in

ما الذي يقود سيارة ذاتية القيادة؟

اشتعلت شبكة الانترنت بعد استشارةٍ قانونيّة أدلت بها الإدارة الأمريكية الوطنية لسلامة الطرق المرورية السريعة (NHTSA) في فبراير الماضي. وقد قام المنظم الفيدرالي الأميركي لسلامة الطّرق بإعلام شركة جوجل (Google) أنَّ برنامجَ الذّكاء الصنعي الذي تستخدمَه للتحكم في سيارتها ذاتية القيادة يمكن أن يعتبر “سائقاً” في بعض (وليس كل) الأغراض التّنظيمية.

إنَّ الرسالة التي أرسلتها إدارة (NHTSA) جاءَت رداً على طلب أرسلته جوجل مسبقاً تسعى من خلاله للحصول على توضيحات من الإدارة بخصوص المعايير الفيدرالية لسلامة المركبات ذوات المحرك.

اعتبرت وسائل الإعلام بشكل واسع أنّ هذا اعترافٌ للفيدراليين بأنّ برنامجَ الذّكاء الصّنعي الخاص بجوجل، أو نظام القِيادة الذّاتية (SDS)، قانونيٌّ تماماً على غرار السائق البشري. لكن في المقابل، كانت تفاصيل الرسالة تقول شيئاً مختلفاً جداً.

أولاً، استخدمت الرسالة وبشكل حازم مصطلح “قد يكون” مساوياً للسائق البشري، بمعنى أن التعريف لم يستقر على شيءٍ محدد بعد. اقترحت الرسالة أيضاً أنه يجب تطوير اختبارات مناسبة أولاً مما يسمح للإدارة أن تتأكد من توافُق نظام (SDS) مع تشريعات السّلامة الطّرقية.

وهنا يكمن التحدي. فما هي الإجراءات التي سوف تستخدم للتحقُق من هذا التوافُق؟ هل على برنامج الذكاء الصنعي أن يجتاز اختباراً معيارياً مُطوراَ بشكل خاص للسّيارات ذاتية القيادة قبل أن يتُم الاعتراف به كسائقٍ قانوني؟ ومن عليه أن يطوَّر مثل هذه الاختبارات، وماذا يجب أن تتضمن؟

قيادة المستقبل

بدون أيّ شك، تعمل كلٌ من شركات تصنيع السّيارات وشركات التكنولوجيا على تحقيق رؤيةٍ تتضمن مركباتٍ ذاتية القيادة بشكل كامل، وهذه الرؤية تشمل الاستغناء عن السّائق البشري كلياً. وقد أحرزت هذه الشركات بالفعل تقدماً كبيراً في هذا المجال.

تشمل برمجيات القيادة الذاتية، والتي تم تطويرها بناءً على “الشبكات العصبية العميقة” deep neural networks، على ملايين الخلايا العصبية الافتراضية التي تحاكي الدماغ البشري. كما يمتلك الحاسوب المرفق بالسيارة طاقة حوسبة فائقة supercomputing power مذهلة ضمن عتاده المادي الذي يعادل بحجمه صندوق الغداء.

لا تشتمل هذه الشبكات العصبية على أي برمجة واضحة للكشف عن الأجسام في العالم. بدلاً عن هذا، فالشبكات مدربة لتتمكن من التعرف على الأجسام وتصنيفها باستخدام ملايين الصور والأمثلة من مجموعات البيانات التي تمثل مواقف قيادة السيارات في العالم الواقعي.

لكن مهمة قيادة السيارة أكثر تعقيداً من مجرد اكتشاف الأجسام، كما أن الاكتشاف ليس كفهم طبيعة هذه الأجسام. على سبيل المثال، لو رأى إنسان يقود سيارته في شارع من أحد الضواحي كرةَ قدمٍ تتدحرج أمام السيارة، فعلى الأرجح أنه سيتوقف فوراً حيث أنه سيتوقع وجودَ طفلٍ يجري خلف هذه الكرة.

وحتى مع الذكاء الصنعي المتقدم، هل يمكن لسيارة ذاتية القيادة معرفة كيف تتصرف حيال موقفٍ كهذا؟ ماذا عن المواقف التي يستحيل فيها تجنب وقوع حادث؟ هل تحاول السيارة تقليل الخسائر في الأرواح، حتى لو كان هذا على حساب التضحية بركابها، أم أنها يجب أن تحمي ركابها مهما كان الثمن؟ هل على السيارة أن تُعطى حرية الاختيار بين هذين النقيضين؟

هذه ليست مواقف روتينية. لذلك وبسبب الافتقار إلى مجموعة هائلة من المواقف ستكون هذه البرامج مقاوٍمة نسبياً للتدريب على التّعلم العميق. والسّؤال هنا، كيف يمكن تضمين هذه المواقف في اختبارات قياس الأداء المعيارية؟

اختبارات تورينج

إن السّؤال فيما كانت الآلة قادرة على “التفكير” مازال فعالاً في ساحة البحث منذ خمسينات القرن العشرين عندما قدّم آلان تورينج Alan Turing أول اختباراته المسماة باسمه.

