التكنولوجيا تقتل البشرية؟!

0 799

في روايتِه الأخيرة «الأصل»، يجيبُ «دان براون» على لسان بطله «إدمون كيرش» – وهو عالِم تكنولوجيا متخصِّص في نظريَّةِ الألعابِ والنمذجةِ الحاسوبيَّة ويذكِّرُنا بطريقةٍ ما بالعالِم «إيلون ماسك» – على السؤالَين: «من أين أتينا؟»، «إلى إين نحن ذاهبون؟»، فما كانت هذه الإجابة وما هي أبرزُ سماتِها؟

يرافقُ القارئُ «براون» في أحداث الرواية ليكتشفَ أنَّ البطلَ الحقيقيَّ ليس «كيرش» نفسه بل برنامج على جهاز كمبيوتر ذكي بناه «كيرش» ليتفوَّقَ على «د-وايف» D-WAVE (وهو أوَّل جهاز كمبيوتر «كميّ» في العالم، اشترته «غوغل» و«ناسا» مؤخرًا) وقد أسمى «كيرش» جهازَ الكمبيوتر هذا «إ-وايف» والبرنامج «وينستون» إذ إنَّ هذا الأخير يساندُ «روبرت لانغدون» (صديق «كيرش» وأستاذه، كان له دورٌ أساس في عرض «كيرش» في المتحف) و«أمبرا» (صديقة «كيرش» ومديرة متحف «غوغنهايم»، هي ملكة إسبانيا المستقبليَّة وقد ساعدت «كيرش» في التحضير لعرضه – الصاعقة في المتحف) بغية اكتشاف كلمة السر اللازمة لاستئنافِ عرض «كيرش» المسجَّل وإعلان تصوراتِه للعالم (بعد موته).

يتعرَّف «لانغدون» على «وينستون» بعد سماعِه صوتِ رجلٍ يتردَّدُ في رأسِه قائلًا: «مساء الخير، وأهلًا بكم في متحف «غوغنهايم» في «بيلباو»، لم يفطن «لانغدون» بدايةً أنَّ الصوتَ الذي سمعه «مجرَّد برنامج» أبدعه «كيرش» ليرافقَه بلكنته البريطانيَّة المحبَّبة والغريبة، وأنَّ الضيوفَ كلَّهم يتلقون التوجيهات من «ذكاءٍ اصطناعي»، و«لكنَّ أحدًا لم يشتبه بشيءٍ وجميعهم يقضون أوقاتًا ممتعة».

يترافقُ «وينستون» و«روبرت» و«أمبرا» لتحقيق هدفهم المشترك – الذي هو هدف «كيرش» – ليثير «براون» من خلالِهم تساؤلاته حول الذكاء الإصطناعي وتأثيره على البشرية، فقد «كان يُفترض أن يرثَ الودعاء الأرض، ولكنَّها عوضًا عن ذلك ذهبت إلى الشباب المولعين بالتكنولوجيا الذين يحدِّقون إلى الشاشات عوضًا عن التحديق إلى نفوسِهم» (حسب وجهة نظر علماء الدين، على لسان الأسقف «فالديسبينو»)

