بيولوجيًّا، ما هو النوع؟

0 254

ما الذي سبب هذا التنوع الهائل الذي نراه؟

تعرَّضت الكائنات الحيَّة، وعلى مدار مليارات السنوات، لشتى أنواع الضغوط التي سببت تفاعلات معقَّدة بينها وبين بيئتها. وقد سببت هذه التفاعلات، بدورِها، عمليات تمايز في الإنتاجِ التكاثري بين الأفراد تبعاً لقدرتهم على البقاء تحت هذه الظروف. وأدَّى ذلك إلى زيادة نسبة الصفات النافعة والقابلة للتوريث جيلاً بعد جيل.

ولأنَّ البيئات معقدة والظروف ليست واحدة بالنسبة لجميع الأفراد، فالصفات النافعة ليست واحدة بالنسبة للجميع أيضاً.

ولأنَّ الظروف متغيِّرة، فمن الطبيعي أن تفقدَ الصفات قيمتها أو تكتسب قيماً جديدة لتظهر أنواع وتنقرض أخرى حسب قدرتها على التعاطي مع بيئاتها. ويمكننا اختصار ذلك بما يُعرَّف بالتطور بالإنتخاب الطبيعي الذي يتبع آليات متعددة

(تحدثنا عن هذا الأمر بتفاصيل أكثر في مقالنا السابق: نبذة مختصرة عن نظرية التطور).

ولكن، ما هو النوع؟

ربما يكون السؤال بسيطاً، ولكن من الصعب الإجابة عليه إذ كان محلاً لجدالات واسعة سببها الأساس عدم وضوح الحدود الفاصلة بين الأنواع وبعضها، فيمكننا أن نقول أنَّ الكلب والبقرة مثلاً نوعان مختلفان، ولكن هل يمكننا أن نقول ذلك عن الكلب والذئب مثلاً؟

وضع عالم الأحياء الشهير إرنست ماير تعريفاً يُعد الأكثر قبولاً: «النوع مجموعة من الأفراد الذين يستطيعون التزاوج فيما بينهم بشكل طبيعي ومنعزل عن باقي الأنواع».

إذاً، النوع هو الحوض الجيني الكبير الذي يجمع الأفراد الذين لديهم العديد من القواسم المشتركة والذين يستطيعون التزاوج فيما بينهم.

ولكن هل الأمر بهذه البساطة؟

في الواقع عند تأملنا في سلوك الأنواع المختلفة ستواجهنا مشكلتان:

  • المشكلة الأولى: هناك أنواعٌ كثيرة تتكاثر بشكلٍ لا جنسي مثل البكتيريا التي تتكاثر بالإنقسام الثنائي binary fission.

والكائنات التي تتكاثر لاجنسياً ستبدو بعيدة للغاية عن مجال ذلك التعريف، إذ لا يمكن تحديد الحدود الفاصلة بين أنواعِها خاصة إذا أخذنا في الإعتبار معدل تكاثرها السريع والمصحوب بمعدل حدوث طفرات هائل. وهذا ما يعني إمكانيَّة اختلاف الذريَّة عن النوع الأب بعد عدة أجيال.

ولعل أوضح مثال على هذة النقطة هو تجربة التطور بعيدة المدى التي تحدثنا عنها بشكل أكثر تفصيلاً في هذا المقال السابق هل يمكن مشاهدة التطور مخبرياً؟ حيث اكتشفنا في هذا المقال أنه بعد عدة آلاف من الأجيال تمايزت ذرية النوع الأب إلى أنواع مختلفة لدرجة تكوُّن نظام بيئي جديد من تفاعلات تلك الأنواع مع بعضها.

  • المشكلة الثانية: الفروقُ بين بعض الأنواع ضبابيةٌ لدرجة أنها تستطيع التزاوج مع بعضها البعض دون أيَّة معوقات، ويتسببُ ذلك في تشابهات في النمطين الجيني genotype والظاهري phenotype، وهذا ما يصعِّبُ التمييز بينها. وسنجد أن هناك ضروب subspecies من النوع الواحد تبدو الفروق الظاهرية بينها أكبر بكثير من الفروق بين النوع الأب وأنواع أخرى. وكلها يمكنها التزاوج مع بعضها.

لعلَّ أوضح مثال على صعوبة تعيين تلك الحدود الفاصلة هو الكلاب، فقد استؤنست الكلاب Canis lupus familiaris قبل نحو 35000 عام من الذئاب الرمادية Canis lupus (تحدثنا عن هذة النقطة بتفاصيل أكثر في مقالنا السابق ما الذي تخبرنا به الأنواع الداجنة عن التطور؟)، ولعلك لاحظت التشابه في الإسم العلمي بين النوعين.

إسم الكلب في الواقع يعني (الذئب الرمادي المدجن)، وحتى اليوم تستطيع جميع أنواع الكلاب التزاوج مع الذئاب الرمادية والتزاوج مع بعضها بدون أي عوائق.