إنّ أساس اختبار تورينج هو أنه يُطلب من محققٍ بشري أن يميز بين مشاركَين في غرفة محادثة ليحدد أيّهما حاسوب وأيّهما إنسانٌ حقيقي. فإذا لم يتمكّن المحقق من التمييز بين الإنسان والحاسوب عندها يكون الحاسوب قد اجتاز الاختبار بنجاح. نجد اليوم لدى اختبارات تورينج الكثير من القيود ولذلك تم إهمالها.

مع ذلك فقد جاءت مجموعة من الباحثين باختبار مماثلٍ مبنيٍّ على رؤية الآلة machine vision، والتي تعتبر أكثر ملائمة لثورة الذكاء الصّنعي الحالية. قدّم الباحثون إطار عملٍ جديد لاختبار تورينج المرئي، حيث تقوم الحواسيب بالإجابة عن أسئلة متزايدة التعقيد حول المَشاهد.

يتطلب الاختبار مجموعة من مصممي الاختبارات البشر ليقوموا بتطوير قائمة من الخصائص المحددة قد تتوافر في الصّورة. في البداية، سيتم في البدء تقييم الصور يدوياً وفق معايير محددة، ثم يتم عرض نفس الصّور على نظام رؤية خاص بالحاسوب – بدون الإجابات – لتحديد إذا ما كان قادراً على الوصول إلى نتائج تتفق مع ما لاحظه البشر في الصور.

يوجد حالياً عدد قليل من مجموعات اختبارات الرؤية المعياريّة vision benchmark data sets والتي تُستخدم لاختبار أداء الشبكات العصبية وبالأخص ما يتعلق بدقة الاكتشاف والتّصنيف.

فعلى سبيل المثال، مجموعة بيانات كيتي (KITTI) تُستخدم بكثافة كمؤشر معياري لكشف الأجسام للسيارات ذاتية القيادة. وأيضاً بايدو (Baidu) شركة محرك البحث المهيمن في الصين، والرائدة في مجال برمجيات القيادة الذّاتية، أقرّت أنها أنجزت أفضل نتيجة لاكتشاف الأجسام وهي 90 في المئة عند اختبارها على مجموعات البيانات هذه.

في معرض الإلكترونيات الاستهلاكي هذا العام، استعرضت شركة NVIDIA أداء برمجياتها الخاصة بالقيادة الذاتية بمجموعة بيانات جديدة تم تحصيلهم من شركتي Daimler وAudi. أظهر العرض أداء متقدم المستوى في الكشف والتصنيف فردي ومتعدد الأصناف، حيث كانت البرمجيات قادرة على أن تستخلص معلومات أكثر من صور الفيديو.

ومن المحتمل أن يتم استخدام اختبار تورينج المرئي المعدّل لاختبار البرمجيات ذاتية القيادة، إذا ما كان مفصلاً لاستقبال مدخلات أجهزة الاستشعار المتعدد الموجودة في حاسوب السيارة، وكان ذو صلة بتحديات قيادة السّيارات.

لكن تكوين اختبارٍ كهذا لن يكون سهلاً. هذا سيكون أكثر تعقيداً من التساؤلات الأخلاقية التي تدور حول السيارة ذاتية القيادة. هناك أيضاً تحدّيات متعلقة بإدارة الواجهة بين السائق والحاسوب حيث أن الإجابة المقبولة التي يقدمها النظام تتطلب معلومات أكثر عن العالم.

وتبقى السياسات هي العقبة الأخيرة التي تُبقي السيارة بدون سائق بعيداً عن الشارع. وسوف نرى لاحقاً فيما إذا كان المعيار الأخير يحمل أية مقاربات شبيهة باختبار تورينج أو شيئاً آخر لم نتخيله بعد.

كما هي الحال في الابتكارات السّريعة الأُخرى، يجد صانعو السياسات والمنظِّمون صعوبة في المحافظة على نفس مستوى التّقدم. ويحتاج المنظمون أن يُشركوا العامة من أجل خلق إطار اختباري قانوني يتحقق من مدى توافق هذه الابتكارات. كما عليهم أن يتأكدوا من مرونة هذه الابتكارات مرنة وتماسكها في الوقت ذاته.

فبدون هذا، سيبقى الإنسان دائماً على مقعد قيادة السيارة، ولن تظهر السّيارات ذاتية القيادة في أيّ وقت قريب.

  • ترجمة: أحمد سعد.
  • مراجعة: عالية سلمان.

بواسطة أحمد سعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هل تطور السرطانُ لحمايتنا؟

مفاعل تشرنوبل النووي: ثلاثون عاما على الكارثة