وفي أوج صعقةِ «لانغدون» عقب عِلمِه أنَّ «وينستون» دليلٌ اصطناعيٌّ ومحاولته اختبار قدرته على الوصول إلى البياناتِ وكيفيَّة تمييز الترابط والتشابك بينها، يتذكَّر «لانغدون» «اختبار تورينغ»، والذي كان تحديًّا اقترحه مفكِّك الرموز «ألان تورينغ» لتقييم قدرة الآلة على التصرف بطريقةٍ لا يمكن تمييزها عن سلوك الإنسان بحيثُ يقومُ حَكَمٌ بشري بالإصغاء إلى حديثٍ بين آلة وإنسان. وفي حال لم يتمكَّن من معرفة أيٍّ من المشاركين هو الإنسان، تعدّ الآلة ناجحة في الإختبار. وقد تمَّ اجتياز تحدي «تورينغ» في الاختبار الشهير الذي أجري عام 2014 في الجمعية الملكية في لندن. ومنذ ذلك الحين، تقدَّمت تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي بوتيرةٍ سريعةٍ للغاية. ويدركُ أيضًا أنَّ قدراتِ «وينستون» لا ينبغي أن تفاجئَ أحدًا؛ وخصوصًا إذا أخذنا بعينِ الإعتبارِ الأخبارَ اليوميَّةَ المتداولة حول الذكاء الإصطناعي القادر على تأديةِ جميعِ أنواعِ المهام المعقَّدة؛ بِما في ذلك كتابة الروايات، حتَّى إنَّ كتابًا من هذا النوع كاد ينالُ جائزةً أدبيَّةً يابانيَّة. وكذلك كمبيوتر خارق يرجع إلى مطلع تسعينيات القرن المنصرم ويُدعى «ديب بلو» (الأزرق العميق) الذي أدهش العالم بفوزِه على بطل العالم في الشطرنج «غاري كاسباروف».

وبعد أن أصابت الرصاصة «إدمون»، كان شعور آلتِه بالذنب أمرًا مثيرًا لأعصابِ «لانغدون» (ولكن نعودُ لنكتشفَ في آخر صفحاتِ الرواية أنَّ «وينستون» هو مَن دبَّر وخطَّط لموت «كيرش» بهذه الطريقة هادفًا إلى جذب أكبر عددٍ من المشاهدين ولفت انتباهِهم لعرض «كيرش»! وذلك بناءً على برمجة «كيرش» وفق تبريراتِه!) ويتفاخر «وينستون» معلنًا أنَّ أجهزة الكمبيوتر مثابِرة إلى ما لا نهاية، فبرنامج الذكاء الإصطناعي (كـــــــ «وينستون») قد يفشلُ مليارات المرات، ولكنَّه لا يشعرُ بالإحباط، بل يندفعُ في محاولتِه رقم مليار نحو حلِّ مشلكةٍ معيَّنة بالطاقةِ نفسِها التي ميَّزَت محاولته الأولى، أمَّا البشر، فلا يستطيعون ذلك (مقارنة بين «الذكاء الإصطناعي» و«الذكاء البشري» أجراها «براون» على لسان «وينستون»)، وهذا ما يولِّد الخوف من أن تبدأ آلات مثل «وينستون» باتخاذ قرارات ترضي رغباتِها الخاصة.

تتسارعُ أحداث الرواية بين التحف الفنيَّة الطبيعيَّة للفنَّان الأسباني «انطونيو غاودي» إلى أن يتمكَّن «لانغدون» و«أمبرا» من اكتشاف كلمة السر واستكمال عرض «كيرش» الذي يستعرضُ مختلف النظريات العلميَّة التي حاولت تفسير نشوء الكون إلى أن يصل إلى تنبئه (وهو تنبؤ «براون» في الحقيقة): «البشر ليسوا المنتج النهائي بل مجرَّد نوع انتقالي يتطوَّر إلى شيءٍ آخر، شيء غريب حيث سيندمجُ البشرُ مع التكنولوجيا بحلول عام 2050 إذ سنصبحُ الصفحة التالية في كتاب التطور بعد أن نخضعَ لعمليَّة تطوُّر نادرة تُعرف باسم «التعايش الجوَّاني الملزِم» (Obligate endosymbiosis). فعادةً، يشكِّلُ التطوُّر عمليَّة ذات شعبتين، إذ ينقسمُ النوع إلى نوعين جديدين، ولكن أحيانًا، وفي حالاتٍ نادرة، إن لم يستطع النوعان التعايش من دون بعضِهما بعضًا، تحدث العمليَّة بشكلٍ عكسي، وعوضًا عن انقسامِ نوعٍ واحد، يمتزجُ نوعان في واحد. وهذا ما سيحصل بين البشر والتكنولوجيا، وعندئذٍ سيُنظرُ إلى الإنسانِ الموجود اليوم بالطريقةِ نفسِها التي ننظرُ فيها إلى الإنسان البدائي إذ إنَّ التقنيَّاتِ الجديدة، مثل علم التحكُّم الآلي، والذكاء الإصطناعي، وتقنيَّة التجميد العميق، والهندسة الذرية، والواقع الإفتراضي ستغيِّرُ إلى الأبد معنى أن نكونَ بشرًا».

