in

ما الذي يبقي الكون متماسكا؟

تبدو فيزياء الجسيمات مملةً بعض الشيء ربما، غير أنّها لا تخلو من المتعة إذا ما تعمّقنا في دراستها. لماذا لا تتنافر البروتونات في نوى الذرات مع أنّها متماثلة الشحنة؟ ما الذي يبقي الكواركات مترابطة؟ ما هي القوة التي تبقي كوناً متماسكا؟

نظرةٌ على الجسيمات الأولية

لِنأخذ ذرّة الهيليوم مثالاً؛ تحتوي ذرّة الهيليوم على زوجٍ من الإلكترونات التي تحوم حول نواةٍ مؤلفةٍ من بروتونين ونيوترونين. بالنّسبة لمعظم المدارس الثانوية تنتهي الجسيمات الضئيلة في هذه النقطة بينما ما زال بإمكاننا الغوص أكثر، فالبروتونات والنيوترونات تندرج تحت فئة الهادرونات المصنوعة بدورها أيضاً من جسيمات أصغر تدعى الكواركات. هنا أصبح بإمكاننا تسمية الكواركات بالجسيمات الأولية لأنّنا لا نستطيع الغوص أكثر، فهي أبسط الأشكال المادية للوجود وتتألف منها باقي الجسيمات الأكبر والأكثر تعقيدا.

يوجد نوعان من الجسيمات الأولية، الكواركات والليبتونات، لها ستّ نكهات ولكلٍّ منها نسخةٌ من المادة المضادة. الإلكترونات في ذرة الهيليوم عبارةٌ عن نكهةٍ من الليبتون، لذا لا يمكننا الغوص أكثر، وينطوي هذا تحت نظرية النموذج القياسي للجسيمات الأولية، وهي أفضل فهمٍ توصّلنا إليه يفسر طريقة ارتباط هذه الجسيمات مع ثلاثٍ من قوى الطبيعة.

قوى الطبيعة

يحكم كوننا أربع قوى أساسية وهي:

  • الجاذبية: وهي القوّة بين الجسيمات التي تمتلك كتلة.
  • الكهرومغناطيسية: وهي القوّة بين الجسيمات التي تمتلك شحنة.
  • القوى النووية: وهي أقلّ شهرةً لأنّها تحدث على المستوى الذري ولا نشعر بها من حولنا ولها نوعان:
    القوى النووية الضعيفة: وهي القوة التي تلعب دوراً هامّاً في التحلل النووي والنشاط الإشعاعي لبعض نظائر العناصر.
    القوى النووية الشديدة: وهي القوّة التي تربط الكواركات ببعضها لتشكل الهادرونات (كالبروتونات والنيوترونات)، وهي ما يهمّنا في هذا المقال.

افترض الفيزيائيون وجودها في البداية لتكون تفسيراً لامتلاك نواة الذرة أكثر من بروتون موجب الشحنة، فكما نعرف بأنّ الشحنات المتماثلة تتنافر دون وجود قوةٍ أكبر من الكهرومغناطيسية، وفي نهاية المطاف توصلواْ إلى أنّها لا تربط البروتونات في نواة الذرة فقط، بل أيضاً مسؤولةٌ عن ترابط الكواركات في البروتونات نفسها. تنتج هذه القوى من تبادلات الجسيمات حاملة القوى (force-carrier particles) تدعى بوزونات (اكتشاف “بوزون هيغز” في العام 2012)، ولكلّ قوة بوزون نظيرٌ خاصّ يحمل القوة النووية الشديدة يدعى غلوون ” glon” (جاءت تسميته من الفعل ” glues” والذي يعني: يلصق بالغراء).

إنّ ما يجعل القوّة النووية الشديدة ساحرةً أكثر من نظيرتها الكهرومغناطيسية هو أنّ هذه الأخيرة تتناقص بمجرد تباعد الجسيمات المشحونة عن بعضها (كما يحدث عندما تبعد المغناطيس عن قطعةٍ من الحديد) بينما القوّة النووية الشديدة تزداد كلما ابتعدت الجسيمات عن بعضها، حيث تصبح أقوى بكثيرٍ كلّما ازدادت المسافة الفاصلة بين الجسيمات وعندها يحدث السحر، فكمية الطاقة الضخمة اللازمة للفصل تتحول لكتلةٍ وفق معادلة “أينشتاين” الشهيرة: E=MC².

إذن فالقوّة النووية الشديدة قادرةٌ على تحويل الطاقة لمادة، وهذا ما حدث خلال مليارات السنيين في الأفران الكونية (النجوم) حتى تشكلت المادة في كوننا، فهي حرفياً ما يبقي الكون متماسكاً وبهذا الشكل الذي نعرفه.

  • ترجمة: قتيبه عثمان.
  • مراجعة: حكم الزعبي.
  • تدقيق لغوي: جيهان المحمدي.

تعليق واحد

ضع تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الرئيس دونالد ترامب يرفع ميزانية ناسا لـ 19 بليون دولار ونصف

حلقات الشجر المعمر تبين حدوث نشاط مغناطيسي شديد للشمس منذ 7000 سنة