نرى العالم من نافذة العلم

ما هو الإشعاع؟

0 8

الإشعاع عبارةٌ عن طاقةٍ تسافر في الفضاء؛ يعتبر ضوء الشمس أحد أشهر صور الإشعاع، فهو يمدّنا بالضوء، الحرارة والسَّفع (اسمرار البشرة عند التعرض لأشعة الشمس). بينما نعتمد عليه ونستمتع به، نحن نتحكم في مقدار تعرّضنا إليه في نفس الوقت. وبجانب الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس، يوجد أنواعٌ عالية الطاقة من الإشعاع التي تُستخدم في الطب، وجميعنا يتعرض إلى جرعاتٍ صغيرة منها قادمةٍ من الفضاء، الهواء، الأرض والصخور. وبالمُجمل، يمكننا الإشارة إلي هذه الأنواع بالإشعاعات المؤينة التي بإمكانها أن تسبب ضرراً للمادة، خصوصاً الأنسجة الحية. وعند المستويات العالية منها تكون خطيرةً جداً، لذلك فإنّه من الضروري السيطرة على مقدار تعرضنا إليها. وعلى الرغم من عدم قدرتنا على الإحساس بهذا الإشعاع، إلا أنّه من الممكن كشفهُ وقياسه، كما أنّ التعرض له يمكن ملاحظتهُ بسهولة.

تعيش الكائنات الحيّة في بيئةٍ تحتوي على مستويات كبيرة من الإشعاع، علاوةً على ذلك، يدين الكثير من الناس بحياتهم إلى الإشعاع الذي يُنتَج صناعيا كالأشعة السينية المستخدَمة في الطب والتي تكشف عن الكثير من المشاكل، في الوقت الذي تُستخدَم فيه الأنواع الأخرى من الأشعة المؤينة لتشخيص الأمراض أو معالجة بعض الأشخاص عن طريق تعريضهم إلى الإشعاع.

الإشعاعات المؤينة التي تنتج من خامات اليورانيوم والنفايات النووية هي جزءٌ من بيئة الإنسان، ولطالما كانت كذلك. وعندما تصل إلى مستوياتٍ عالية فإنّها تصبح خطيرة، ولكن عند المستويات المنخفضة كالتي نتعرض لها طبيعياً فهي غير مضرة. فالحدود الطبيعية لتعرض الأشخاص العاديين للإشعاع هي أقل ب 20 مرة من الأشخاص العاملين في مجال الطاقة النووية، على الرغم من الجهود المبذولة للتأكد من عدم تعرض العاملين في مجال الطاقة النووية إلى مستوياتٍ ضارّة من الإشعاع.

إشعاع الخلفية هو ذلك الإشعاع المؤين الذي لا بدّ أن يتواجد طبيعياً في بيئتنا وتتغيّر مستوياته بصورةٍ كبيرة، فالأشخاص الذين يعيشون في المناطق ذات التربة المكوَّنة من الجرانيت أو على الرمال المعدنية يتعرضون إلى إشعاعٍ أرضي أكثر من الآخرين، بينما يتعرض الأشخاص الذين يعيشون أو يعملون في المناطق المرتفعة إلى مقدارٍ أكبر من الأشعة الكونية. ويشكل غاز الرادون النسبة الأكبر من الكمية الطبيعية التي نتعرض لها، وهو غازٌ يتسرب من قشرة الأرض باتّجاه الهواء لنتنفسهُ لاحقاً.

النشاط الإشعاعي في المواد

بصرف النظر عن القياسات العادية للكتلة والحجم، تقاس كمية المادة المشعة بالبيكرل (Bq) والذي يمكِّننا من مقارنة النشاط الإشعاعي القياسي الناتج عن بعض العناصر الطبيعية وغيرها، وهو عبارةٌ عن انحلالٍ ذري واحد في الثانية، وبالتالي فإنّ جهاز كاشف الدخان المستخدَم في المنزل ذو ال Bq 30,000 يحتوي على مقدارٍ كافٍ من عنصر الأميريسيوم americium لكي ينتج هذا العدد من الانحلالات في الثانية. فكيلوغرام واحد من القهوة أو الجرانيت ربما يحتوي على نشاطٍ إشعاعي ذي 1000 Bq، وللشخص البالغ حوالي Bq 7000، وكل انحلال ذري يُنتج بعض الإشعاع المؤين.