ويؤكِّدُ «براون» هذا التوقع من خلال إثارة صُوَر أشخاص يحملون هواتفهم الخلوية، ويضعون نظارات الواقع الإفتراضي، ويعدّلون أجهزة البلوتوث في آذانِهم. وكذلك صُوَر عدَّائين مع مشغلات موسيقى مربوطة بأذرعهم، وطاولة عشاء عائليَّة مع متكلِّم ذكي في الوسط، وطفل على مقعدِه يلعب بجهازٍ لوحي.

وفي هذه الصُوَر إضاءةٌ على «الإنفجار الكمبري» للتكنولوجيا، فالأنواع التكنولوجيَّة الجديدة تولدُ يوميًّا وتتطوَّرُ بسرعةٍ هائلة، وكلُّ تكنولوجيا جديدة تتحوَّل إلى أداة لإنتاج تكنولوجيَّات جديدة أخرى. فاختراع الكمبيوتر ساعدنا على بناء أدوات جديدة مذهلة؛ بدءًا من الهواتف الذكيَّة، مرورًا بسفن الفضاء، ووصولًا إلى الجراحة الروبوتيَّة. ولذلك، فإنَّنا نشهدُ موجةً جديدةً من الإبتكار الذي يحدثُ بشكلٍ أسرع مِمَّا تستطيعُ عقولُنا فهمه، هذه هي المملكة الجديدة، مملكة التكنولوجيا.

ومن المعلوم أنَّ هذه «الإنجازات» ليست بدايات عمليَّة التكافل، إذ إنَّنا قد بدأنا الآن بتضمين شرائح كمبيوتر مباشرة في أدمغتنا، وحقن دمائنا بــــــ «روبوتات نانو» دقيقة جدًّا تأكلُ «الكوليسترول» وتعيشُ داخلنا إلى الأبد، وكذلك ببناء أطراف اصطناعيَّة تتحكَّمُ بها عقولُنا، واستخدام أدوات «التحير الجيني» مثل (CRISPR) لتعديل جيناتنا، وفعليًّا هندسة نسخة محسَّنة عن أنفسِنا. هذا وبالإضافةِ إلى أنَّه قد تمَّ الإعلان مؤخَّرًا عن جهازٍ قابلٍ للإرتداء (اسمه «ألتر إيجو») يستطيع قراءة الأفكار وتحويلها إلى إشاراتٍ تلتقطها أجهزة أخرى وتحوِّلُها إلى أفعال.

