حوامض أكثر، مجازفة أكثر!

المجازفاتُ جزءٌ من حياتِنا اليوميَّة، ولكن تختلفُ درجةَ المجازفة بين واحدِنا والآخر؛ ففي الوقت الذي يهوى البعضُ القفزَ من الطائرات مثلًا، يتجنَّبُ البعضُ الآخر أخذَ أيَّة مجازفة، كالذين يعانون من اضطربات القلق (Anxiety disorders). وإنَّ المجازفةَ سلوكٌ بدائيٌّ قد يجعلُ حياتَنا أكثر سعادة من خلال إثارتِنا عبر تحدِّي ذواتِنا. ولكن، إذا وجدتَ نفسَك غيرَ مُجازفٍ بالقدر الكافي، فإنَّ كلَّ ما تحتاجُه هو إضافة بعض الخل أو عصير الليمون على وجبة طعامِك لتجعل حياتَك كنكهة هذه الحوامض!

المذاقُ الحامضَ لديه القدرة على رفع القابليَّة للمجازفة، وبالتالي تحسين الحياة اليوميَّة لمجموعةٍ كبيرةٍ من الأشخاص

 

بيَّنت دراسةٌ قام بها كلٌّ من د. «تشي ثان في» (Dr. Chi Thanh Vi) ود. «ماريانا أوبريست» (Dr. Marianna Obrist) من جامعة «ساسيكس» البريطانيَّة (University of Sussex) أنَّه ومن بين المذاقات الطبيعيَّة الأساسيَّة (الحلو، المر، الحامض، المالح واللاذع اللطيف «الأومامي»)، فإنَّ المذاقَ الحامضَ لديه القدرة على رفع القابليَّة للمجازفة، وبالتالي تحسين الحياة اليوميَّة لمجموعةٍ كبيرةٍ من الأشخاص.

قام الباحثان بجعل 168 متطوُّعٍ يشربون، وبشكلٍ عشوائي، سوائلَ ذات نكهات مختلفة في أوقات مختلفة، بالإضافة إلى الماء. وبعدَ كلِّ شراب، كان هؤلاء المتطوِّعون يلعبون لعبةً تحملُ طابع المجازفة: لعبة ضخ الهواء إلى بالون عبر الكمبيوتر (Computer-stimulated balloon) (لمشاهدة اللعبة، شاهِد الفيديو المرفَق).

وتُمَثِّلُ هذه اللعبة إختبارًا معياريَّا مخبريًّا (Standard lab test) لنزعة المخاطرة: كلَّما قام المتطوعون بإدخال هواء داخلَ البالون، كلَّما حصلوا على مالٍ أكثر. ولكنَّهم لا يحصلون على شيءٍ إن انفجر البالون!

وجد الباحثان أنَّ المتطوعين الذين تناولوا الشرابَ ذا الطعم الحامض («حمض السيتريك»، citric acid) سجَّلوا نسبة المجازفة الأكبر قياسًا مع باقي المتطوعين. بالمقابل، فإنَّ المتطوعين الذين تناولوا الشرابَ ذا الطعم الحلو («السكروز»، sucrose) وكذلك أولئك الذين تناولوا الشرابَ ذا الطعم الأومامي («غلوتامات أحادي الصوديوم»، MSG) سجَّلوا نسبة المجازفة الأقل بما يساوي 40% أقل من المجموعة التي تناولت «حمض السيتريك».

نلفتُ النظر إلى أنَّ هذه الدراسة جرت في بلدين مختلفين («المملكة المتحدة» و«فييتنام») لقياس تأثير الخلفيات والمعتقدات الثقافيَّة للمتطوِّعين، وقد وَجَد الباحثان أنَّ النتيجة التي حصلوا عليها (ارتفاع نسبة المجازفة لدى الأشخاص الذين تناولوا الحوامض) غير مرتبطة بِمدى ميلهم لِلعب القمار، وكذلك فهي غير مرتبطة بطبيعتِهم الحدسيَّة أو النقديَّة.

وبالرغم من أنَّ هذا الإختبار لَم يُقِس نسبة المجازفة لدى المتطوعين سوى لعشرين دقيقة بعد تناول النكهات الخمسة المختلفة، فإنَّ الباحِثَين يظنان أنَّ هذه النسبة قد تستمرُ فعليًّا لوقتٍ أطول، وقد وجدت دراساتٌ سابقة أنَّ نسبةَ المجازفة تزيدُ أيضًا بعد تناول أطعمة حارَّة، كثيرةُ التوابل.

يختلفُ مفهومُ مصطلح «المجازفة» أو «المخاطرة» بين شخصٍ وآخر، فالمجازفة قد تعني لفردٍ ما القفز من الطائرة من على ارتفاع 30000 قدم، ولكنَّها قد تعني لفردٍ آخر مجرَّد الخروج من المنزل

لا يمكنُ لدراسةٍ كهذه أن تؤكِّدَ مدى اتِّساع تأثير تناول الحوامض، فكما يوضَّح د. «تشي ثان في»: «يختلفُ مفهومُ مصطلح «المجازفة» أو «المخاطرة» بين شخصٍ وآخر، فالمجازفة قد تعني لفردٍ ما القفز من الطائرة من على ارتفاع 30000 قدم، ولكنَّها قد تعني لفردٍ آخر مجرَّد الخروج من المنزل، بالرغم من أنَّ هذا السلوك قد يشكِّلُ خطرًا على صحتِه النفسية إذ إنَّ المجازفة واحدةٌ من السلوكيَّات التي تساعدُ على الحصول على حياةٍ سعيدة»!

يعترفُ الباحثان بعدم معرفَتِهما العمليَّات العصبيَّة المرتبطة بارتفاع نسبة المجازفة بعد تناول الحوامض، ولكنَّهما ينصحان شركات الطيران بتجنُّب إعطاء الطيَّارين وجباتٍ حامضة، فقط ليكونوا في المنطقة الآمنة.

ختامًا، نطرحُ التساؤلَ التالي: إذا كانت بعض الدراسات قد أثبتت أثر زيت الليمون المهدِّئ والمُعالِج للقلق، فلماذا يزيدُ تناولُ الحوامض نسبة المجازفة لدينا؟ هذا ما يحتِّمُ إجراء دراساتٍ جديدة ومعمَّقة أكثر!

المصادر:

مشروعنا غير ربحي، ومُموّل ذاتيًا، نحن لا نتلقى أي أموال حكومية أو من أي جهة كانت سياسية أو غيرها، كما أنّنا لا نلتمس ذلك. و بالإضافة للتمويل الذاتي، الذي يبلغ حاليا 99٪ من مجمل التمويل، نحن نعتمد على المساهمة الطوعية لمؤسسات خاصة وأفراد مثلك لتطوير المشروع وتحقيق أهدافه. لدعمنا إضغط هنا

  • إعداد: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More