ولو تتبعنا النمط الظاهري فقط في التمييز بينها سنصاب بالذهول ونحنُ نرى الفروق الواضحة في الشكل بين كلب الهاسكي السيبيري وكلب الشيواوا مثلاً، وكيف تبدو التشابهات الشكلية بين الهاسكي والذئب الرمادي، وكيف يصنف الهاسكي والشيواوا نوعاً واحداً بينما يصنف الذئب الرمادي كنوع آخر، ويستطيع أي منهم التزاوج مع الآخر دون قيود.

من ناحية أخرى، يوجد فرد آخر من نفس العائلة وهو كلب الدينجو البري Canis lupus dingo، وهو غير موجود إلا في أستراليا وبعض جزر جنوب شرق آسيا. يُصنف الدينجو البري كنوع مختلف عن الكلب، ولكنَّه يستطيع التزاوج معه بشكل طبيعي لدرجة أنه أصبح مهدداً بالإنقراض بسبب تزاوجه مع سلالات الكلاب التي أحضرها المستوطنون الأوربيون معهم إلى أستراليا، فأصبح من الصعب للغاية اليوم أن نجد كلب دينجو ذا حمض نووي صبغي DNA غير مختلط بالكلاب.

ذئب رمادي
كلب هاسكي سيبيري
كلب شيواوا
هجين هاسكي مع شيواوا
هجين ذئب رمادي مع كلب مالاموت ألاسكي
أسد ببري Liger هجين من تزاوج ذكر أسد مع انثى نمر يقف إلى جانب أمه. الأسد و النمر لايعيشان في بيئة واحدة ولكن عند وضعهما في مكان واحد مثل حدائق الحيوان يمكنهما التزاوج.

لدينا مثال واضح آخر على دور التزاوج بين الأنواع في تشويش الحدود الفاصلة بينها، وفي الواقع هو قريب للغاية: إن لم تكن من سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى فنسبة 2-4% من الحمض النووي الصبغي DNA الخاص بك ليس بشرياً؛ إنه من النياندرتال  Homo neanderthalensis أقرب أقربائنا.

وقد بدأ تمايز النوعين قبل حوالي  700000 عام إلا أنهما احتفظا بالقدرة على التزاوج بينهما لفترة طويلة قبل أن يصلوا لنقطة لم يعد عندها ذلك ممكناً.

وغالباً حدث ذلك قبل حوالي 40000 عام، ويخبرنا الحمض النووي الصبغي أنَّ التزاوج بين النوعين قد حدث عدة مرات في الشرق الأوسط وأوربا أثناء هجرات أسلافِنا القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء وتفاعلاتهم المعقدة مع النياندرتال التي شملت المنافسة الشرسة على الموارد والتزاوج قبل أن ينقرض النياندرتال قبل حوالي 30000 عام و يبقى نوعنا Homo sapiens.

وإن كنت تعاني من الاكتئاب، أو لديك مشكلة ارتفاع نسبة الكوليسترول بالدم، فهي تذكارات تركها لنا أبناء عمومتنا من النياندرتال قبل أن ينقرضوا، إذ إنَّ الجينات التي تسبِّبُ لك تلك المشاكل قد انتقلت منهم إلى أسلافنا عندما حدث تزاوج بينهم قبل عشرات الآلاف من السنين!

الهيكل العظمي للنياندرتال بالمقارنة بالإنسان.

بناءً على ذلك: إذا كانت القدرة على التزاوج بين الأفراد لا تكفي وحدها لوضع حدود فاصلة بين نوع و آخر، فأين نجد تلك الحدود؟

للإجابة على هذا السؤال يتعين علينا أن نسأل سؤالاً أخر: هل إدراكنا للواقع هو ذات الواقع؟

منذ القدم، تميَّز نوعنا عن أغلب الأنواع الأخرى بقدرته المدهشة على تمييز الأنماط واستنتاجها وتصنيف مشاهداته تبعاً لهذه الأنماط إذ رأى أسلافنا هذه الأنماط في تعاقب الفصول ودورات مواسم الجفاف والأمطار، واستطاعوا بواسطتها تمييز مجموعات النجوم وحركات الأجرام السماوية وكيف تكمل دورات منتظمة في إيقاع ثابت لاينتهي.

لقد ساعدتنا تلك القدرة المدهشة على التعامل مع الطبيعة وإخضاعها بشكل كبير، ولكنها أيضاً ليست بلاعيوب إذ إنَّ هوسنا المستمر بتصنيف كل شيء وفقاً للأنماط التي اعتدنا عليها وضعنا في حيرة أمام مسألة النوع في علم الأحياء.

في الواقع علم الأحياء لايعبأ بطريقة دراستنا إياه ولا برغبتنا في تنميط كل شيء، فهو يسير وفقاً لقواعد محددة. وكلُّ كائن حي يسعى غريزياً للتزاوج ونقل جيناته للجيل التالي ويستغل كل فرصة ممكنه لذلك،  وكل كائن متوافق معه جينياً هو فرصة لذلك.

الأمر بالنسبة للحياة بهذه البساطة وبالتالي لا تعرف الحياة فكرة التنميط التي اعتدنا عليها، ويبدو أنها لا تهتم كثيراً لذلك، فالنوع هو طريقتنا نحن في فهم الطبيعة ولكنه ليس الطريقة الأمثل لوصف الآليَّة التي تعمل بها.

المصادر:

  • إعداد: محمد علي
  • مراجعة: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More