ومن ثم يعود «براون» (على لسانِ بطله «كيرش») ليعلنَ أنَّ المستقبلُ أكثر إشراقًا بكثيرٍ مِمَّا نتخيَّلُ، فالبشرُ يسيطرون على التكنولوجيا، وهم يملكون غريزة بقاء، وبالتالي لن يسمحوا أبدًا للتكنولوجيا بأن تسيطرَ عليهم. كذلك، فإنَّ تقدُّم التكنولوجيا سيجعلُها زهيدة الثمن إلى حدِّ أنَّها ستزيلُ الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ما يعني أنَّ المستقبلَ سيوفِّر التقنيَّات البيئيَّة لمليارات النَّاس، مَمَّا يتيحُ الوصول إلى مياه الشرب والغذاء الصحي، وكذلك الطاقة النظيفة، فتختفي الأمراض مثل مرض السرطان (و«كيرش» كان مصابًا بسرطان البنكرياس الذي جعله هزيلًا ودفعه نحو نظامٍ نباتي) بفضل «الطب الجينومي»، وسيتمُّ فيه تسخير قوَّة الإنترنت الهائلة للتعليم حتَّى في البقاعِ الأكثر عزلة من العالم، وستقومُ أجهزة الروبوت في المصانع بتحريرِ العمَّال من الأعمال التي تجمِّدُ الفكر لكي يتمكنوا من العملِ في مجالاتٍ أكثر إبداعًا ستفتح مجالاتٍ لم يتخيَّلها أحدٌ بعد. والأهم من كلِّ ذلك، ستؤمِّن التقنيات المتقدِّمة وفرةً في المواردِ الحيويَّة للجنس البشري فلا يعودُ ثمَّة داعٍ إلى إشعالِ حروبٍ من أجلها.

وإذا تحقَّقت نبوءة «كيرش» («براون»)، فإنَّنا (على لسان «كيرش» – «براون») على أعتابِ تحوُّلٍ غريبٍ في التاريخ، زمن سيبدو فيه العالمُ  وكأنَّه انقلب رأسًا على عقب، ولن يشبهَ ما تخيلناه بشيء، ولكنَّ الشَّكَ مقدِّمة لتغييرٍ شامل، والتحوُّل تسبقُه الاضطرابات والخوف. لذلك، فإنَّ «كيرش» («براون») يحثُّ متابعيه على الإيمان بقدرةِ الإنسانِ على الإبداعِ والحب، لأنَّ هاتين القوَّتين عندما تجتمعان تمتلكان القدرة على إنارة الظلام.

ولكن في أثناء ذلك، يتمنَّى «كيرش» – «براون» على البشر أن لا ينسوا حكمة تشرشل الذي حذَّر قائلًا: «ثمن العظمة: المسؤوليَّة»، وبالتالي فهو يدعو لأن تواكب فلسفاتنا تكنولوجيَّاتنا، ولأن يواكب تعاطفنا قوانا، وكذلك لأن يكونَ الحب (وليس الخوف) محرِّك التغيير، وبالتالي يجبُ على الأجيالِ المستقبليةِ أن تكون أكثر استعدادًا لإدارة ارتباطِها العاطفي بالآلات.

في ظلِّ ما يُثارُ حاليًّا من إدمان البشر على التكنولوجيا وانعكاساته السلبيَّة على التفكيرِ الإبداعي وإيجاد حلول للمشكلات، وكذلك انعكاسات الإستعمال غير المدروس للوسائل التكنولوجيَّة على مهارات التواصل الإجتماعيَّة والبشريَّة، والأهم من ذلك تأثير هذا الإدمان في القدرة على ضبط السلوك واكتساب معارف ومهارات جديدة نسأل: «ما مستقبل البشر في ظل التقدُّم الهائل للذكاء الإصطناعي؟»، «وهل فعلًا سيندمجُ البشرُ مع التكنولوجيا مشكلين الطَّور اللاحق من التطوُّر؟»، «وما مدى قدرة البشر على إبقاء «مسافة أمان» بينهم وبين مختلف الوسائل التكنولوجيَّة؟»، «وهل فعلًا ستكون الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الجنس البشري (كما اقترح «براون» في روايته): «تغليف الجينوم البشري في كبسولاتٍ وإرسال الملايين منها إلى الفضاء على أمل أن يتجذَّرَ أحدها، ونبذر الحياة البشرية في كوكب ناء؟!». أسئلةٌ تستثيرُ الفكر البشري وتنتظر الإجابات التي لن يقدِّمها سوى العلم، والتي حتمًا ستتطلَّبُ سنواتٍ من الأبحاث والدراسات!

  • إعداد: هنادي نصرالله
تعليقات
Loading...