً.

إذن لماذا من الصعب جداً تصنيف الفيروسات؟ الحجة الرئيسية ضدها (أي الفيروسات) هي كونها كائنات تعتمد بشكل كلي على مضيفها. بالتأكيد، الفيروسات يمكن أن تعيش خارج الخلايا، ولكنها لا يمكن أن تتكاثر. ذلك لأنها لا تمتلك الأدوات اللازمة لتكون قادرة على القيام بذلك. وبشكل أكثر تحديداً، فإنها لا تستطيع أن تصنع بروتينات من موادها الوراثية، وهذا هو سبب كون هؤلاء المرتزقة يغزون الخلايا الحية ويجبرونها على القيام بالعمل القذر

ولكن هذا ليس الحد الفاصل ، فالاعتماد على كائن حي آخر من أجل البقاء ليس مميزاً للفيروسات، فبعض البكتيريا والفطريات لا يمكن أن تعيش منفردة . فقد تم اكتشاف فيروسات (mimiviruses) وهي أضخم وأعقد فيروسات تم اكتشافها حتى الآن . الأمرُ الذي أربك علماء الفيروسات تماماً. فقد كانت الفيروسات دائماً بسيطة صغيرة مع قليل من الجينات، وغير مرئية في المجهر الضوئي. ولكن هذه الفيروسات كبيرة حتى أنه في البداية ظُنّ بأنها بكتيريا، وجينوم هذه الفيروسات أكبر من ذلك الخاص ببعض أنواع البكتيريا، كما تمتلك بعض آليات صناعة البروتينات.

يجب القول بأن النتيجة لم تُحسم بعد، ولكن يأمل العلماء بأن تتبع أصول هذه الفيروسات قد يقدم بعض الأدلة. هذا ليس سهلاً كون الفيروسات لا تترك لنا أية أحافير، وكوننا حددنا فقط بضعة آلاف من أصل ملايينٍ متوقعٌ وجودُها . ولكن عندما توجد إرادة دائماً ما توجد وسيلة، فقد قرر الباحثون في جامعة إلينوي (Illinoi) متابعة ما تبقّى من التاريخ التطوري لهم من خلال دراسة البنية والشكل ثلاثي الأبعاد 3D للبروتينات أو الثنيات المكتوبة ضمن الجينوم. ذلك لأن الفيروسات تتغير دائماً ولكنّ هذه التغييرات لا تؤثر بالضرورة على الثنيات المسؤولة عن وظيفة معينة.

تم استخدام أجهزة الكمبيوتر للتدقيق في ثنيات أكثر من 5000 من الكائنات ، منها 3500 فيروس، مغطين بذلك كل فرع من شجرة الحياة. وأدى ذلك إلى اكتشاف 442 ثنية بروتينية مشتركة بين الفيروسات والخلايا، و 66 وجدت فقط في الفيروسات.

“هذا يخبرك أنه يمكنك بناء شجرة حياة، لأنك قد وجدت العديد من الميزات في الفيروسات التي تتطابق مع تلك التي لدى الخلايا الحية ” وقال الباحث الرئيسي غوستافو كايتانو آلونيس في بيان: ” للفيروسات مكونات فريدة خاصة بها بجانب المكونات التي تشترك بها مع الخلايا “

تلك النقطة الأخيرة مثيرة للاهتمام، لأنها تتعارض تماماً مع فكرة أن الفيروسات مجرد بقايا أجزاء من المادة الوراثية للحياة الخلوية، أو أنها سرقت كل جيناتها من الخلايا الحية.

بنى الباحثون لاحقاً شجرة حياة تم إدراج الفيروسات ضمنها، والتي كشفت أن الفيروسات الحديثة قد نشأت من الخلايا القديمة المتعددة، بدلاً من الخلايا الحديثة، وحتى أنها تعايشت مع أسلاف الخلايا اليوم.

“الفيروسات تستحق الآن مكاناً في شجرة الحياة” قال كايتانو آلونيس، وأتبع: “من الواضح أنّ الفيروسات لها أكثر بكثير مما كنا نعتقد. “

المصدر