الإشعاع المؤين ألفا، بيتا وجاما

الإشعاع المؤين يأتي من أنوية الذرات (اللبنات الأساسية لتكوين المادة)، بحيث أنّ معظم الذرات مستقرة باستثناء بعض الذرات التي تتغيّر أو تنحلّ إلى ذراتٍ جديدة كليا. هذه الأنواع من الذرات يُشار إليها على أنّها “غير مستقرة” أو “مشعّة” حيث أنّها تمتلك طاقةً داخلية زائدة. وباعتبار أنّ النواة يمكن أن تتحول تلقائيا، فإنّ هذا يسمى “الانحلال الإشعاعي”. وجميعنا يتعرض إلى الإشعاع من مصادر طبيعية كل يوم.

الذرة غير المستقرة تشعّ الطاقة الزائدة في صورة إشعاع جاما أو جسيمات دون ذرية سريعة. وفي حال قيام الذرة بانحلال ألفا أو بيتا، فإنّها تتحول إلى عنصرٍ جديد، كما يمكن وصف الانبعاثات في صورة إشعاع جاما، بيتا أو ألفا. وفي جميع الأوقات، الذّرة تحاول الوصول إلى حالةٍ مستقرّة بحيث تكون غير مشعة.

جسيمات ألفا تتكون من بروتونين ونيوترونين في صورة نواة ذرية، وهي ذات شحنةٍ كهربائية موجبة مقدارها 2 وحدة (الوحدة الموجبة تنتج من بروتون واحد). نتيجة كتلتها الكبيرة وبطء حركتها نسبياً فإنّ جسيمات ألفا تتفاعل مع المادة بسهولةٍ مقارنةً بجسيمات بيتا أو أشعة جاما وتفقد طاقتها بسرعة، وبالتالي فهي لا تمتلك طاقة اختراقٍ عالية للمادة ويمكن لصفيحةٍ ورقية أو طبقة واحدة من الجلد أن توقف تقدمها ولا تسافر أكثر من بضع سنتيمترات في الهواء، لكن في داخل الجسم يمكنها أن تسبب ضرراً أكبر من الأنواع الأخرى من الإشعاع.

جسيمات بيتا هي عبارةٌ عن إلكترونات سريعة الحركة بعد أن قُذفَت من أنوية العناصر المشعة، وهي أحادية الشحنة (نتيجة شحنة الإلكترون)، أخفّ وتنطلق بسرعاتٍ أعلى من جسيمات ألفا. كما بإمكانها اختراق من 1 إلى 2 سم من الماء أو اللحم البشري. ويمكن لصفيحةٍ من الألمونيوم بسمك عدّة ملليمترات أن توقف تقدّمها.

أشعة جاما تشبه الضوء وتمثل انتقال الطاقة في موجةٍ دون تحرك المادة، تماماً مثل الضوء والحرارة. إنّ أشعة جاما والأشعة السينية متطابقان عملياً باستثناء أنّ الأشعة السينية يتمّ إنتاجها صناعياً بدلاً من انبعاثها من الأنوية الذرية، ولكن على عكس الضوء، هذه الأشعة تمتلك قدرة اختراقٍ عاليةً جدّاً ويمكنها العبور من الجسم البشري. ولحمايتنا من هذه الأشعة يمكن استخدام الخرسانة، الرصاص أو الماء.

الجرعة الفعالة من التعرض إلى جميع هذه الأنواع من الإشعاع تقاس بوحدةٍ تسمّى سيفرت Sievert. وعلى الرغم من ذلك، معظم الجرعات تكون بالميللي سيفرت mSv (واحد من ألف من السيفرت).

جميعنا يتعرض إلى جرعةٍ مقدارها 2 mSv كلّ عامٍ من الطبيعة المحيطة بنا، وربما أكثر من الكشوفات والاختبارات الطبية، وأيّ جرعةٍ أقلّ من 100 mSv تُعتبر غير مضرة.

المصدر: world-nuclear.org

  • إعداد: مصطفى رفاعي
  • مراجعة: عبدالعزيز كلش
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمّدي
تعليقات
Loading...